الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 عندما تجنح بك الايام، لا تبقى الا الذكريات، وعندما يقسو الزمان، استعن بالله، فمن ذكريات الايام نستعيد الماضي الجميل، من قسوة الحياة نتعلم كيف نعيش، ولكن عندما يكون لك القدر بالمرصاد فلا حول ولا قوة الا بالله. من مدرسة الحياة، نختار اليوم واحدا ممن قهروا المستحيل، ممن استعانوا على الظلام ببصيرة القلب وفعل الخير، استعان بدينه على دنياه وبصبره على ما عاناه. ثمانون حولاً الوالد راشد سعيد الدرمكي، يحمل اعباء «80» حولاً عاشها بمرها قبل حلوها، افقده القدر نعمة البصر، فاستعان على شئون دنياه ببصيرة القلب، ورغم الظلمة التي يعيشها منذ أن فقد بصره الا ان صورة الماضي الجميل مازالت عالقة في مخيلته يرسمها لك رائعة الجمال صافية لا تشوبها شائبة مما عكره الزمان. «بوسعيد» عضو المجلس البلدي «سابقا» بمدينة العين، هذه المدينة التي احبها فأورثته الجاه والمال وكرم الرجال، يجلس في منزله الكائن في واحات القطارة، حيث اشجار النخيل التي يملك منها بمفرده «2500» نخلة رعاها بيديه وسقاها بعرق جبينه، قبل أن تسقيها افلاج المدينة بالمياه العذبة.. فعم خيرها على الجميع، واعطت للمدينة رمزاً جمالياً تحدى زحف الرمال والصحراء، وأصبحت وسط بحر الرمال واحة خضراء. «بوسعيد» الذي تزوج خلال ثمانين عاماً مرتين انجب من الاولى بنتين ومن الثانية 6 شباب و4 بنات يمارسون دورهم المتوارث عن عائلتهم «الدرمكية» في تطور ونهضة بلادهم بادلوها الحب بالحب والوفاء بالوفاء.. كانوا لها الأوفياء، فدانت لهم الارض جنات خضراء. مراحل الحياة نعود.. كثيراً للوراء، فعبء السنين الخوالي لم يثن بعد همة بوسعيد على الرغم من مقولة الشاعر.. ومن يعش ثمانون حولا، لا أبا لك يسأم.. العم راشد يقسم حياته الى 3 مراحل مرحلة الطفولة والشباب، مرحلة شظف الحياة، ومن ثم المرحلة الثانية مرحلة البناء والعطاء، ومن ثم مرحلة الرخاء. كل ذلك قبل ان يفقد بصره بسبب مضاعفات السكر منذ «20» عاماً حيث اعتزل الحياة الوظيفية متفرغاً لأعمال الخير والبر والتقوى، زاد الحياة الدنيا والآخرة. يقول بوسعيد: لقد أقعدني المرض عن ممارسة الحياة الطبيعية ولكن بفضل الله وحمده، استطعت ان أتأقلم مع ظروفي، فمنذ اكثر من «20» عاماً فقدت البصر في عيني بسبب مرض السكري ورغم محاولات الاطباء داخل وخارج الدولة، الا ان مشيئة الله غلبت، فكان قدر الله وقبلت القدر، نحن ندرك بأبصارنا لكنها لا تدرك مشيئة الله.. وحشة الليل وأنسة القمر وقبل ذلك يستطرد في ذكرياته لأيام الفتوة والشباب الى اكثر من 60 عاماً، حيث لم تكن الحال هي الحال ولا الأيام هي الأيام، مرحلة شظف العيش، وحشة الليل وأنسة القمر، حيث صدى الهمسات ما بين واحات النخيل، حيث لم تكن الناس عرفت او حتى سمعت بشيء اسمه «البترول» وكان الناس في البر يعتمدون على الرعي للأيل وزراعة القمح والشعير والنخيل فالحياة الاقتصادية بسيطة محدودة والمساكن بسيطة والعادات الغذائية ايضاً بسيطة حتى السكن والملابس كانت اشكالها مختلفة، فيما كان ابناء البحر في أبوظبي يعتمدون على الصيد البحري للسمك، حيث كان الغذاء الرئيسي لهم ويبيعون ما زاد عن حاجتهم. التجارة كانت عبارة عن تجمعات موسمية خلال العام لتبادل المنتوجات الزراعية وما شابه ذلك حيث كنا في مدينة العين نبيع التمر والقمح والشعير. العمل بالزراعة ويضيف بوسعيد قائلاً: مثلي، مثل ابناء حيي في مدينة العين كنا نعمل في الزراعة لا سيما وان مدينة العين مختلفة في ترتيبها واجوائها عن باقي مدن الدولة وبفضل الله وبرعاية وتشجيع من صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة الذي كان في ذلك الوقت ممثلاً للحاكم، انتشرت واحات النخيل في مناطق المدينة وضواحيها حيث كانت كل قبيلة من قبائل المدينة المعروفة تتخذ لها موقعاً جغرافياً محدداً تتركز في القطارة