الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 في كتاب (صعاليك دوت كوم) للاستاذ ظاعن شاهين مغامرة أدبية، ليست دون الصعلكة اتساعاً وامتاعا، ولا أقلَّ منها إثارة وإنارة، اتساعها ينجم عن اندياح هذه الرحلة الأدبية في ارض رحبة، تمتد من شبه الجزيرة العربية الى كل مكان في هذا العالم، طاف به طائف من الصعلكة، ووصلت اليه خيوط الشبكة التي نسجت منها اشرعة الانترنت. وامتاعها توأم اتساعها، لان هذه الشبكة جعلت التأليف بدعة ممتعة، وحولته من بحث فكري مملّ إلى قصّ مسرحيّ مشوقّ، تبعث فيه الاحداث والشخوص من مراقدها حية متحركة، ويدعى المؤلف والقراء الى مواكبتها ومراقبتها بالسمع والبصر، فاذا هم ابعاض الاحداث والاشخاص، لا رقباء غرباء، ولا واغلون متطفلون. وتأتي الاثارة من الفجاءة التي وضعتها بين يدي المؤلف فأرة الجهاز النهاز ـ ان نقرة رشيقة من سبابة ظاعن على ظهر الفأرة تظعن بك إلى أقصى المعمورة، وتتيح له ولك اختراق الافاق، واستحضار الاسرار من خلف الاسوار، بلا عنت ولا مشقة. بهذه اللمسة السحرية يأتيك من بعيد كل ما تريد وفوق ما تريد ماثلاً بلا تريث ولا تلبث، طائعا بلا اعتراض ولا امتعاض. وتأتي الانارة من تمزيق الظلام عن خفايا مغلفة بحجب الاهمال، وعن كنوز ملقاة في كهوف الاغفال، لتوضع متجاورة بين يديك على ما بينها من تباعد في الازمنة والامكنة. فاذا هي نوافذ نيرة، يطل جديدها على القديم، ويضيء معلومها المجهول، فيصبح الغامض واضحاً، والخفي جليا. في الفصل الأول من الكتاب تسافر مع المؤلف بلا جواز ولا تأشيرة من نجد والحجاز حتى مشارف اليمن لتقابل الصعاليك الجاهليين الذين حدثتك عنهم الخاطرة السابقة من خواطر هذا المحك النقدي، فتدرك عندئذ فضل الحوار الحي على البحث الجامد، وتود لو يدرس الادب العربي كله بهذا الاسلوب المسرحي، فيحيا مواته على النحو الذي أحيا به (ول ديورانت) موات الحقائق الفلسفية المجردة في كتابه الحواري (مباهج الفلسفة)، او على النحو الذي سلكه توفيق الحكيم في (حوارية محمد)، حينما اخرج السيرة النبوية من السرد التاريخي الى الحوار الحي. لقد سافر المؤلف في هذا الفصل بزيه العربي مع الدكتور يوسف خليف الى خيمة غرست اوتادها في كبد الصحراء، وامتدت حولها الرمال من كل جانب، ليقابل الراحلان أمير الصعاليك عروة بن الورد، ويحاوراه في افكاره وسلوكه وحياته وخروجه على قومه وعصره. وبعد المحاورة حظيا بالشنفرى، وبينما هما يحاورانه ويساورانه وقعت السبابة على الوثابة، فوثبت الفأرة في ثانية واحدة وثبة عمرها خمسة عشر قرناً، فإذا الباحثان يعودان الى القرن الحادي والعشرين، واذا السبابة تداعب الوثابة، لعلها تنقل المؤلف الى صعلوك آخر. لم يكد الرحّال يعود من الماضي الى الحاضر حتى عاوده الحنين الى الضرب في آفاق الصعلكة، فداعب بانملة السبابة كنف الفأرة الجوابة، فراحت تجوب وتلوب حتى قذفته في مضارب هذيل بين تهامة والحجاز. فإذا هو امام ابي خراش خويلد بن مرة الهذلي، يسأله على استحياء عن هربه من خصومه بني الديل، فلم ينكر أبو خراش، بل فاخر بالفرّ كما يفاخر غيره بالكرّ، لايمانه بان الهرب من العطب ذكاء، والتعرض للاخطار انتحار، وذكي حي ولو رمي بالجبن خير من مغامر ميت، ولو نعت بالشجاعة، وهو بهذا المبدأ يخالف قول العرب: هالك معذور خير من ناج فرور. ثم أحسّ المؤلف أنه باقتصاره على الصعاليك الجاهليين يحجر واسعا، فالصعلكة وأدب الصعلكة ظاهرة انسانية عامة، ليس لها جنس من البشر يحتكرها، ولا عصر من عصور التاريخ يتفرد بها. وانما هي نتيجة لاسباب، ومتى توافرت العوامل والعلل ظهر المعمول والمعلول. ولهذا امر المؤلف فأرته ان تنقله الى صعلكة اجنبية، فصدعت بالامر، ونقلته الى المانيا، وجمعته بالصعلوك العصري (هانز يورغن باغلسدورف) اللص الشريف الذي كان يسرق الاموال من الارصدة المتخمة، ويحولها الى الارصدة الجائعة، حتى اتهمه رئيس البنك الذي يعمل تحت امرته بانه كان يقلد (روبن هود). وعلى بساط الريح طار المؤلف من المانيا الى اسبانيا ليجتمع بالدكتور علي عبدالرؤوف علي البمبي صاحب كتاب المقامات وباكورة قصص الشطار الاسبانية. وبعد محاورة بين الزائر والمزور