الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 من كان يظن أن خطر الصراع النووي قد زال مع نهاية الحرب الباردة، فما عليه الا ان يمعن النظر في التطورات التي جرت خلال الاشهر القليلة الماضية حتى يغير رأيه. ففي فبراير الماضي، كشفت وثيقة تم تسريبها من وزارة الدفاع الاميركية «البنتاغون» عن تفاصيل لقاء مرتقب في اغسطس المقبل سيقوم فيه الجيش الاميركي بالبحث في بناء جيل جديد من الأسلحة النووية التكتيكية. وتحتوي هذه الاسلحة على مجموعة من الرؤوس النووية المصغرة والمصممة خصيصا لتدمير الاستحكامات المحصنة عميقا تحت الارض. لقد ادى هذا الكشف الى اثارة القلق لدى الكثيرين. ويعتقد المراقبون بشكل خاص أن التهديد الذي تشكله هذه الأسلحة سيشجع على الانتشار النووي، واذا تجرأت الولايات المتحدة على اختبارها أثناء تطويرها، فانها قد تقضي بذلك على المعاهدة الشاملة لحظر التجارب النووية. وتمنع القوانين الاميركية الحالية تطوير اسلحة نووية تكتيكية جديدة تبلغ طاقتها التفجيرية اقل من 5 كيلوطن. وسيندرج هذا السلاح المخترق للاستحكامات الارضية ضمن هذه الفئة، ومع ذلك سيبقى قانونيا نظرا لاعتباره مجرد تعديل على القنابل النووية الموجودة وليس تصميما جديدا بالكامل. ولكن، اذا كانت الولايات المتحدة تملك بالفعل أسلحة نووية مصغرة، فلماذا هذه الحاجة المفاجئة لأسلحة جديدة؟ ان الخيار النووي الوحيد لاختراق الاستحكامات هو القنبلة النووية بي 6111، التي تزن 500 كيلوغرام ويمكنها اختراق ستة امتار من الارض قبل ان تفجر رأسها الحربي. ويمكن تغيير طاقتها على اي شيء بين 03,0 و340 كيلوطن، ولكن حتى أكبر انفجار محتمل لديها قد لا يكون كافيا لتدمير الغرف المحصنة تحت الارض. ولهذا السبب، سعى وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد في نوفمبر الماضي الى الحصول على اذن من الكونغرس لتطوير سلاح جديد اطلق عليه اسم «مخترق الارض النووي الضخم» ومن المفروض ان يكون هذا السلاح قادرا على اختراق 30 مترا على الاقل من الارض، ولأنه يعتبر مجرد تعديل على قنبلة قائمة، فانه لن ينتهك معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية التي تحظر تطوير واختبار أسلحة نووية جديدة. واذا ما تم استخدام تلك الاسلحة فسيتم استخدامها بدون اختبار. وهناك مختبران في الولايات المتحدة مستعدان للبدء بالعمل على تطوير هذا السلاح النووي الجديد المخترق للتحصينات الارضية بهدف انتاج قنبلة يمكن ان تكون اقوى بثمانين مرة من القنبلة التي اسقطت على هيروشيما في اليابان عام 1945. ويحظر قانون التفويض الدفاعي القومي لعام 2003 على الكونغرس تقديم الاموال لتطوير مثل هذا السلاح ما لم يكن مقتنعا بأنه ضروري. اي انه يتعين على رامسفيلد ان يضع الاهداف العسكرية الدقيقة لهذا السلاح النووي وان يشرح السبب الذي يجعله الشيء الوحيد الذي يمكنه ان يقوم بهذا العمل. وقد نجح رامسفيلد في ذلك، وصادق أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب على الفكرة، وفي العشرين من فبراير الماضي، اعطى الرئيس الأميركي موافقته على المضي في تطوير السلاح النووي الجديد. ومن حيث القوة المحضة، فان السلاح الجديد هو الخيار الافضل لمهاجمة التحصينات الارضية. وميزة الهجوم النووي هي موجة الهزة القوية والحرارة العالية التي ينتجها. ويمكن ابطال مفعول الاسلحة الكيماوية بتعريضها لدرجة حرارة تزيد 1000 درجة مئوية لمدة دقيقة أو أكثر. وسيؤدي هذا ايضا الى اتلاف العناصر البيولوجية ايضا، والتي تعتبر ضعيفة نسبيا، فجراثيم الجمرة الخبيثة يمكن قتلها بتعريضها لمدة قصيرة لدرجة حرارة 200 مئوية. ان الخيار النووي يمكنه ان يحقق ذلك، ولكن ليس بدون عواقب وخيمة. وبحسب روب نيلسون من برنامج العلم والامن العالمي في جامعة برنستون، الذي اجرى دراسة تفصيلية لتأثير سلاح نووي مخترق للارض وذي طاقة منخفضة، فان اي شخص في محيط منطقة مساحتها 35 كيلومترا مربعا سيلقى حتفه بسلاح قوته 10 كيلوطن، واذا ما استخدم هذا السلاح بالقرب من المدن في العالم الثالث، فان مثل هذه القنبلة قد توقع عشرات الالوف من المدنيين وتحول منطقة واسعة الى مكان غير صالح للعيش لسنوات عديدة. غير ان هناك بدائل اخرى لتوظيف الخيار النووي. فشركة لوكهيد مارتن الاميركية ومركز الحرب السطحية البحرية، على سبيل المثال، يعكفان على بناء رأس حربي يقذف كريات من التيتانيوم والبورون المسحوق منتجا ثنائي بوريد التيتانيوم في تفاعل احراقي تحت درجة حرارة عالية. وعندما تتجاوز الحرارة مستوى 300 درجة مئوية، يقوم الرأس الحربي باطلاق مقذوفات معدنية في جميع الاتجاهات لاحداث خروق في أية أوعية لتخزين المواد الكيماوية وتحرير محتوياتها. ويقوم ايضا بنشر مواد فتيلة تمتص اية مواد كيماوية سائبة لكي تشتعل وتحترق بسهولة ا كبر. وفي المرحلة الاخيرة، يقوم الرأس الحربي باطلاق بركلورات الليثيوم التي تتفاعل لانتاج حامض الهيدروكولوريك والكلور احادي الذرة، بحيث يتم حرق المنطقة المستهدفة أولا ومن ثم تطهيرها. وبالطبع، فان هذا لا فائدة منه ما لم تستطع ادخال الرأس الحربي الى الداخل في المقام الاول. والوسيلة المثلى لفعل ذلك هي من خلال تصميم قنبلة لا تنفجر عند الاصطدام وانما تخترق الارض وتصل الى التحصينات الارضية قبل ان تنفجر. ولكن هذا الأمر ليس سهلاً، فالتحصينات الارضية، كتلك الموجودة في العراق تكون محصنة جيدا تحت الارض. ولهذا، فان احدى الطرق لتحسين تصميم السلاح المخترق للتحصينات الارضية تكمن في استبدال الغلاف الفولاذي وجزءا من حمولة المتفجرات بشيء أثقل مثل اليورانيوم المنضب. ضرار عمير