السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 بعد انقضاء فترة ليست بالقصيرة على الطلقة الاولى في غزو العراق من قبل القوات الاميركية والبريطانية، تواصل شبكات التلفزة نقل صور لجنود اميركيين وبريطانيين يرتدون الاقنعة الواقية من الغاز والملابس الواقية للجسم لحماية انفسهم من هجوم عراقي مزعوم بالاسلحة الكيماوية. لقد قام الجنود بالتمارين وهم يحملون افضل اجهزة الكشف عن المواد الكيماوية التي يمكن للجيش ان يشتريها. ويحمل جنود المارينز الاميركيين جهازاً جديداً للكشف، ولكنه جهاز طبيعي هو الحمام، الذي يعمل كطيور الكناري في مناجم الفحم في القرن التاسع عشر. فهذه الطيور حساسة جداً لغازات الاعصاب مثل السارين و«في اكس» بحيث انها تتأثر بوجود نسبة ضئيلة من هذه الغازات في الجو. اما الامر الذي لم يبلغ به هؤلاء الجنود، فهو ان واحداً من بين كل عشرة جنود لا تقل حساسيتهم لغاز الاعصاب عن حساسية الحمام. وهناك الآن ادلة متنامية على ان التعرض لكميات ضئيلة من هذه الكيماويات يمكان ان يتسبب في ضرر دائم للدماغ لدى الاشخاص سريعي التأثر بها، وذلك هو ما حدث بالضبط قبل 12 عاماً عندما بدأ الوف الجنود العائدين من الكويت يشكون من اعراض وهن عام في الجسم. ووجدت الدراسات المتكررة ان نسبة الاشخاص المرضى في اوساط من خدموا في حرب الخليج تزيد بـ 30% عن الاشخاص الذين لم يخدموا في الحرب. ولكن الموقف الرسمي البريطاني والكندي والاميركي هو ان عارض حرب الخليج ليس حالة طبية معينة. والجميع يقبلون بوجود شيء ما على غير ما يرام لدى قدامى المحاربين في عام 1991، ولكن البحث الرسمي تركز على اجهاد ما بعد الصدمة وقد دفعت الولايات المتحدة تعويضات عن الاعاقة لأكثر من 110 آلاف من جنودها الذين خاضوا تلك الحروب والبالغ عددهم 696 ألفاً. وفي اكتوبر من عام 2002، اعترفت وزارة الدفاع الاميركية بوجود دليل متزايد على ان ضرراً عصبياً يؤثر على الجنود السابقين. وقامت بمضاعفة التمويل الخاص بالبحوث، بما فيها العمل على تطوير علاجات وقائية ووصف قدامى المحاربين هذا الاجراء بأنه «انقلاب مذهل». وقد تمثل جانب من المشكلة في ان قدامى المحاربين ابلغوا عن مجموعة واسعة من الاعراض التي وان كانت خطيرة ومزمنة، الا انها غالباً ما تعرّف بشكل غامض. ولكن الباحثين في وحدة البحوث الخاصة بأمراض حرب الخليج بكلية كنجز في لندن اثبتوا في سبتمبر الماضي ان الاجهاد والتوتر لا يمكنهما لوحدهما ان يفسرا الاعراض التي ظهرت على الجنود البريطانيين. وفي الوقت نفسه، حدد فريق طبي في الولايات المتحدة ثلاثة اعراض مختلفة في اوساط قدامى المحاربين في حرب الخليج. واستخدم هان كانغ وفريقه في الدائرة الاميركية لشئون قدامى المحاربين اسلوباً احصائياً يسمى تحليل العوامل يكشف عن المجموعات غير العادية من الاعراض. ووجد اعضاء الفريق امراضاً تطابقت مع تلك الامراض التي شوهدت في مجموعة صغيرة من قبل روبرت هالي من المركز الطبي الجنوبي الغربي في جامعة تكساس بدالاس، الذي كان رائداً في هذا التحقيق. المرض، او العارض الاول، يتضمن اعراضاً مثل الاضطرابات في النوم والذاكرة بينما يعاني الاشخاص الذين لديهم العارض الثالث من اعراض ألم المفاصل والعضلات. والاخطر من بينها هو العارض الثاني الذي تتضمن اعراضه التشوش والدوار. وعندما استخدم فريق هالي فحص الرنين المغناطيسي لدراسة قدامى المحاربين الذين يعانون من العارض الثاني، وجدوا انهم قد فقدوا خلايا عصبية لها علاقة بمهام الدفاع التي تشوشت لدى الاشخاص الذين يعانون من العارض. وفقد المحاربون الاخرون الذين يعانون من الامراض الاخرى خلايا عصبية في مناطق الدماغ التي تلائم اغراضهم. وتأكدت هذه النتيجة من دراسة اخرى قام بها الخبير مايكل وينر من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو: ما الذي سبب هذا الضرر؟ لقد وجد هالي ان قدامى المحاربين الذين يعانون من العارض الثاني كان احتمال وجودهم لدى اطلاق صفارات الانذار بخطر التعرض لهجوم كيماوي اكبر بثماني مرات من نظرائهم الاصحاء. ففي يناير 1991، اكتشف خبراء تشيكيون يستخدمون اجهزة حساسة روسية الصنع وجود عامل اعصاب بالقرب من معسكر للجيش الاميركي في السعودية. غير ان السلطات العسكرية نفت من جانبها ان يكون اي جندي قد اصيب بسلاح كيماوي خلال عاصفة الصحراء، نظراً لأنه لم يظهر اي من الجنود اعراضاً حادة للتسمم بغاز الاعصاب. ولكن جوناثان تاكر من المعهد الاميركي للسلام، وهو مؤسسة فكرية تمول من الكونغرس ومقرها واشنطن، عثر على العشرات من التقارير التي تتحدث عن اكتشاف مستويات منخفضة من الاسلحة الكيماوية بالقرب من القوات. وربما تكون هذه المواد الكيماوية قد انطلقت عندما قامت قوات التحالف بقصف مصانع الاسلحة العراقية. والسر في اصابة بعض الجنود دون غيرهم يعود الى وجود مستويات منخفضة من انزيم خاص في الدماغ يعمل على تدمير غاز الاعصاب ويحيّد تأثيره. وكان الدليل على ان هذا النوع من الضرر الجسدي هو الذي يعتبر الاساس لعارض حرب الخليج يتنامى منذ عام 1997، ولكن الحكومة الاميركية لم تبدأ بأخذه على محمل الجد الا في العام الماضي بعد ان قامت دائرة شئون قدامى المحاربين بتعيين لجنة استشارية بحثية جديدة حول قدامى محاربي حرب الخليج. وتعتزم الدائرة الان القيام بمسح وطني شامل لقدامى المحاربين بناء على الاعراض المحددة حديثاً، بينما يعمل هالي على بناء مختبر كبير لمراقبة الضرر الدماغي بدقة اكبر، ويقول بهذا الخصوص: «سننتقل بعد ذلك الى ايجاد العلاجات». ان مثل هذا التطور يعد بالقاء المزيد من الضوء على سبب اصابة الكثير من قدامى المحاربين في الخليج بالمرض، وبمنع تكرار ذلك. ولكن هذا التقدم جاء متأخراً في مساعدة الجنود الاميركيين والبريطانيين الذين قد يتعرضون لهجوم كيماوي في هذه الحرب الراهنة. ضرار عمير