أجمع الباحثان على أن التراث العربي الشعبي ترك أعمق الاثار في التراث الاسباني، وان اكثر ما كتب من قصص الشطار والعيارين العرب انتقل من الشرق إلى الغرب بقوادم الاجنحة الاسبانية وخوافيها، يوم كانت الاندلس حاضرة من حواضر الثقافة العربية. غير ان التعصب الاوروبي ينكر ما قدمت به القوادم، أو يخفيه تحت الخوافي، ليجرد الفكر العربي من الابداع، ويرميه بالعقم، ويجعل العبقرية وقفاً على الشعوب الارية. والقسيم النقيض لهذا التزمت البغيض ما يلاحظه القاريء في (صعاليك دوت كوم) من سعة الافق، ونزاهة البحث، ومجانية الهوى، والتجرد للحق، والاقرار بالفضل لذويه، فمؤلف الكتاب أقرَّ لكل امة بما صنعت، ولم يسمح لامة العرب بأن تحتكر هذا اللون من الادب، فقال: «أنا أتكلم عن التراث الانساني، ولكني انطلق من خصوصيتي أولاً. ومن ثم اتلاقى عبر نقاط التماس، وأتواصل مع التراث بشكله العالمي». ان هذا التواصل، على ما فيه من انصاف وائتلاف، لا ينفي أن يكون للعرب قصب السبق، وشرف الريادة، وصدق التجربة. ولعل الخصوصية التي اشار اليها المؤلف، ولم يوضحها هي ارتباط الادب بالحياة، ونجومه عن التمرس بواقع معيش، لا نجومه عن خيال فني مبدع. وشتان في ميزان الواقعية بين ادب يسبق فيه الفعل القول، وادب لا يقترن قوله بفعل، وشعر الصعاليك العرب وقصص الشطار العرب والمقامات التي صورت طائفة من هذه القصص أوفت على الغابة في الواقعية التي تقرن الاقوال بالافعال. ومما ساعد كتاب (صعاليك دوت كوم) على أن يتخذ ابعادا انسانية ميله الى الاحصاء والاستقصاء، واحاطته بالصعلكة في تجلياتها المختلفة وعصورها المديدة، وذكره اشهر الصعاليك العرب في كل عصر من العصور، ومنهم (يعلى الاحول) من الامويين، و(عمران بن شاهين) و(جمال الملك) من العباسيين. وجمال هذا كان صعلوكا تقيا ورعا، لا يغير على غني يزكي ماله، بل يختار الاغنياء البخلاء، وكان يبني المساجد في الاماكن النائية بالمال الذي يغتصبه. وبعد موته اصبح قبره مزارا يتبارك به الناس. وفي ايام الخليفة المأمون اصبح للشطار قوة وشوكة، ونقابات ورئاسات، وقادهم زعيم منتخب أقرَّ له بالقيادة شطار عصره، وهو العريف (بنونة). وبعد عصر المأمون، وطوال العصور المتلاحقة شهدت الشطارة قادة كبارا لهم شأن ووزن، واخبار مأثورة، منهم: علي الزيبق، وأبو الباز، وأبو دلف، والطقطقي، ومنهم في الاندلس ابن عكاشة، والباز السنجابي، وهذا الباز استتابه المير، فتاب، وجعله قائدا لشرطته، ومنهم: عثمان الخياط الذي أمر اتباعه بأن يحافظوا على الفتوة والمروة، فلم يكونوا يسرقون الجيران والنساء، واذا اغاروا على غني لم يأخذوا الا شطر ماله، ومنهم: ابن سيار، وهو عيار طيار، سلطه الله على بخلاء التجار، كان يستحل الاغارة على أموالهم، ويوزع ما ينهب على من يستحقون الزكاة. ان في الصعلكة عالماً روائياً ساحرا، لكنه واقعي لا خيالي، متناقض السمات، متضاد القسمات تداخلت فيه الفضائل والرذائل، والاعتساف والانصاف، واللطف والعنف، والايثار والاثرة، والوفاء والغدر والكر والفر. ولا تستطيع مهما تبغض هؤلاء الاشقياء، واللصوص الكرماء، الا ان تمزج البغض بشيء من الحب. فتحمل لهم في نفسك من الاكبار مثل الذي تحمله من الاحتقار، وان تلتمس لهم من الاعذار ما يتغمد ذنوبهم بشيء من العفو، وان يخالط غضبك عليهم من الاشقاق منهم والشفقة عليهم ما ما تسوغ به انحرافهم عن الحق، وانجرافهم الى الباطل، واعترافهم بالجرائر. ومما يجعل الحكم للصعاليك أو عليهم عسيراً أنك لا تجد عندهم الظلم الخالص، فتأخذهم به، ولا العدل المحض فتبرئهم على اساسه، بل تجد عندهم تناقض النفس البشرية وترددها، والصراع بين الخير والشر، والتقلب بين الايمان بالدين والانقياد للدنيا، بين ايذاء الاغنياء وايواء الفقراء. فتحار كيف تحاكم القوم، وعلى من تضع اللوم: أتلوم الذين أثروا فأمسكوا؟ أم الذين املقوا فتصعلكوا؟ اتلقي على الصعاليك وحدهم تبعهات النهب والسلب؟ ام تحمل كفلا منها على البنية الاجتماعية التي افرزتهم، والتفاوت الطبقي الذي انجبهم، ثم تودعهم، وانت تقرأ قوله تعالى: «ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها». د. غازي مختار طليمات