والصاروج وهيلي والمسعودي وترتبط فيما بينها بعلاقات اجتماعية وطيدة، في ذلك الوقت كان الاعتماد كلياً على الزراعة وكنا نأكل مما نزرع وليس كهذه الأيام نأكل مما نستورد. وينسب بوسعيد الفضل في كل ذلك لاصحابه.. ممثلاً بصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان الذي حرص ان يعطي من وقته وجهده الكثير لبناء مدينة العين، حيث اشرف بنفسه على حفر الافلاج وتوزيع المياه والمزارع وكان سموه يحرص على الالتقاء يومياً بأبناء المدينة من مختلف القبائل يستمع لقضاياهم ويساهم بحلها ويساعد المحتاجين وبفضل من الله وبهمة زايد اصبحت مدينة العين واحدة من احلى واجمل المدن في العالم. الشأن العام واشار الى انه وخلال فترة عمله في المجلس البلدي لمدينة العين، كان صاحب السمو الشيخ زايد يتابع يومياً مخططات البناء والعمران وشق الطرق وبناء المساكن وتوزيعها على المواطنين، فهو يعرف كل حجر بني فيها وكل شارع وكل شعبية لقد كان سموه، أمد الله بعمره يسابق الزمن ورغم انشغاله بقيادة دولة الاتحاد إلا ان مدينة العين مازالت تحتل مكانة خاصة في قلبه ووجدانه، فقد استمد سموه من المدينة اصالتها وصفاء بيئتها وعزة وكرامة وشجاعة أهلها. وقد جعل سموه من نفسه القدوة الحسنة لابناء المدينة والمثل الأعلى لشبابها وشوابها فقهر الصحراء وبنى دولة عصرية حضارية متطورة فيها الجامعات والمدارس «والمستشفيات» واين منا تلك الايام التي تعلمنا فيها عند المطاوعة؟ حيث لم تكن المدارس معروفة ولا حتى الرعاية الصحية والاجتماعية والان.. كل شيء تغير وتطور وسبحان من يغير ولا يتغير..!! وعن الأعمال الاخرى والوظائف التي مارسها بوسعيد خلال حياته يقول، لقد كنا معاً في رحلة البناء وقد شرفني صاحب السمو الشيخ زايد ان أكون عضواً في المجلس البلدي لمدينة العين، حيث قمت بأعمال كثيرة تشهد لها المدينة بالتعاون مع اخواني اعضاد المجلس وقد شهدت المدينة تطوراً كبيرا في مختلف مجالات الحياة. الترابط الاجتماعي وعن الحياة الاجتماعية.. يؤكد العم بوسعيد على أهمية الترابط في الحياة الاجتماعية لاسيما وان هذه الأيام وبسبب الطفرة الاقتصادية تغيرت العادات وتأثرت التقاليد وهذا انعكس كثيراً على حياتنا الاجتماعية التي كان يسودها الحب والألفة، أما الآن فالكل مشغول «ومستعجل». ويضيف من فضل الله، لقد رزقت «12» من البنين والبنات من زواجين، حيث تزوج الزوجة الأولى وعمره لم يتجاوز بعد «15» عاماً حيث رزق ببنتين ومن الثانية انجب «4» شباب و«6» بنات جميعهم تلقوا أفضل أنواع العلم والمعرفة منهم من تعلم خارج الدولة وعاد إليها يمارس عمله ويرد الدين لوطنه، ومنهم مازال يتابع تحصيله في جامعات ومدارس الإمارات، مشيراً إلى أهمية التعلم لتطور الأمم، مؤكداً في الوقت نفسه أيضا أن تتلقى البنات نفس الدرجة والرعاية من التعليم وقد فتح أمام بناته الباب على مصراعيه لمتابعة تعليمهن مما ساعدهن على تربية ابنائهن تربية صالحة انعكس على حياتهم الأسرية، لاسيما وأن الدولة وفرت كل فرص التعليم وأمام الجميع بنين وبنات. الأمن والأمان واشار بوسعيد الى نعمة الأمن والأمان التي يعيش فيها شعب الإمارات داعيا شباب الوطن ان يتعلموا من الماضي وان يرسموا صورة المستقبل المشرق الذي اراده لهم زايد. فأبناء اليوم يختلفون تماماً عن أبناء الأمس في كل شيء داعياً إياهم للتمسك بدينهم مهما كانت الظروف والاسباب وكذلك على عاداتهم وتقاليدهم العربية والإسلامية. وبعد هذه المرحلة في ذاكرة الايام التي استعاد فيها واحد من رجالات الزمن البسيط والجميل ذكرياته.. فترك بوسعيد مع تلك الذكريات وهو يعيش اليوم ببصيرته بعد ان فقد بصره يمارس اعمال الخير والبر واغاثة الملهوفين والمحتاجين من مشاريعه الخيرية داعياً العلي القدير ان يحفظ الله للإمارات قائدها ورمز شموخها صاحب السمو الشيخ زايد وان تعود للأمة العربية والإسلامية عزتها وكرامته.