الجمعة 16 صفر 1424 هـ الموافق 18 ابريل 2003 تنتظم رحلة مهرجان كوروبوري من سهول أرنيم لاند إلى مياه خليج تورس الدافئة وتنطلق الأغنيات والاهازيج حول الأحلام العظيمة لقبائل الابورجيني السكان الاصليين لاستراليا وترتفع الاصوات وهي تردد اناشيد برولي ووارد أي سلحفاة البحر وجار تمبال أي الكنغزو الاحمر في محاولة للفت النظر الى اصل الحياة. وتحكي مجموعة اغنيات برولجا عن نشوء وتطور فتاة صغيرة وعن طقوس التطهر من الارواح خلال موسم المطر في سهول ارنيم، كما تحكي اغنية رو، الأكثر شيوعاً عن العلاقة الازلية بين الصائد والطريدة، وترمز اغنية سلحفاة البحر الى الابداعات الثقافية واسطورة راقص البنجارا وتتحدث عن علاقة الطيف بالماء في تلك السهول وتستحضر صخب الحياة اليومية بكل ما فيها من احداث ولادة او موت أو نضال من أجل حياة كريمة. ويتمحور مهرجان كوروبوري حول تحول الارواح البشرية والعلاقة بين مختلف مجتمعات الابورجيني والمخلوقات والارض والعناصر التي توحد الانسانية، وهي مناسبة تحض على النهوض والاستيقاظ لمواجهة التحديات المادية والروحانية ورحلة تمتد طوال حياة الإنسان ودعوة للتوحد داخل اطار الانتماء لاستراليا، الارض الأم وعودة الى النقاء وطهارة النفس من خلال الرقص والغناء. وينقسم المهرجان الى ثلاث فقرات رئيسية تعكس جانباً من معتقدات الابورجيني. وتتضمن كل فقرة رقصة معينة تدور فكرتها حول توحد الطيف والماء من خلال حركات مدروسة بعناية فائقة وبقيادة المنفى الذي يتجول من مكان لآخر وهو يطلق صيحات التشجيع باللغة الاصلية ويوجه الراقصين لاداء حركات معينة. وينظر الابورجيني للرقصتين الأولى والثانية نظرة خاصة لأنهما تجسدان اندماجهم في المجتمع الاسترالي ورضاهم بالتعايش مع الرجل الابيض بالرغم من انه استباح ارضهم. وتبدأ الرقصة الأولى بطقوس التعميد التقليدية لفتاة من سهل ارنيم وذلك بوضع الطين على رأسها وإنشاء ترانيم خاصة تشير إلى ادماجها في المجتمع الاسترالي الكبير ويتم ذلك خلال اداء رقصات ترافقها ايقاعات هادئة تتقدم اثنائها الفتاة نحو وسط الدائرة حيث يسير الراقصون الذين يمثلون كبار رجال القبيلة نموها في خطى وئيدة ومن ثم يحيطون بها ويضعون الطين على رأسها بعدها تنهض الفتاة رافعة يديها وهي تردد عبارات تؤكد اندماجها في المجتمع الجديد. وبخلاف الرقصة الأولى فان الرقصة الثانية تتميز بسرعة الايقاعات والصخب، ويظهر فيها فتى يافع يتقدم نحو وسط الحلقة وهو يضرب الارض بقدميه ويقفز في الفضاء مطلقاً الصيحات ويؤدي حركات عنيفة وكأنه محارب متمرس. وعندما يتوسط الفتى الحلقة تتقدم نحوه نساء القبيلة وهن يرقصن علي ايقاعات الطبول ويقمن بالدورات حوله عدة مرات ثم يضعن الطين على كتفيه وينشدن اغنية وهن يغسلن كتفيه لازالة الطين ما يعني ان روحه قد وافقت على الاندماج في المجتمع. ويختتم المهرجان باداء رقصة سلحفاة البحر التي ترمز لتطور البشرية وقدرة الإنسان على التكيف مع مختلف الظروف المناخية والمواقف العدائية. وتعكس الرقصة الموروثات التقليدية للسكان الاصليين ولا يؤديها إلا الشباب الذين تم تعميدهم واندمجوا في المجتمع الاسترالي الكبير. وهنا يتقدم الراقصون في صفوف متراصة في اطراف الحلقة نحو الوسط حيث تكون النساء في انتظارهم، وتأتي اللحظة التي يندمج فيها الجميع وهم يرقصون على عزف آلة الديدجريد، وهي الآلة الموسيقية التقليدية الأكثر شيوعاً وسط الابورجيني. واستفاد الرجل الأبيض من هذا المهرجان الذي تم تحويله الى سلعة تجارية تزايد الاقبال عليها، وتأسست فرق الموسيقى والرقص التي اضافت الى رقصات الكوروبوري وادخلت الآلات الموسيقية الحديثة واخذت في عرض الرقصات على خشبات المسارح في أوروبا ولكن بدون راقصين من الابورجيني. ومع ذلك لايزال السكان الاصليون يؤدون هذه الرقصات في المهرجانات السنوية التي ينظموها مستلهمون روح الاجداد ومحافظون على التراث. مأمون الباقر