الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 في السابع من أبريل من كل عام نحتفل بيوم الصحة العالمي، في إقليمنا هذا وفي سائر بقاع العالم على حد سواء. وتتيح لنا هذه المناسبة الكريمة الفرصة لاختيار موضوع مهم يمثِّل أحد التحدِّيات التي تواجهها الصحة العمومية في عصرنا الحاضر. كما تفسح هذه المناسبة المجال لإذكاء الحوار والنقاش البنَّاء حول الرعاية الصحية الملائمة، وحماية الصحة وتعزيزها. ولقد وقع الاختيار على شعار (تنشئة الأطفال في بيئة صحية ضمان للمستقبل)، ليوم الصحة العالمي لهذا العام ألفين وثلاثة، ونحن نعني بالأطفال في هذا السياق كل من لم يتجاوز التاسعة عشرة من العمر. إن الأطفال هم مستقبلنا، لكن صحتهم محفوفة بالمخاطر لأسبابٍ عديدةٍ ومتباينةٍ، وتأتي العوامل البيئية في مقدمة هذه الأسباب، والتي تشمل تلوث الماء والطعام، وتلوث الهواء داخل المباني وخارجها، وحوادث المرور والحوادث المنزلية، والمساكن التي لا تتوافر فيها مقوِّمات السلامة، والأمراض المنقولة، والتعرُّض لألوف المواد الكيميائية المصنَّعة، ولدخان التبغ، وللملوِّثات في لُعَبِ الأطفال. والسمة الغالبة في عوامل الخطر البيئية، هي أنها تعمل متآزرة، وأن تأثيرها يتفاقم بفعل الظروف الاجتماعية والاقتصادية غير المواتية، ولاسيَّما الفقر والفاقة. ثم إن الكوارث الطبيعية، والكوارث التي هي من صنع الإنسان، بما في ذلك الحرب، والاحتلال والاضطرابات الأهلية، تضيف المزيد من المتاعب والأخطار. فالأطفال الذين يتأثرون بالحروب والاحتلال والصراعات الأهلية، يعانون أشد المعاناة نفسياً وجسدياً، وتترتب من جراء ذلك عواقب وخيمة تحدث أسوأ الأثر في نموهم النفسي والاجتماعي، وتلحق أشد الأضرار بالتنمية الصحية والاقتصادية الوطنية. كما أن صغار الأطفال لا خيرة لَهُمْ في العوامل التي يتعرضون لها. وهم أكثر تعرُّضاً للظروف البيئية، وأشد تأثُّراً بها، للأسباب التالية: ـ ارتفاع معدلات التنفس والاستهلاك الحراري للكيلوغرام الواحد من جسم الطفل عن نظائرها في البالغين. ـ عدم اكتمال تطوُّر الأجهزة المناعية، والإنجابية، والهضمية، والعصبية، مع شدة تأثُّر الجهاز العصبي بالذات في المراحل الأولى من العمر، بفعل ملوِّثاتٍ معينة، كالرصاص، والزئبق الميثيلي التي ثبتت علاقتها بعدد من أشكال العجز النمائي، بما في ذلك عجز التعلُّم، والتخلف العقلي. ـ اعتياد الطفل وضع كل ما تصل إليه يداه في فمه، بالإضافة إلى قصر قامته وقربه من الأرض وهو يحبو، فيزداد تعرُّضه للأذى عن طريق استنشاق أو ابتلاع المواد السامة الموجودة في الغبار، والتربة، والسجَّاد، مثل أبخرة بعض مبيدات الهوام، والرصاص. ويزيد الطين بلة فضول الطفل وقلة درايته بالأمور، ـ الميل إلى انتهاج سلوك المخاطرة في سن المراهقة. ومرد ذلك إلى عدة أسباب، منها تأثير التحضُّر السريع، والنماذج السلوكية السيئة التي كثيراً ما تروِّج لها وسائل الإعلام. ونتيجةً لما تقدَّم، يلقى اكثر من خمسة ملايين طفل دون الرابعة عشرة مصرعهم في كل عام بسبب البيئة غير الصحية التي تكتنفهم. وإن حوالي أربعين بالمئة من العبء المرضي الناجم عن أسباب بيئية، يتحمله الأطفال دون سن الخامسة من العمر، مع أن هؤلاء لا يمثلون أكثر من اثني عشر بالمئة من مجموع سكان العالم. ومن