السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 الكاكولا زي علماء الأزهر منذ مئات السنين أصبحت مهددة بالانقراض ويرجع هذا الزي الى الأتراك الذين أدخلوه الى مصر عقب انضمامها الى الامبراطورية العثمانية في القرن الخامس عشر الميلادي، ومنذ هذا التاريخ يحرص علماء الأزهر على ارتداء هذا الزي وكان الطالب الأزهري يطرد اذا ارتدى غيره، أيضا كان المطربون الشعبيون ـ ولايزال بعضهم ـ وبعض الفئات والمهن يحرصون على ارتدائه لكن مع مرور الوقت أخذ علماء الأزهر يتخلون عن هذا الزي ويتجهون الى ارتداء الملابس الحديثة مثل البدلة وغيرها. وقد قامت صناعة كبيرة في مصر لتصنيع هذا الزي وكانت منطقة الأزهر والحسين وشارع محمد على هي مقر تلك الصناعة واشتهرت بعض الورش وبعض الخياطين «الحائكين» الذين كان يلجأ اليهم علماء وطلاب الأزهر لخياطة هذا الزي الذي لايزال يلقى صاحبه كل احترام وتقدير. التحقيق التالي يعرض لأسباب تدهور صناعة الكاكولا ولماذا أصبحت مهددة بالانقراض؟ في البداية التقينا بأشهر خياط كاكولا في الوقت الحاضر في مصر وهو سعيد أبوزيد وسألناه. ـ لماذا اخترت مجال خياطة الكاكولا بالذات؟ ـ تخصصي الأساسي كان خياطة البدلة لكننى منذ سن مبكرة عشقت خياطة الكاكولا وشجعنى على ذلك أحد كبار الخياطين المشهورين في منطقة الحسين وهو الحاج حسن سليم ـ رحمه الله ـ وبدأت العمل في هذا المجال منذ عام 1969 لكن منذ سنوات أصبح سوق الكاكولا غير رائج لانتشار الكاكولا الجاهزة التى تنتجها شركة المحلة فاتجهت مرة أخرى الى خياطة البدلة بجوار الكاكولا لكن بدأ سوق الكاكولا ينشط من جديد منذ عام 1990 عندما افتتحت محلا في مدينة البعوث الاسلامية لخياطة الكاكولا خاصة للطلاب الوافدين من دول العالم للدراسة بالأزهر بجانب بعض الأئمة والدعاة المصريين. ـ وهل يقبل الطلاب الوافدون على ارتداء الكاكولا؟ ـ نعم فهؤلاء الطلاب يحرصون خاصة بعد انتهاء دراستهم وقبل عودتهم الى بلادهم على خياطة الكاكولا وحملها الى بلادهم أيضا بالنسبة للأئمة والدعاة من مختلف الدول الاسلامية والذين تعقد لهم دورات تدريبية بالأزهر يحرصون على شراء الكاكولا وأتولى أنا مهمة الخياطة لهم وأحيانا يقوم الأزهر باهداء الكاكولا لهؤلاء الأئمة والدعاة كما تقوم وزارة الأوقاف بمنح الأئمة والدعاة عند تعيينهم كاكولا شتوى واخرى صيفي. ـ هل من يخيط الكاكولا هو نفسه الذي يتولى خياطة الطربوش والعمامة؟ ـ لا أنا أخيط الكاكولا فقط أما بالنسبة للطرابيش فهناك ورش خاصة تقوم بتصنيعها وهناك ثلاثة محلات في شارع الفجالة تبيع الطرابيش كذلك بالنسبة للعمائم فهي شلان بيضاء تباع في مختلف الأماكن ومن المعروف ان الطربوش الذي يرتديه العلماء يشبه الطاقية ولا يحتوى على حشو من الداخل. ـ هل تختلف الكاكولا الصيفية عن الكاكولا الشتوية؟ ـ تختلف في نوعية القماش والبطانة فقماش الكاكولا الشتوية ثقيل ومرتفع الثمن وبطانتها كاملة أما الكاكولا الصيفية فقماشها خفيف ونصف بطانة فقط. ـ من أشهر زبائنك؟ ـ في البداية عندما كنت أعمل في منطقة الحسين كان الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق من أشهر زبائنى بالاضافة الى عدد كبير من أساتذة وعلماء الأزهر وبعض الدعاة والأئمة. ـ ما أهم موقف واجهك يتعلق بالكاكولا؟ ـ عندما بدأت في تعلم خياطة الكاكولا عند الحاج حسن كنت متعجلا لتعلم خياطتها ولم يكن الحاج حسن يعطينى الفرصة فجاء أحد الزبائن ولم يكن الحاج حسن موجودا فقمت بقص القماش وبدأت في خياطة أول كاكولا في حياتى لكن لسوء الحظ دخل الحاج حسن وقال ان قصة الكاكولا خاطئة وعليك ان تشترى قماشا على حسابك لتعويض الزبون وبالفعل تحملت هذه المسئولية ودفعت ثمن القماش. ـ هل هناك خياط متخصص الآن في خياطة الكاكولا فقط؟ ـ في الماضى كان هناك متخصصون في خياطة الكاكولا وكانوا لا يخيطون غيرها أما الآن فالشباب لا يقبل على تعلم خياطة الكاكولا ويفضل خياطة البدلة أو البنطلون أو القميص أو الملابس الحريمى رغم ان خياطة الكاكولا سهلة وقصتها تشبه قصة البالطو لكنها تحتاج الى تركيز وصبر وقصتها تحتاج دقة أكثر. ـ وما سبب ذلك؟ ـ الكاكولا للأسف لم يعد لها زبون فكثير من علماء الأزهر لا يرتدون الكاكولا الآن ويفضلون الملابس الآخرى عليها وبالنسبة للذين يرتدون الكاكولا يكتفي الواحد منهم بما يحصل عليه من الأزهر أو وزارة الأوقاف في بداية تعيينه بالاضافة الى ان من يحتاج الى كاكولا يشترى النوعيات الجاهزة التى تصنعها شركة المحلة. ومن ناحية آخرى انقرض الصنايعية ولا يوجد صبيان يرغبون في تعلم خياطة الكاكولا فالآن لا يوجد أكثر من عشرة أشخاص في القاهرة متخصصين في خياطة الكاكولا لأن الخياط يستسهل خياطة البنطلون. ـ ألا يوجد أمل في تأهيل متخصصين في خياطة الكاكولا؟ ـ في الحقيقة لا يوجد أمل وحتى بالنسبة لنا لولا اننا نجيد خياطة الملابس الآخرى لما استطعنا الاستمرار في خياطة الكاكولا. ـ هناك كثير من المعاهد الأزهرية تفرض على طلابها ارتداء الكاكولا والعمامة فهل هذا يساهم في انتعاش سوق الكاكولا؟ ـ هناك معهد وحيد يفرض على طلابه ارتداء الزي الأزهري هو معهد شبرا الأزهري وهذا المعهد متعاقد مع شركة المحلة لتوريد هذا الزي لطلابه فسوق الجاهز طغى تماما على التفصيل. ـ ما الفرق بين الكاكولا الجاهزة والتفصيل؟ ـ الاختلاف في الذوق والمقاس فالجاهز تكون مقاسات معينة تحددها الشركات وقد لاتتلاءم مع كل الأجسام في حين ان التفصيل يكون مضبوطا تماما بالنسبة للشخص ويراعى رغباته وذوقه. ـ هل تشعر بالحزن لانقراض صناعة الكاكولا؟ ـ نعم أنا حزين جدا لأننى أعشق تفصيل الكاكولا وأشعر بالفخر حين أعمل في خياطة هذا الزي الذي يعد تراثا اسلاميا جميلا ولولا اننى أجيد خياطة البدلة لما كنت قادرا على كسب لقمة العيش الآن وللأسف ألاحظ الآن ان العاملين في مهنة الخياطة لا يلتزمون بالتخصصات التى كان متعارفا عليها فكان هناك ترزي بدلة وترزي قميص وترزي بنطلون وترزي كاكولا وهكذا واعتقد ان هذا يرجع لطغيان الملابس الجاهزة ولم يعد الترزي يكتفي بتخصص واحد وانما يعمل في أكثر من تخصص حتى يتمكن من كسب لقمة العيش. ـ هل الخياطون المتخصصون في الكاكولا كانوا منتشرين في مختلف أنحاء مصر في الماضى؟ ـ نعم لكن كانت هناك منطقة مشهورة تجمع أكبر عدد من الخياطين والمحلات التى تبيع هذا الزي هي منطقة الأزهر والحسين وكان كل من يفكر في شراء أو خياطة الكاكولا يتوجه لتلك المنطقة. ـ هل سعر الكاكولا الجاهزة أغلى من التفصيل ولهذا يفضل الزبائن الجاهزة؟ ـ نعم فاسعار الكاكولا الجاهزة تقل حوالى 25 جنيها عن التفصيل وقد يزيد التفصيل أكثر من ذلك حينما يتم اختيار نوع من القماش غالى السعر ويصل سعر الكاكولا الجاهزة الى 200 جنيه أما بالنسبة للتفصيل فيصل سعر الخياطة فقط الى 100 جنيه للكاكولا الصيفي و150 جنيها للكاكولا الشتوي بجانب سعر القماش الذي يتحدد حسب نوعيته كما ان ثمن الخياطة للكاكولا الشتوي يرتفع مقارنة بالصيفي لأن الكاكولا الشتوي تأخذ بطانة كاملة فنحن نضع للكاكولا حشوا في الداخل كان في الماضى عبارة عن شعر انجليزي لكنه انقرض ويستبدل الآن بفزلين شعر وهناك نوعان الآن من البطانة بطانة ساليا وبطانة قز. ـ هل الكاكولا التى تخيطها للطلاب الوافدين بالأزهر والدعاة غير المصريين تختلف عن الكاكولا المصرية؟ ـ نعم هناك اختلافات فالكاكولا المصري تختلف مثلا عن الكاكولا الباكستاني والماليزي والجزائري وغير ذلك فالكاكولا غير المصرية بدون ياقة وأكمامها ضيقة في حين ان الكاكولا المصرية بنصف ياقة وأكمامها واسعة والدعاة غير المصريين يتباهون بأن لديهم كاكولا مصرية وهم يحاولون ارتداء نفس زي شيوخهم وأساتذتهم. ـ هل تتوقع اختفاء الكاكولا في المستقبل؟ ـ نعم أتوقع انقراض الكاكولا واختفائها من مصر بصفة خاصة خلال عشر سنوات لأن الشيوخ والدعاة أصبحوا يفضلون ارتداء الملابس الحديثة. ـ كم عدد الخياطين المتخصصين في الكاكولا الآن وكم عدد الورش التى تنتجها؟ ـ عدد الخياطين المتخصصين لا يتجاوز العشرة ولا توجد ورش خاصة لكن تنتج الكاكولا في السجون بالاضافة الى شركة المحلة وهي الشركة الوحيدة التى تعمل في هذا المجال. ـ هل يعرف الخياطون المتخصصون في الكاكولا بعضهم بعضاً؟ ـ أغلب الخياطين الكبار توفوا وهؤلاء كانوا يتمتعون بشهرة كبيرة فكان هناك على سبيل المثال الأسطى حسن والحاج عبدالعظيم والأسطى محروس وكانوا يعرفون بعضهم البعض وتربطهم علاقات جيدة أما الآن فنحن نعرف بعضنا لكن لا توجد علاقات أو اتصالات لأننا لا نعمل في منطقة واحدة كما كان الحال في الماضى. ـ وزارة الأوقاف تشجع الدعاة على ارتداء الزي الأزهري فهل هذا يمكن ان يحدث رواجا في تلك المهنة؟ ـ رغم هذا التشجيع فان أعداد الذين يحرصون على ارتداء الكاكولا يتناقص من وقت لآخر واعتقد ان ذلك لن ينعش مهنة خياطة الكاكولا لطغيان الجاهز على الساحة. التقينا بخياط آخر هو سيد عبدالرحمن محمود فقال: لقد تعلمت خياطة الكاكولا في منطقة الحسين مع أحد الخياطين القدامى ومازلت أعمل في تلك المهنة لكن عندما وجدت ان الاقبال عليها لم يعد كما كان في الماضى تخصصت في خياطة البنطلون الى جانب الكاكولا حتى أتمكن من كسب لقمة العيش موضحا ان الجاهز طغى على التفصيل كما هو الحال بالنسبة للملابس الآخرى وهذا جعلنا نخرج من السوق لكن اذا جاء الى من يرغب في تفصيل كاكولا أقوم بتفصيلها. ويشير الى ان الورش الخاصة التى كانت تنتج الكاكولا لم يعد لها وجود الآن كما ان الخياط المتخصص الذي لا يعمل في شئ آخر لم يعد له وجود أيضا بسبب كثرة المعروض من الجاهز واتجاه الذين يرتدون الكاكولا الى شراء الجاهز فالخياط الآن يجمع بين أكثر من تخصص. ويضيف: قبل عشر سنوات كنت أكتفي بخياطة الكاكولا لأنها في ذلك الوقت كانت مهنة مربحة وعليها اقبال كبير بجانب انها المهنة التى أعمل فيها منذ أكثر من ثلاثين عاما وكانت الورش منتشرة في شارع الأزهر وشارع محمد علي وكانت هذه المنطقة معروفة بأنها تبيع وتنتج الزي الأزهري ولوازمه. ويوضح ان الكاكولا فن وذوق وهي قد تختلف في شكلها حسب رغبة الزبون فالبعض يفضل الأزرار المخفية والبعض يفضل الأزرار الظاهرة والبعض يفضل نصف ياقة حول الرقبة والبعض يفضل الكاكولا بدون ياقة. ويؤكد انه أصبح يخيط كاكولا واحدة كل شهر بعد ان كان يخيط اثنتين يوميا في الماضى مشيرا الى انه يخفض أجرة الخياطة تشجيعا للزبائن عن الأجور المتعارف عليها. وحول سؤال عن توقعه بعودة سوق الكاكولا للرواج من جديد يقول سيد عبدالرحمن: لا أتوقع ذلك رغم ان الزبون لايزال موجودا لكن من يرتدى الكاكولا الآن يكتفي بواحدة أو اثنتين طوال حياته لأن عمرها طويل لكن في الماضى كان قارئ القرآن يشترى عددا كبيرا وبألوان مختلفة وأذواق مختلفة أما الآن فحتى قارئ القرآن يكتفي بكاكولا واحدة أو اثنتين أو قد يرتدى البدلة في بعض الأحيان. ويشير الى انه لايزال يحظى بثقة العديد من أساتذة الأزهر وبعض الأئمة والدعاة ويفصل لهم الأزياء التى يريدونها وله أيضا زبائن من المطربين الشعبيين وفي مقدمتهم الشيخ ياسين التهامى المطرب المعروف وزبائنه من قراء القرآن أصبح عددهم أكبر من أساتذة وعلماء الأزهر. والتقينا محمد عوف ابراهيم صاحب محل أبوعوف بمنطقة الأزهر وهذا المحل كان من أكثر وأكبر المحلات شهرة في بيع الزي الأزهري فقال: لم نعد نبيع الزي الأزهري الآن لأنه لم يعد له زبون وبالتالى لم يعد يحقق لنا ربحاً وهذا جعلنا لا نعرضه منذ عدة سنوات. ويشير الى انه استبدل الزي الأزهري بعرض كل الأزياء الحديثة لمختلف الفئات لأنه رأى أن هذا أفضل ويحظى بالطلب الأكبر موضحا أنه ليس من المنطقى ان يعرض سلعة لم يعد لها زبون. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد