الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 تضم قارة افريقيا مجموعات متنوعة من الاعراق والقبائل التي تختلف في عاداتها وتشكل نسيجاً ثقافيا فائق الثراء والتنوع. ولكل قبيلة من هذه القبائل التي تكاد لا تحصى تقاليدها وطقوسها الخاصة التي لا تشاركها فيها قبيلة اخرى حتى وان جاورت حدودها. ووجد علماء الانثروبولوجيا والاجناس واللغويات في هذا المزيج الفريد ساحة خصبة لدراساتهم وابحاثهم التي كشفت عن بعض جوانب الحياة في هذه المجموعات. ولعل قبيلة الماساي التي تعيش في كينيا واجزاء من تنزانيا واحدة من القبائل الافريقية التي استأثرت بكم هائل من دراسات الباحثين لغرابة نمط حياتها وعاداتها وطقوسها وانغلاقها وعدم انفتاحها على المجتمعات المجاورة. ويعيش افراد قبيلة الماساي في مجموعات متناثرة من الاكواخ، ويشتهر رجالها بالشجاعة وقوة المراس وهم نحاف طوال القامة لا يملكون من ادوات الصيد والقتال الا الحراب. وبخلاف القبائل الافريقية الاخرى التي تعيش وسط الادغال الكثيفة، فان افراد قبيلة الماساي يمتهنون الرعي ويعيشون في مناطق مكشوفة تغطيها الحشائش الشوكية. وتتمحور حياة افراد القبيلة حول الابقار التي يعتقدون ان الآلهة قد اختارتهم للعناية بها ورعايتها والاكثار منها بزيادة الثروات وتعزيز النفوذ والسطوة. ويشتهر افراد القبيلة بجدائل الشعر والتزين بالعقود الفولاذية ثقيلة الوزن والاعتداد بالنفس والفروسية وغالباً ما يتجول الرجال وهم يحملون الحراب الطويلة. كما يتميزون بشعورهم التي ترمز لتقاليدهم وثقافتهم كما ترمز الجدائل والضفائر الى التزام افراد القبيلة بتراثهم الذي يطلقون عليه موراني. ومن العادات الغريبة تجرع دماء البقر اعتقاداً من افراد القبيلة بان شرب هذه الدماء يزيد من القوة البدنية ويجعل الجسد دافئاً، كما انه يفيد الاطفال والعجزة في الحفاظ على اللياقة البدنية وعادة ما يتم خلط الدم بحليب البقر. واعتمدت القبيلة نموذجاً هندسياً موحداً للقرى والاكواخ، ويتكون كل «كارال» اي قرية من عشرة اكواخ تحيط بها اسوار من الحشائش الشوكية التي يصعب على الغرباء اختراقها وتشكل نوعاً من السلك الشائك يحمي القبيلة والحيوانات من الاعداء. ويستخدم البناؤون اغصان الاشجار والحشائش لبناء الاكواخ التي يغطونها من الخارج بطبقة من روث البقر، ويضعون بالداخل جلود الحيوانات والوسائد المصنوعة من النباتات الجافة. وتنهمك النساء طوال اليوم في بناء الاكواخ، وحلب الابقار وجلب الماء من اماكن بعيدة واعداد المستودعات لحفظ الاغذية وتجميل الاكواخ من الداخل وصناعة الحلى والمجوهرات من مختلف انواع الحديد. وتنسب المرأة لعائلة الاب ويحظر عليها تملك الارض والماشية. والمرأة تعاني نوعاً من الاضطهاد الاجتماعي والاب ثم الزوج هو الجهة التي تتحدث باسمها وتمثلها، كما يتم اضطهاد ونبذ الزوجة التي لا تنجب اطفالاً وتتحول الى متسولة عندما تتقدم في العمر نظراً لانه يحظر عليها جمع الاموال ولا يوجد من يعتني بها. ويتحول الصبي الى «موراني» اي المحارب الصغير عندما يبلغ الخامسة عشرة من العمر الا ان هذا التحول يصبح غير ذي جدوى ان لم يقم الصبي باصطياد اسد خلال طقوس تعميده وانتقاله الى مرحلة الرجولة. ويلعب الاطفال دوراً مهماً في العديد من الطقوس مثل طقس المطر حيث تنشد مجموعات منهم اناشيد خاصة ويلعبون لعبة «الخراف والاغنام ومصارعة الابقار والثيران». وبالرغم من عدم ترحيب افراد القبيلة بالسياح والزائرين الذين ينظرون اليهم كمتطفلين وغرباء، الا ان هؤلاء السياح هم من يدفعون القبيلة للاحتفاظ بتقاليدها وعاداتها وذلك بتحويل هذه الموروثات الى نوع من التجارة. والاحتفالات والطقوس التي تقام عند قدوم فوج من السياح هي طقوس تعود لآلاف السنين، ولكنها لا تقام إلا للسياح ، وبهذا تحافظ القبيلة على تقاليدها وعاداتها مدفوعة برغبات السياح الذين يقومون بالمشاهدة فقط دون التدخل لاجراء اي تغيير على نمط الحياة. ولاتسمح القبيلة للسياح بزيارة اي قرية الا بعد دفع مبلغ مالي، وبالرغم من هذا السماح الا ان السائح لا يشاهد قرية حقيقية لانها تكون على بعد عشرات الاميال من ذلك المكان لان الشيء الوحيد الذي لا تسمح به القبيلة هو تواجد غرباء بالقرية او حولها والتدخل في عاداتها وتقاليدها. وبهذا تكون القبيلة خدعت السياح وحافظت على تراثها الفريد وتمكن افرادها من الحصول على بعض الاموال. وبصرف النظر عن سياسات التحديث والانتقال الى الحياة العصرية، الا ان قبيلة الماساي لاتزال تتمسك بتقاليدها وموروثاتها التي حافظت عليها بقوة السلاح مرة وبالتخفي عن أعين المتطفلين مرات عدة. مأمون الباقر