الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 تقف آثار ميسا فيردي التي تعني الطاولة الخضراء في اللغة الاسبانية والتي تقع في ولاية كولورادو الاميركية شاهداً على عظمة وعبقرية الانسان وتجسيداً حياً على قدرة الانسان على التكيف مع مختلف الظروف وتوظيف تلك القدرات في بناء مجتمعات بشرية متطورة. وبالرغم من ان الكثيرين ـ يجهلون ميسا فيردي، الا ان مجلة ناشيونال جيوغرافيك المرموقة وضعتها ضمن قائمة افضل المواقع الخمسين في العالم والتي تعتبر زيارتها مثل الواجب تماماً. ليس هذا فحسب فقد اختارتها هيئة اليونسكو كواحد من المواقع الثقافية التراثية الانسانية اعترافاً منها بعظمة ثقافة قدماء بويبلو الذين بنوا نهضة شملت جميع نواحي الحياة خلال الفترة الممتدة من القرن السادس وحتى القرن الثالث عشر. وتقع الطاولة الخضراء بكل عبق التاريخ الذي يفوح من البنايات ذات الهندسة المعمارية الفريدة في الجزء الجنوبي الغربي من ولاية كولورادو، وهي ليست مدينة اثرية واحدة فقط، بل منطقة اثرية شاسعة تتشكل فيها الجبال والتضاريس وقمم الجبال الخضراء وقصور الصخر والسهول الممتدة التي تضم بين جنباتها انتاجاً انسانياً شديد التنوع والثراء. وشيد رجال بويبلو الذين يطلق عليهم اناسازي القلاع ومئات الحجرات التي تضم مدناً بأكملها في قلب الجروف الصخرية في ميسا فيردي، والالاف من المواقع التي صمدت بقاياها طوال القرون لتقدم نموذجاً رائعاً على صلابة الانسان وتجعل الاميركيين يتفاخرون بأن بلادهم تضم واحدة من اقدم الحضارات التي مزقتها الانسانية. وتجسد الاثار ثقافة وضع اسسها اناس عاشوا خلال الفترة 600 ـ 1300 للميلاد ووضعوا اللبنات الاولى للمجتمعات الانسانية المتحضرة التي عاشت حقباً متلاحقة من الرفاهية والاستقرار وشيدوا القرى الصخرية في الجروف المحمية داخل جنبات الاودية الضيقة، ويعتقد علماء الآثار ان هذه القرى الصخرية كانت الملاذ الآمن للسكان الذين شيدوها خلال المئة عام الاخيرة لاحتلالهم لمنطقة ميسا فيردي التي هجروها لاسباب غير معروفة واتجهوا لجهة مجهولة. ومع ذلك يواصل هؤلاء العلماء ابحاثهم عن المنطقة لتتبع العلاقة بين السكان القدماء ونحو عشرين قبيلة من السكان الاصليين لاميركا تدعي ان اصولها تعود لتلك المنطقة. ويقول علماء الآثار ان حضارة اناسازي تشكلت طوال قرون من التطور والتغيير في منطقة الاركان الاربعة، وعندما ينظر الواحد الى تلك الآثار وقصور الصخر لابد وان يجد نفسه امام السؤال من اين اتى هؤلاء ومن هم اجدادهم. ومن المعروف انه ومنذ ما يزيد على عشرة آلاف عام كان الصيادون ينشطون في هضاب كولورادو، واعاقت التضاريس الصخرية حركتهم في منطقة جرداء شاسعة وتشكيلات صخرية متباعدة وشح في المياه والخضرة والحيوانات، الامر الذي قلل من عدد الصيادين. وتمكن العلماء من خلال عمليات التنقيب والدراسات اعادة تشكيل المجتمعات القديمة من المزارعين الذين عاشوا في ميسا فيردي طوال سبعة قرون وفي بيئة طاردة. وتوصلت الدراسات الى ان تلك المجتمعات طورت مهارات غير اعتيادية في استنباط وسائل للحياة ساعدتهم في التوسع والتحول من مجرد مجتمعات من الصيادين الى مجتمع متحضر شديد التعقيد يتكون من آلاف البشر. ويعود الفضل في ذلك الى المناخ المعتدل وطبوغرافيا المكان والحياة النباتية، اضافة الى قدرتهم على زراعة القمح والحبوب وبعض الخضروات والتكيف مع البيئة التي يعيشون فيها. وبعد ان ادركت الحكومة الاميركية القيمة التاريخية العالية لمنطقة ميسا فيردي اصدر الكونغرس قراراً تحولت المنطقة بموجبه الى حديقة قومية العام 1890 وذلك للحفاظ على المنطقة الاثرية الاكبر مساحة في البلاد والتي تضم اكثر من اربعة آلاف موقع اثري ونحو ستمئة قصر داخل الجروف الصخرية. وبالاضافة الى ذلك صدر القانون الفيدرالي للآثار العام 1906 وقانون حماية المواقع الاثرية العام 1979 لحظر الاضرار بالآثار او تدميرها وزيارة اي من القصور الصخرية الا بمرافقة مسئول في الحديقة. وتكشف الرحلة لمنطقة ميسا فيردي بعضاً من اسرار الانسان الذي يبنى تلك الحضارة وتمكن من ترويض ارض قاحلة وتحويلها الى مجتمعات متحضرة وسكن فوق قمم الجبال التي يزيد ارتفاعها عن ستة الاف قدم وبنى الحدائق والقصور الحجرية في جوفها. وهكذا يضيف الانسان صفحة مضيئة لتاريخ البشرية الذي يحتشد بالادلة والاثباتات على عبقرية الانسان في كل مكان وزمان. مأمون الباقر