الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 شهدت الساحة الطبية العالمية تطورات أدت إلى تغير خريطة المرض في العالم كله، حيث اختفت الأمراض المعدية، في كثير من بلدان العالم وظهرت أمراض أخرى ارتبطت بالتقدم العلمي وزيادة العمر والاكتشاف المبكر لبعض الأمراض، مثل سرطان الثدي والمبيض للسيدات والبروتستاتا في الرجال.. ومرض ترقق العظام الذي يصيب شرائح عدة ولكنه لا يسبب الألم ولا تظهر أعراضه إلا عند حدوث الكسر فقط سواء في عظمة الرسغ أو عنق الفخذ أو كسر في العمود الفقري.وبذلك تبدأ سلسلة من المضاعفات من الممكن أن تؤدي إلى الوفاة. فمن خلال قياس كثافة الكتلة العظمية في سن مبكرة يمكن للمريض تفادي هذه المضاعفات خاصة وأن الأبحاث أكدت بشكل قاطع العلاقة القوية بين مرض الترقق وأمراض أخرى تؤثر علاجاتها على كثافة العظام، مثل أمراض الكبد والكلى والأمراض الصدرية والروماتيزمية. أما بالنسبة للأصحاء فيمكنهم قياس كثافة الكتلة العظمية من العمل على زيادة المحافظة عليها وتقليل معدل الهدم. ترقق العظام ويقول الدكتور سمير البدوي أستاذ الأمراض الروماتيزمية بكلية طب قصر العيني ورئيس الجمعية المصرية لترقق العظام، أن العظام تتكون في مراحل العمر الأولى ويحدث ترسيب الكالسيوم وبناء الكتلة العظمية من سن سنتين إلى ثلاث سنوات من بداية عمر الطفل، ويتعاظم تكوين هذه الكتلة في البنات من سن 9-11 سنة والأولاد من 11-13 سنة وتصل إلى أشدها في أواخر سن المراهقة، ثم تبدأ في عمليات الهدم والترقق تدريجيا بمعدل 1% سنويا. تحتوي العظام على 90% من كمية الكالسيوم في الجسم والباقي يوجد حرا في الدورة الدموية، ويمثل تكسير العظام بشكل دوري مصدر الكالسيوم الحر في الجسم. وتعد دورة التكسير والبناء مهمة لإطلاق الكالسيوم في الدم وعملية النمو وإصلاح الأضرار التي تصيب العظام من الإجهاد، فمن لديه كثافة عظام عالية منذ الصغر لا تتعرض عظامه للترقق ولكن مع تقدم السن تزداد نسب الإصابة خاصة في السيدات. وأشار إلى أن المنظمات الطبية العالمية حددت الأفراد المعرضين للإصابة بترقق العظام، وأول هذه الفئات هي السيدات بعد سن الخمسين «بداية فترة انقطاع الطمث» خاصة اللاتي لديهن عوامل خطورة أخرى، كالتاريخ المرضي العائلي وإصابة أي من أفراد الأسرة للأم بحالات تحدب أو إنحناء في الظهر أو قصر القامة. وأيضا المدخنات واللاتي لم يتعرضن للشمس والتهوية الجيدة أو عدم ممارسة الرياضة وأبسطها المشي. أو إذا أصيبت في فترة من فترات عمرها بكسر في عظمة الرسخ أو عنق الفخذ أو كسر في العمود الفقري. أما الإصابة تحت سن الخمسين من الجنسين فيشير الدكتور سمير البدوي إلى أن هناك بحثا مهما أجرى في المنطقة العربية تبين من خلاله أن من 40 -50% من سكانها تقل كثافة كتلة العظام لديهم عن مثيلاتها في الدول الأجنبية لعدم ممارسة الرياضة والتدخين الإيجابي والسلبي وشرب القهوة ونوعية العمل خاصة في المدن، أيضا المعرضين للإصابة هم مرضى الفشل الكلوي ومرضى الكبد والأمراض الصدرية والروماتيزمية والجلدية لاعتماد علاج هؤلاء على الكورتيزون لأكثر من ستة أشهر وهو ما يؤثر بشكل مباشر على العظام وكثافتها، ولذلك من المهم على مجموعة من البروتوكولات بين هؤلاء الأطباء وأطباء العظام لمساعدة المرضى في التخلص من الأثر السلبي للكورتيزون بزيادة نسبه الكالسيوم وفيتامين (د) في علاجهم. فالمعروف أن أول مضاعفات الفشل الكلوي هي حدوث الكسور فلابد من معادلة الكورتيزون بالكالسيوم وفيتامين د. أما بالنسبة لأطباء الكبد فلديهم تحفظات على فيتامين (د) أثناء علاجهم لمرضاهم ولكن الجرعات الأقل تحمي الكتلة العظمية بشكل أو بآخر. أما في الأمراض الصدرية والروماتيزمية والتي يعتمد علاج المرض فيها على الكورتيزون.. وخاصة «البخاخات»، فقد ثبت أثرها السلبي على العظام. أيضا هناك عامل خطورة آخر للإصابة بمرض الترقق وهو قطع الدورة قبل السن المعتاد حيث يظهر المرض وبشدة في السنتين التاليين التي يسحب منها الهرمون طبيعيا من الجسم وأيضا في حالة إجراء عملية إزالة المبيضين والتوقف المفاجئ عن تناول الهرمونات البديلة.. حيث التوقف المفاجئ يؤذي العظام بدرجة كبيرة، ولابد من عمل بعض الاحتياطات قبل التوقف حتى ينسحب الهرمون بهدوء مع تناول بدائل تعويضية له سواء طبيعية أو أدوية ثبت فاعليتها في بناء الكتلة العظمية. وعن وسائل التشخيص الحديثة للمرض يقول الدكتور عمر حسين أستاذ الأشعة بجامعة عين شمس أن هناك أنواعا متعددة من الإشاعات العادية لا تظهر إلا المضاعفات فقط ولكن توجد حاليا أجهزة دقيقة مثل «ديكسا» تعمل على قياس الكثافة الكلية للعظام بالجرام لكل مليمتر مربع في مناطق الفقرات والرسغ وعظمه الفخذ ومنها نستطيع الحكم على كثافة الكتلة العظمية، والتنبؤ المبكر بالإصابة وتفاديها قبل حدوث الأعراض عند حدوث الكسور فقط. وعن تعرض الرجال والشباب للمرض يقول الدكتور حازم عبد العظيم أستاذ جراحة العظام بطب القاهرة أن الإصابة ليست مقصورة على السيدات إنما تصيب الرجال أيضا، حيث وجد أن نسبة احتمال تعرض المريض بكسر نتيجة ترقق العظام تبلغ 13% بعد سن الخمسين تزيد إلى 25% بعد سن الستين.. وتتضاعف نسبة الإصابة في حال استعمال المريض لبعض أدوية الكبد والكلى والأمراض الروماتزمية والصدرية. وأشار د. حازم عبد العظيم إلى أن الشباب يصيبه الترقق أيضا، فقد تم إجراء بحث على 158 شابا في وحدة هشاشة العظام في كلية طب «عين شمس» وتبين إصابة 3% منهم بالمرض بنسبة تصل إلى 6%، ويرجع السبب في ذلك لانخفاض هرمون الذكورة عن المعدلات الطبيعية عند هؤلاء الشباب. وسائل علاجية ويقول أن هناك طرقا مختلفة لعلاج المرض منها العلاج بالهرمونات التعويضية مع استعمال الكالسيوم وفيتامين (د) ولكنهما غير كافيين وحدهما لعلاج الحالات الشديدة. ويضيف أنه ظهر جيل جديد من العلاجات يحتوي على مركبات تسمى «اليندرونيت الصوديوم» فوزاماكس الموجودة ضمن مجموعة «بسفوسفونيت» والتي تعمل على الحد من نشاط الخلايا الهادمة للعظام مما يعطي فرصا للخلايا المكونة للعمل على بناء نسيج عظمي أكثر صلابة. وفي أطول دراسة بحثية من نوعها أجريت على (13) مليون سيدة على مدى أكثر من 10 سنوات يتناولن علاجا غير هرموني استمرت مركبات «اليندرونيت» في بناء العظام مع إثبات تحمل الجسم له من خلال ترقق العظام لنساء دخلن في سن انقطاع الطمث. وقد نوقشت هذه النتائج مؤخرا في الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لبحوث معادن العظام بولاية تكساس الأمريكية. وقد أدى إستخدام هذا المركب في تحقيق زيادة بلغت 70% في كثافة كتله العظام الشوكية القطنية وبلغت هذه الزيادة ثلاثة أضعاف ما حققته المركبات الأخرى في بناء كثافة الكتلة الكلية لعظام الفخذ بعد عام كامل من العلاج، بل أظهر مركب «اليندرونيت الصوديوم» خفضا أكبر في معدل تآكل العظام. ويشير إلى أن هذه العلاجات تتميز بإمكانية تناولها مرة واحدة أسبوعيا بجرعة 70 ملجم مما يقلل من إحتمال حدوث مضاعفات كما أنها تقلل نسبة حدوث الكسور في العمود الفقري ومنطقة مفصل الحوض بنسبة تصل إلى 50%. ويتم العلاج حسب درجة الهشاشة أو الترقق وضرورة المتابعة السنوية، أما إذا كانت درجة المرض شديدة فينصح بالمتابعة كل ستة أشهر أما في الدرجات الأقل فإن المتابعة تكون كل سنتين لمتابعة فعالية الدواء. ويشير د. عمر حسين إلى أن المرض ظهر في الأطفال مؤخرا وخاصة المرضي المصابين بالروماتويد والأمراض الصدرية والتي تضطرهم ظروف المرض لتعاطي الكورتيزون الذي يؤثر على عظامهم بشكل أساسي وانحراف وضمور في العمود الفقري ونقص في النمو. وعرض لنتائج دراسة أجريت بطب الزقازيق عن علاقة مرض الروماتويد المفصلي والذي يعالج بالكورتيزون والإصابة بترقق العظام. شمل البحث 60 مريضه قسمن إلى مجموعتين الأولى كانت فترة مرضهن أقل من 5 سنوات وتعالج بالكورتيزون بجرعة من 15 إلى 10 مم يوميا بالإضافة إلى علاج الروماتويد والثانية لم تعالج بالكورتيزون. وبقياس كثافة العظام والاختبارات المعملية وجد أن المريضات اللاتي يتناولن الكورتيزون عرضه للإصابة بالهشاشة والترقق، وأوصى البحث بضرورة تناول الكالسيوم وفيتامين (د) مع أدوية الهشاشة والفحص الدوري لمرضى الروماتويد في المرحلة الأولى لمعرفة تطور المرض.. ولتفادي حدوث مضاعفاته. وعن أهم الأسباب التي تؤدي إلى كسور عظم الفخذ وفقرات الظهر لمرض الترقق يقول الدكتور حازم عبد العظيم أستاذ جراحة العظام بطب القاهرة، أن منطقة العمود الفقري والفخذ تكون الألياف العظمية للعظم الإسفنجي أقل تقاربا من نسيج العظم الموجود في ساق العظمة أو جذع العظمة، وتوجد نسب مئوية ثابتة في كتلة العظام القشرية في ساق العظمة وبين كتلة العظام الإسفنجية.. والنسبة تكون في صالح العظم القشري ومع التقدم في السن فإن أجزاء من العظم القشري تتسع فيها المسافات، وفي نفس الوقت تبدأ الألياف العظمية للعظم الإسفنجي في عملية النقص للكثافة والتخانة العظمية وتكون عرضه للكسر فإذا كانت هذه الألياف مرتبه ترتيبا سليما من أجل تحمل أعباء الضغط عليها فإن العظم في هذه الحالة يكون كفئا للقيام بوظيفته، وهذه الكفاءة تؤثر على ألياف العظم الإسفنجي والعظم القشري بنسب متساوية إلى أن تقل كفاءة النسج العظمي لمقياس الكثافة ويصل إلى 5,1 ويمكن أن تزيد إلى 5,2 مع عوامل الخطورة، مثل عدم المشي والتدخين والعادات السيئة في الغذاء. ولكي لا تحدث هذه الكسور لابد وأن تتوافر كثافة عظمية مع وجود ألياف قوية وترتيب للألياف يسمح بتحمل الأوزان والأعباء، ويتم كسر عنق الفخذ نتيجة الدوران الخاطئ للرجل. أما كسر العمود الفقري فيكون نتيجة للانحناءات للأمام بطريق خاطئة أو التعرض للوقوع بشكل مفاجئ للأمام