الجمعة 9 صفر 1424 هـ الموافق 11 ابريل 2003 يقدر العلماء ان هناك ما بين 310 و422 الف نوع من النباتات تعيش على الارض وعليها يعتمد وجود الحياة على كوكبنا. لكن تقارير كثيرة حذرت من ان هذا التنوع النباتي، الحيوي معرض للخطر وان حوالي نصف هذه الاصناف النباتية ربما تكون معرضة للانقراض. اذا جمعنا وزن جميع البشر على وجه الارض مع وزن حيواناتهم المدجنة، سيصل الرقم الى مليار رطل، والحقيقة ان كل رطل من وزن اللحم الحي يعتمد على الحياة النباتية التي تتعرض للاستنزاف على ايدي البشر وحيواناتهم الداجنة. هناك حوالي 270 الف نوع مصنف رسميا من النباتات المزهرة، وربما يوجد 50 الف نوع آخر لم تصنف رسميا بعد، ومن المرعب ان 30% من هذه الاصناف معرضة للانقراض وربعها سوف يختفي خلال 50 عاماً. بحسب بيتر كوين، مدير الحدائق النباتية الملكية في كيوبلندن. وفي مواجهة هذه الاخطار الجسيمة المحدقة بالكوكب، انشأت حدائق كيو الملكية في عام 2000 المقر الاستراتيجي الرئيسي لمشروع بنك بذور الالفية الذي رصد له 80 مليون جنيه استرليني في مقاطعة سيسكس ويؤوي المجمع الذي يتخذ شكل ثلاثة انفاق زجاجية بارزة فوق الارض مركز ابحاث فائق التطور ومعرضاً تفاعلياً جميلاً لا يدع عند الزائر شكاً في ان النباتات هي لحم كوكبنا ودمه واوكسجينه. لكن القسم الاكثر اثارة في المبنى يقع في العمق تحت اقدام الزوار: انه مستودع تحت الارض تحصن ضد الاشعاعات والقنابل، تجمع فيه بذور اكثر الاصناف النباتية في العالم تعرضاً لتهديد الانقراض. أولاً وقبل كل شيء فإن مشروع بنك بذور الالفية في سباق محموم مع الزمن، وبحسب تقديرات حدائق كيو فإن 25 بالمئة من الاصناف النباتية في العالم تواجه خطر الانقراض في الخمسين سنة المقبلة نتيجة للتضخم السكاني العالمي والزحف العمراني ودمار المواطن الطبيعية والتغير المناخي والتصحر، ومن هنا تبرز اهمية الهدف الذي حدده المشروع لنفسه والمتمثل في التركيز على المناطق الجافة التي تغطي ثلث سطح الارض لجمع وتخزين البذور في 10 بالمئة من الاصناف النباتية الاكثر عرضة للخطر بحلول عام 2010. المستودع المبني تحت الارض في سيسكس اكثر من مجرد سفينة نوح للنباتات فهو جزء من مشروع يتوقع له ان يدوم 500 عام، والبذور التي ستخزن فيه في درجة 20 تحت الصفر، ستبقى في حالة جيدة وصالحة للزراعة لمدة 200 عام على الاقل، كما سيتم تطبيق برنامج اكثار دوري لضمان تجديد مخزون البذور الى ما لا نهاية. وفي اول هجوم مضاد قوي يقوم بنك البذور بتطوير بروتوكولات لجميع البذور التي يجمعها للنظر لاحقاً في اعادة توظيفها في مواطنها الاصلية أو مواطن طبيعية اخرى. وستكون تلك نهاية المرحلة الاولى وستكون المرحلة الثانية الجزء الصعب في المشروع. في هذه المرحلة ستسعى حدائق كيو للجمع بين جهود حماية التنوع الحيوي المحلي وجهود التنمية الاقتصادية المستدامة وبالاخص في تلك المناطق من العالم، حيث يشكل بقاء موارد الرزق او التنمية الطائشة اكبر خطر على بقاء الاصناف النباتية. ونظراً لتفوق حدائق كيو في تقنيات البذور، فإنها مؤهلة تماماً للمساعدة في انقاذ كوكبنا من الاخطار المحدقة به، وفي كينيا، دخل بنك البذور بالفعل