الثلاثاء 6 صفر 1424 هـ الموافق 8 ابريل 2003 لم تكن جيسكا لينش، المجندة الاميركية التي تم فك اسرها مؤخراً ونقلها الى المانيا لتلقي العلاج، المرأة الاولى التي تم اسرها خلال معارك حربية، ولن تكون الاخيرة بطبيعة الحال فقد سبقتها في هذا اعداد كبيرة من النساء اللاتي عملن في مختلف المواقع العسكرية، خاصة من عملن منهن في مجال التجسس وجمع المعلومات عن الاعداء التي تشكل الارضية التي يعتمد عليها القادة العسكريون في اتخاذ قرارات بخوض حرب في منطقة ما من العالم. ويدور كثير من الجدل حول شخصية جيرترودا زيلي ماكلويد تلك الجاسوسة الهولندية التي طبقت شهرتها الآفاق اثناء الحرب العالمية الاولى، ويتساءل البعض هل كانت تلك الفتاة فائقة الجمال جاسوسة بالفعل؟ وتحيط الاسرار والغموض بحياة هذه الفتاة ونمط حياتها بالدرجة التي قد يصعب معها الاجابة عن هذا السؤال، الا ان الثابت انها كانت فتاة لعوباً قدمت نفسها للمجتمع على اساس انها راقصة هندية تدعى ماتا هاري، ومع ذلك فجر الفرنسيون جسدها بعد اتهامها بالتجسس في الخامس عشر من شهر اكتوبر 1917. ويقول المؤرخون العسكريون ان الشاهد الفرنسي الاساسي في محاكمة ماتا هاري كان يتجسس لصالح المانيا وان اعدامها رميا بالرصاص لم يكن امراً منطقياً وملحاً فحسب، بل كانت تغطية الدامغة للفشل في ايجاد الادلة الدافعة التي تدينها كجاسوسة للاعداء، إلا انهم يضيفون ان الراقصة الهندية الجميلة التي كانت تخفي خلفها الجاسوسة تمكنت بالفعل من استمالة شخصيات عسكرية تشغل مناصب حساسة وأوقعتها في شباكها الامر الذي مكنها من التعرف على مختلف جوانب شخصياتهم وهو ما استغلته في الضغط عليهم لتزويدها بمعلومات في غاية السرية قامت بنقلها الى الالمان. وتعد اديث كافيل، الممرضة الانجليزية ثاني إمرأة يتم اعدامها رمياً بالرصاص خلال الحرب العالمية الاولى. كانت كافيل تعمل ممرضة باحدى المصحات الطبية في بلجيكا، وكانت تساعد الجنود البريطانيين والفرنسيين والبلجيكيين في الهرب من الخطوط الخلفية للجيوش الالمانية والعودة الى وحداتهم العسكرية. ويقال انها تمكنت وخلال يوم واحد من تهريب مئة جندي بريطاني ومئتين من الجنود الفرنسيين. وبعد ان احتل الجيش الالماني بلجيكا تم تحويل المصحة الى مستشفى للصليب الاحمر تحت اشراف وادارة كافيل. ولكن ومع تزايد حالات الهرب من المستشفى حامت شكوك القادة الالمان حول كافيل وتم اعتقالها في شهر اغسطس 1915. ولم تستغرق محاكمة الممرضة الحسناء سوى بضعة ايام وصدر الحكم بإعدامها. وبالرغم من مناشدة سفراء اميركا واسبانيا القادة الالمان بالعفو عنها، الا ان ذلك لم يجد اذناً صاغية وتم اعدامها رمياً بالرصاص ودفن جثمانها في مكان قريب من المصحة، وبعد ان توقفت الحرب تم نقل الجثمان لإعادة دفنه في الاراضي البريطانية حيث كتبت على شاهد القبر الذي دفنت فيه الكلمات التالية «الانسانية، المحبة، الوفاء، التضحية» ويفسح المؤرخون العسكريون مساحة واسعة للفتاة فيرجينيا هال من بالتيمور التي سافرت الى فرنسا لتعمل عميلة للقوات الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية والتي حققت نجاحاً باهراً اجبر القوات النازية على شن حملات متواصلة لاصطيادها وأوشكت على النجاح في ذلك خلال شتاء العام 1941 الا انها هربت ووصلت الى اسبانيا سيراً على الاقدام بعد رحلة شاقة عبرت خلالها سلسلة جبال البرينيز. وواجهت خلال تلك الرحلة صعوبات جمة خاصة وانها كانت تمشي على ساق خشبية بعد ان تم بتر ساقها اليمنى بعد ان تعرضت لحادث خلال رحلة للصيد. وبالرغم من الاهوال التي صادفتها الا انها لم تكف عن العمل وتدربت في مجال بث الرسائل اللاسلكية وتم نقلها الى الولايات المتحدة، الا انها وفي العام 1943 عادت لفرنسا متخفية في شخصية بائعة لبن عجوز لممارسة واجباتها في مجال التجسس. ولم يهدأ للقوات النازية بال وتحولت فيرجينيا الى واحد من اهم اهداف الجستابو الذي قام بتوزيع ملصقات تحذيرية تحمل العبارات التالي: المرأة التي تمشي على ساق خشبية هي جوهرة الحلفاء في فرنسا ويتحتم علينا العثور عليها وتدميرها كأحد اهدافنا الاستراتيجية. وبالرغم من المخاطر التي كانت تحدق بها، إلا ان المرأة ذات الساق الخشبية واصلت اداء مهامها وخدعت عناصر الجستابو بعمليات التخفي التي كانت تجيدها واخضاع نفسها لتدريبات شاقة على المشي بدون تلك الساق الخشبية. وجمعت فيرجينيا معلومات استخباراتية بالغة الاهمية وقامت بتنسيق عمليات الانزال الجوي الذي عجل بيوم النصر. وبعد ان توقفت الحرب تم تكريم فيرجينيا هال في احتفال مهيب ومنحت وسام الخدمة الممتازة الاميركي، لتكون بذلك اول امرأة اميركية مدنية تنال ذلك الوسام المرموق، كما تم منحها وسام عضوية الامبراطورية البريطانية اعترافاً بشجاعتها وصبرها على الاهوال. ولفظت الجاسوسة ذات الساق الخشبية انفاسها العام 1966 بعد ان عملت لفترة مع وكالة المخابرات المركزية الاميركية، وكأنها تؤكد للجميع ان التجسس ليس المهنة التي احترفتها فحسب، بل هو الدم الذي يجري في عروقها. مأمون الباقر