الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 اثارت دراسة نشرها الطبيب النفساني الاميركي «ديفيد سبيجل» عام 1989 ضجة كبيرة بين اطباء السرطان. كان المؤلف قد اوضح فيها ان نساء مصابات بسرطان الثدي، المنتقل كن يبقين على قيد الحياة لمدة تصل وسطياً الى خمسة عشر شهراً اخر عند مشاركتهن في علاج نفساني جماعي بالمقارنة مع عدم افادتهن من هذا النوع العلاجي. منذئذ، ايدت اعمال عديدة رصينة هذه النتيجة. تدعم هذه النتائج فكرة قديمة تفيد بأنه ربما كان للجانب العقلي دور حاسم في تطور السرطانات، ان لم يكن في ظهورها، حسب رأي البعض. «من بين المرضى الذين جاؤوا لاستشارتي كان 8 إلى 10 منهم يسعى لفهم كيف امكن لاحداث حياتهم، الطلاق او فقدان اب او شريك، ان تسبب حدوث سرطانهم»، على حد عبارة الطبيبة النفسانية «سيلفي دولبوات»، رئيسة وحدة علم الاورام النفسي في معهد كوري. هذه الرؤية للسرطان، كتعبير عن معاناة نفسية عميقة، هي منذ زمن طويل مبدأ علماء النفس السريريين. «الباثولوجيا هي لغة»، على حد قول المعالج النفسي الفرنسي «جان ـ ايف جزكل». وربما كانت الانعكاس المرئي، عبر الاخراج الرمزي للجسد، لصراعات دفينة عميقاً في اللاشعور. «في السرطان، هذا الامر واضح كل الوضوح. نجد لدى جميع الاشخاص الذين يعانون من مثل هذا المرض الاشكالية العميقة نفسها»، يضيف «جزكل» مؤكداً. وربما كان الامر يتعلق حسب رأيه بخلل في وظيفة الرغبة: قد لا يحس الشخص، بصورة لا شعورية، بأن له الحق في ان تكون له رغبته الخاصة، التي يستبدلها برغبة اخر. وبذلك، يأبى ان تكون له حياته الخاصة. «الباثولوجيات السرطانية هي تحديداً لغة الجسد التي تعبر عن هذه الاشكالية النفسية الداخلية. ان الخلية هي التي تقوم بعملية اخاج المطالبة لدى هذا الشخص: انا اريد ان اعيش، لا اريد ان اموت». ذلك ان خاصية الخلية السرطانية هي انها بالتحديد «لا تموت»، يقول «جزكل»، الذي لا ينفي من جانب اخر ضرورة وجود عوامل اخرى بيئية او جينية كي يظهر الورم بشكل عملي. الا انه يركز على شيء يراه بديهياً: العوامل النفسانية وحدها، المرتبطة بالتاريخ الفردي للشخص، تتيح تفسير لماذا يطور بعض افراد الاسرة نفسها سرطاناً دون الاخرين، رغم انهم يعيشون في البيئة ذاتها. من هنا حسب رأيه الفائدة بالنسبة لهؤلاء المرضى في ان يبدأوا بعمل تحليلي، اضافة الى العلاجات الطبية الاكثر «تقليدية»، وفي ان يطرحوا اسئلة حول شخصيتهم، وان يفجروا، على شكل انفعالات، الصراعات النفسية التي تعتمل في داخلهم والتي قد تكون سبب السرطان. خلل وظيفي برهاناً على ذلك، يورد حكاية تلك المرأة التي عاينها عام 1994 واستمر يتبين الوضع معها بانتظام. كانت شديدة التحفظ في البداية، رغم معاودات سرطانها العديدة. اخيراً اقتنعت. بعد عدة اشهر من العلاج النفسي، زالت المعاودات. لماذا؟ لأن لا شعورها وضع امام عينيها ما كان يجب ان تراه: انها كانت تعيش في ظل التبعية التامة للآخر. الآخر كان بشكل خاص زوجها. ولكن، عندما ننظر ملياً الى الامر، نرى بدقة اين تتجذر المشكلة: «عموماً في عقدة اوديبية غير محلولة او في طغيان هذه العقدة»، على حد تحليل «جزكل»، الذي يتذكر ايضاً حالة تلك السيدة التي ذهبت في تحليلها بعيداً نحو الوراء، نحو طفولتها، لتنعطف بعد ذلك وتتوقف عن متابعة التحليل، بعد ان بدأت حالتها تتحسن. «كانت لهذه المرأة اخت صغيرة بعمر سنتين احترق حوضها ويداها بالكامل بعد ان سقطت في وعاء ماء يغلي. وماتت على اثرها. في عملية الاخراج هنا التي قام بها الجسد، الرافض لكل علاج، تركز كل شيء على الحوض وعلى اليدين. انتابتها تنكسات وآلام لا تصدق، يستحيل علاجها. ذلك كما لو ان الجسد يقول: «انت لا تودين رؤية ذلك، سأجبرك على رؤيته». المسبب كان بالتأكيد هو الذنب الكبير الناتج عن رغبتها. كانت الاخت الصغيرة تستأثر باهتمام والديها، وعنايتهما وحنانهما. اذن، كانت الاخت الكبرى تغار منها. كانت تتمنى موت اختها الصغيرة، وماتت هذه فعلاً. وكان شعور الكبرى بالذنب كبيراً جداً. كان لديها كبت لا شعوري كبير، عبر عن نفسه، ذات يوم، بهذه الطريقة». غالبية الاطباء يشككون بمثل هذه التحليلات، ان لم يمتنعوا عن التعليق. ويؤكد البروفيسور «ديفيد خياط » عدم اعتراضه على اية نظرية تأتي من الطرق المألوفة، غير انه يشير الى ان العنصر الرئيسي للخلل الوظيفي المسبب للسرطان ـ اياً كان، وضمن الوضع الراهن للعلم ـ يكمن في تراكم طفرات في الارث الجيني للخلية وعجز هذه الخلية عن اصلاح هذه الطفرات او تدمير نفسها. ويضيف: «انطلاقاً من ذلك، من الواضح انه يستحيل ان يكون لظواهر من النمط النفساني تأثير على تنظيم قواعد الراموز الجيني. تراكم الطفرات المؤدية الى السرطنة، المرحلة الأولى من التسرطن، هي بالضرورة ظاهرة بيوكيميائية». مع ذلك، يؤكد البروفيسور «خياط» ان الامور هي اقل وضوحاً فيما يتعلق بطور تكاثر الخلية المتطفرة: في حين انها تتكاثر سرطانياً عند البعض، تبقى غافية عند آخرين لزمن طويل، للتكاثر احتمالاً في وقت لاحق. حتى الآن، لم تثبت اية دراسة احصائية ان هناك احتمالاً اكبر ان يطور الشخص سرطانياً بعد حدث صادم، فقدان شريك مثلاً. هل يعني ذلك ان هذا الواقع غير موجود،ام انه متعذر الاثبات؟.. لا احد يعرف حتى الآن. غصون عمار