في هذا الطور العلاجي وهو يستعد لتوسيع نطاق تجربته الى مناطق اخرى. كانت بريطانيا البلد الرائد في هذا المجال حيث جمعت البذور من جميع النباتات المحلية الاصلية البالغ عددها 1442 صنفاً، بعد برنامج تجميع استمر ثلاثة اعوام ساهم فيه 200 خبير نباتي هاو، في حين ان المشروع الدولي الهائل بالمقارنة مع مشروع بريطانيا ليتم تنسيقه من قبل اربعة صيادي بذور فقط، يقومون برحلات مكوكية محمومة انطلاقاً من بنك البذور الى انحاء العالم. لكن في عامهم الثالث الحالي، يبدو انهم يتقدمون بوتيرة جيدة نحو هدفهم فيما يتعلق بعدد البذور المجموعة، كما انهم متقدمون كثيراً في ابرام الشركات مع المؤسسات النباتية في عدة بلدان بما في ذلك استراليا ومصر والهند وكينيا والمكسيك وجنوب افريقيا والولايات المتحدة. وسيواصل علماء كيو على مدار السنوات الست المقبلة العمل الميداني لجمع عشرات الآلاف من العينات لتجفيفها وتخزينها في درجات حرارة دون الصفر، والعديد من هذه العينات ستأتي من الاراضي الجافة، وهي المناطق التي تواجه النباتات فيها اعظم مخاطر نتيجة لصراع الانسان من اجل البقاء. ويقول بيتر كرين مدير حدائق كيو: نحن في العالم الغربي معزولون جدا عن الطبيعة أو على الاقل نظن اننا كذلك. فاعتمادنا اليومي على التنوع النباتي الطبيعي مختلف كثيراً عن اعتماد الناس في اماكن اخرى، والحقيقة ان 80 بالمئة من سكان العالم مازالوا يعتمدون على المصادر النباتية لاغراض الرعاية الصحية الاساسية. وقام كرين بزيارة الى مشروع تعاوني في الاراض الجافة في شمال شرق البرازيل ووجد ان الناس هناك لا يملكون المال للذهاب بالحافلة الى المستشفى. واذا وصلوا الى المستشفى فهم لا يملكون المال لدفع ثمن العقاقير التي يحتاجونها ولذلك فهم يزرعون نباتات طبية تساعدهم في الحالات الاقل خطورة من احتياجاتهم الصحية. الغابات الاستوائية الرطبة اخذة بالاضمحلال بسبب الاستغلال التجاري المفرط للاخشاب واستعمارها من قبل المزارعين اليائسين، اما في الاراضي الجافة فإن النباتات تتعرض للابادة بسبب ضغوطات الحياة الشديدة التي تفرض على الناس النضال بشتى السبل من اجل البقاء، فحيواناتهم ترعى الخضرة وهم يجمعون ما تبقى كحطب للتدفئة لان ليس امامهم خيار آخر غير ذلك. الطمع والفقر يشكلان فئة واحدة من الاعداء، فيما تشكل الحركة البشرية فئة أخرى، حيث يزحف الجنس البشري الشهواني الدخيل للاستيلاء على منظومات بيئية طبيعية متقلقلة اصلا، والطريقة الوحيدة للوقوف في وجه هذه التطورات السلبية المرعبة هي العمل مع الاشخاص الذين يعتمدون في عيشهم على الحياة النباتية المحلية وتكثيف مهام جمع البذور لبنك البذور في بريطانيا. ويقول كرين: بنك البذور هو الملاذ الاخير، من الافضل بالطبع الحفاظ على النباتات في مواطنها الطبيعية لدعم المنظومة البيئية المحلية والناس الذين يعتمدون في حياتهم على التنوع النباتي. لكن في حالات كثيرة، يكون من واجبنا حفظ بذور لاستمرارية الاصناف النباتية المهددة في ملاذ آمن، لكي يكون بمقدورنا اعادة توطينها في الحياة البرية في المستقبل قبل ان تضمحل الى مستوى استنزاف التنوع الوراثي الذي يمهد للانقراض كلياً. علي محمد