المهم كذلك أن نلاحظ أن التغيرُّات التي طرأت على أنماط الحياة، وانعدام النشاط البدني، مقرونين بالعادات الغذائية غير الصحية، وتعاطي التبغ، كلها آفات تستشري بين الأطفال والمراهقين يوماً بعد يوم، ويسهم هذا إسهاماً قوياً في نشوء مشكلات صحية عديدة، كالأمراض القلبية الوعائية، وأمراض الجهاز التنفسي، إضافةً إلى مختلف أنواع السرطان في مراحل لاحقة من حياتهم. ومن هنا كان توافر الرعاية الصحية الملائمة والوقاية من المرض، مطلبين أساسيين للحياة الصحية السوية. كما أن لتوفير التدبير العلاجي السليم والرعاية الصحية اللازمة للرضَّع والوِلْدان أهمية بالغة كذلك، إذ سرعان ما يلقى صغار الأطفال حتفهم إذا لم تكتشف العلة لديهم في الوقت المناسب. قلق واهتمام يشكِّل الأطفال حوالي خمسين بالمئة من مجموع السكان في هذا الإقليم. ويتزايد القلق على صحة الأطفال من مغبة تدهور البيئة وتلوُّثها في الأماكن التي يعيش فيها الأطفال، أو يتعلمون أو يلعبون، أو يعملون في بعض الأحيان. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التهابات الجهاز التنفسي، وأمراض الإسهال، والإصابات، والملاريا ـ وكلها يُعزى مباشرةً إلى الظروف البيئية ـ هي المسئولة عن أكثر من ثلاثة وأربعين بالمئة من وفيات الأطفال دون الخامسة من العمر في هذا الإقليم. ولايزال المكتب الإقليمي «يضع الأطفال أولاً» على سلَّم اهتماماته، من خلال إيلائه صحة الأطفال أولوية قصوى، وتبنيه استراتيجية متكاملة لتحقيق «حياة صحية لأطفالنا عن طريق التدبير المتكامل لصحة الطفل». يضاف إلى ذلك «مبادرة توفير البيئة الصحية للأطفال»، التي يتم إعدادها في الإقليم، كجزء من «التحالف العالمي من أجل توفير بيئة صحية للأطفال» الذي أُعلن عنه أثناء انعقاد «القمة العالمية للتنمية المضمونة الاستمرار». وينبغي لهذه المبادرة أن تقوم على أساس من المشاركة الفعَّالة الملتزمة، من قِبَل مختلف الجهات المعنية بالأمر: كأصحاب القرار، وقادة المجتمع، والمعلمين، والمهنيين الصحيين، والمنظمات اللاحكومية، والقطاع الخاص، والأسرة أولاً وقبل كل شيء. من أجل ذلك تم تشكيل فريق عمل في المكتب الإقليمي، مهمته رسم خارطة الأولويات، وتوجيه المساعي التي يبذلها المكتب الإقليمي لتحديد سياسة واضحة لحماية أطفال الإقليم من المخاطر التي تحفل بها بيئتهم. أساس متين إن أطفالنا هم حجر الزاوية في التنمية المضمونة الاستمرار، وإن الصحة السليمة والتغذية الملائمة هما الأساس المتين للتنمية البشرية. من أجل ذلك ينبغي العمل على تحقيقهما في إطار التعاليم الدينية والتقاليد والقِيَم والثقافات، التي تميِّز هذا الإقليم. ثم إن توفير البيئة الداعمة هو ركن أساسي في حماية صحة الأطفال وتعزيزها. والأطفال أنفسهم يمثِّلون قوة ديناميكية فعَّالة في حماية البيئة. وهم يُبدون اهتماماً فطرياً بالطبيعة، كما أنهم تواقون للحفاظ على الكوكب الذي نعيش عليه. ويستطيع الأطفال، إذا توافر لهم الدعم المناسب، أن يكتسبوا المعارف المفيدة التي تتيح لهم المشاركة في أنشطة الحفاظ على البيئة، كما يستطيعون أن يسهموا إسهاماً فريداً بما أوتوا من طاقة وافرة ورؤية واضحة، في إيجاد الحلول المناسبة. د.حسين عبد الرزاق الجزائري المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط