الخميس غرة صفر 1424 هـ الموافق 3 ابريل 2003 يظن علماء الفلك منذ اكثر من قرن ان البقعة الحمراء الكبرى هي اكبر شيء على كوكب عطارد، لكن هذا الظن لم يعد قائماً، الآن فقد اظهرت صور التقطتها سفينة الفضاء كاسيني ان هناك شيئاً اكبر من هذه البقعة الحمراء، انها البقعة السوداء الكبرى. ويقول بوب وست عالم وباحث الكواكب في معمل تقنيات دفع الصواريخ انه دهش عندما شاهد هذه البقعة السوداء، وهي عبارة عن سحابة تبلغ ضعف حجم الارض تدور حول القطب الشمالي لكوكب عطارد. ويطارد وست هذه السحابة منذ فترة وهو اول من رآها من خلال صور بالاشعة فوق البنفسجية لكوكب عطارد التقطها تلسكوب هابل عام 1997. لكن السحابة ظهرت في صورة واحدة فقط على مدى عدة سنوات ويقول وست انه لم يعرف في ذاك الوقت ماذا يفعل. الآن وست يعرف ويقول ان سفينة كاسيني الفضائية كانت في طريقها الى كوكب زحل في عام 2000 ومرت على كوكب عطارد والتقطت صورة جيدة للقطب الشمالي للكوكب في البداية لم يكن هناك شيء غير عادي مجرد سحب قطبية حول الكوكب ثم ظهرت البقعة السوداء الكبيرة وراقبت كاميرات سفينة كاسيني الحساسة السحابة وهي تتحول الى شكل بيضاوي يفوق البقعة الحمراء الكبرى ذاتها. السحابة السوداء تدور وتزداد قتامة وتغير شكلها ثم بدأت تغيب عن الصور مع رحيل كاسيني. يقول وست ان البقعة السوداء الكبرى دائرية، لذلك ربما التقطها هابل مرة واحدة فقط واذا كانت سفينة كاسيني قد وصلت بعد شهر او شهرين ربما لم تستطع التقاط صور للسحابة السوداء لكن كاميرات كاسيني التقطت السحابة السوداء لمدة 11 اسبوعاً متواصلاً، وتمكن وست بذلك من التوصل الى نتائج. توصل وست الى ان البقعة السوداء الكبرى والحمراء الكبرى تختلفان فالبقعة الحمراء عميقة وهي عبارة عن نظام عواصف متجذر في الغلاف الجوي لكوكب عطارد تحت مستوى السحب اما البقعة السوداء الكبرى فهي ضحلة وتقتصر على الطبقة العليا من الغلاف الجوي للكوكب. ويقول وست ان عطارد له اضواء شمالية مثل الارض رغم انه في حالة عطارد هذه الاضواء اقوى مئات الآلاف من المرات وتحدث هذه الهالات الضوئية عندما تمطر الالكترونات والأيونات المنطقة القطبية من الغلاف الجوي وتسبب توهج الغارات التي ترتطم بها وتنطلق هالات الارض غالباً بفعل هبوب الرياح الشمسية كما تستطيع هذه الرياح ايضاً اشعال هالات عطارد لكنها غير ضرورية، لان عطارد بنفسه يوهج الاضواء الشمالية. ويوضح وست ان المجال المغناطيسي لكوكب عطارد هائل الحجم وعبارة عن خزان كبير للجزيئات المشحونة تتسارع هذه الجزيئات نحو القطب بفعل دورة عطارد التي تستمر 11 ساعة وبفعل مجاله المغناطيسي وبالتالي فإن الهالات الضوئية على كوكب عطارد تكون نشطة دائماً. وتسبب الالكترونات عالية الطاقة التي ترتطم بعطارد توهج الهالات فضلاً عن فصل غاز الميثان الذي يوجد بكثافة على الكوكب مقارنة بالارض. وتتحد جزيئات غاز الميثان مع الهيدروجين الغزير لتكون مادة الاستيلين وهي المادة البنائية الاساسية ويتحد الاستيلين مع الكربون والجزيئات التي تحتوي على الهيدروجين لتكوين جزيئات اكثر تعقيداً تتكاثف فيما بعد الى قطرات قاتمة. واذا كان تفسير وست صحيحاً فإن البقعة السوداء الكبرى هي سحابة من القطرات الغنية بالهيدروكربون تطفو في الطبقات العليا من الغلاف الغازي لكوكب عطارد وتبدو هذه السحابة دائمة في الصور بالأشعة فوق البنفسجية لان قطرات الهيدروكربون تمتص هذه الاشعة بقوة والحقيقة ان السحابة السوداء الكبرى لا تراها العين المجردة، فهي لا تظهر الا بالاشعة فوق البنفسجية. وتنطبق فكرة وست مع الحقائق والبيانات لكنه لا يزال متحيراً فلم تكن هناك هالات ظاهرة عندما تكثفت السحابة السوداء الكبرى في عام 2000 وشاهدها فما الذي جعلها تظهر عندما كانت السفينة كاسيني تمر بالكوكب؟ السبب غير معروف ويثبت ذلك ان الغلاف الغازي لعطارد مثير للاهتمام والانتباه اكثر مما كنا نظن. وقد يعلمنا ذلك شيئاً عن الارض ايضاً فيقول وست ان هذه البقعة السوداء محاصرة بتيار نفاث قطبي يحيط بالقطب الشمالي لعطارد. والرياح السريعة في هذا التيار النفاث تمثل حائطاً غازياً يجعل البقعة السوداء في الطبقات العليا دائماً. وهناك تيارات نفاثة مماثلة تحيط بمناطق قطبية على الارض لكن الكتل الارضية (اليابسة) في الشمال تعوق التيار النفاث المتجه نحو القطب الجنوبي، لكن التيار النفاث الجنوبي اكثر انتظاماً ويلعب دوراً هاماً في منع اتساع ثقب الاوزون كما يحد التيار النفاث على عطارد من حركة السحابة السوداء الكبرى. وقد يساعدنا رصد السحابة السوداء الكبرى في فهم عمل التيارات النفاثة حول الكواكب ودراسة كوكبية من هذه الزاوية افضل من دراسة كوكب واحد.