الجمعة 9 صفر 1424 هـ الموافق 11 ابريل 2003 في الرابع والعشرين من فبراير 2002، انطلق المستكشفان البلجيكيان آلان هوبرت وديكسي دانسركود من جزيرة كوتلني النائية في حقول الجليد بسيبيريا. كانت درجة الحرارة بحدود 50 درجة مئوية تحت الصفر. وكان هدف هذان المستكشفان هو ان يصبحا اول من يعبر القطب الشمالي مشياً على القدمين بحيث يكملان قطع 400,2 كيلومتر في وقت لاحق في اقصى الشمال الكندي. وبسبب الزوبان السريع للثلوج في الصيف، يتعين عليهما ان يصلا الى هناك بحلول بداية شهر يونيو. امضى المستكشفان ثلاثة اعوام من التخطيط لهذه الرحلة. وتوّج الاستعداد البدني الصعب في تدريب مكثف تحت اشراف مدرّب الفريق الاولمبي الوطني البلجيكي. وتم اختبار المعدات بشكل دقيق. ولم يكن لدى الرجلين اية مساعدة خارجية، وكان يتعين عليهما سحب زلاجة تحمل من الامدادات ما يزن 171 كيلوجراماً. ان التسخن الارضي يعمل على ترقيق الغطاء الجليدي في القطب الشمالي عاماً بعد الاخر. كما ان الصفائح الجليدية تنتقل من مكانها زاحفة من قمة الجليد القطبي. وقد واجه الرجلان الخطر الدائم المتمثل في الجليد غير المستقر والتلال المضغوطة التي يستحيل عبورها والقنوات المائية غير المتجمدة الواسعة جداً بحيث يصعب القفز عنها. اما وسيلة الاتصال الوحيدة المتوفرة لديهما فقد كانت عبارة عن هاتف موصول بالاقمار الصناعية يتصلان من خلاله يومياً بمقر بعثتهما في بروكسل. كانت حقول الجليد اكثر هشاشة مماتوقعا فقد كان سمكها يتراوح بين 60 ـ 150 سنتيمتراً، وسقطا فيها عدة مرات. وطوال اسابيع، وبينما كانا يحاولان التقدّم على متن طوف جليدي، اندفعت رياح شمالية قوية، ودفعته بالاتجاه المعاكس. وفي كل ليلة، كانا يضيعان المسافة التي كسباها خلال النهار. وبحلول منتصف شهر ابريل، كانا قد قطعا 483 كيلومتراً فقط بمتوسط مسافة قدرها 6,8 كيلومترات في اليوم، وليس المسافة المطلوبة، وهي ما تتراوح بين 20 ـ 25 كيلومتراً في اليوم للوصول الى كندا في الموعد المحدد. ومع ذلك، كان يمكنهما ان يسجلا رقماً قياسياً لو وصلا الى القطب الشمالي من كوتلني. ولكن حتى هذا الامر لم يستطيعا تحقيقه. فقد كانا لايزالان يبعدان مسافة 1171 كيلومتراً والطائرة التي يفترض ان تقل المغامرين من القطب رفضت ان تجازف بنقلهما بعد الاسبوع الثالث من شهر مايو، اي قبل اسبوعين من المعتاد، لأن الشتاء الخفيف وغير الاعتيادي جعل من غير الآمن على الطائرة ان تقوم بالهبوط. لم تكن الفترة التي قضياها يحاولان اتمام الرحلة بالفترة السهلة، فقد واجها صعوبات جمّة في بيئة تعد من اقسى البيئات على الارض. وقد كان يتعين على المستكشفين ان يقوما بجر الزلاجة التي تحمل مؤناً ثقيلة. وفي بعض الاحيان، كانت تبدو هذه المهمة سهلة نظراً لانضغاط الجليد وتكوّن ممرات سالكة، واحياناً اخرى تكون تلك المهمة شبه مستحيلة مع قيام الثلج بالتراكم وسد المسالك. واجه الرجلان ايضاً خطر السقوط في الماء، الذي تغطيه طبقة هشة من الجليد، وقد حدث هذا بالفعل في مرات عديدة. وكان يتعين عليهما في كل مرة ان يتدحرجا على الجليد، مثل الدب القطبي، لازالة ملح البحر عن ملابسهما. واحياناً كانا يضطران الى القفز في القنوات المائية الواسعة جداً وذات الغطاء الجليدي الهش، وفي هذه الحالة، كانا يحوّلان زلاجتهما الى مركب يعبران على متنه القنوات مستخدمين معزق الجليد كمجداف. وربما يكون اخطر ما واجه المستكشفان الهولنديان هو ما يسمى «بعضة البرد»، ففي اليوم الثاني من انطلاق رحلتهما وعندما كانت درجة الحرارة، تساوي 46 درجة مئوية تحت الصفر وسرعة الرياح تعادل 50 كيلومتر في الساعة، قام هوبرت وبصورة عرضية بكشف اصابعه للهواء، فاصيب بحروق من الدرجة الثانية ناجمة عن التجمد. وكان محظوظاً لأن الاصبع الوسطى في يده اليسرى لم يتم بتره. ولاتنحصر الصعوبات بالمشكلات البيئية فقط، فهناك مشكلات اخرى تتعلق بالوجبات الغذائية التي كانا يتناولانها والتي كانت تتألف من الدهون بنسبة 67%، وذلك لأن غراماً واحداً من الدهون كان يمدهما بضعف الطاقة التي ينتجها غراماً من السكر او البروتين، ويؤدي بالتالي الى تخفيف وزن الحمولة المطلوبة من المؤن. وبسبب هذه الصعوبات والتأخير الذي حصل في الجدول الزمني للرحلة، اتصل هوبرت المصاب بخيبة امل في الثامن عشر من ابريل بالمقر الرئيسي للبعثة للترتيب من اجل تأمين وسيلة نقل لهما، بعد ان تم الغاء الرحلة. ولم يكن ذلك بالقرار السهل على هوبرت ودانسركور، كما انه لم يكن ليتحقق على الفور، فقد وجد الطيار صعوبات في تحديد مكان الرجلين على الجليد المتغيّر والعثور على مكان ملائم للهبوط يتحمل وزن المروحية. واحتاجت المروحية الى 18 يوماً كي تعثر على مكانهما، حيث تم في الثاني من مايو التقاطهما ونقلهما الى بر الامان مسدلة بذلك الستار على محاولة جريئة وخطيرة لعبور المنطقة القطبية الشمالية مشياً على الاقدام. ضرار عمير