الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 يعتبر اكتشاف قبر قديم في الصين الحديثة أمرا شائعا ومألوفا حتى انه غالبا ما يكون مبعثا للازعاج بقدر ما يكون مصدرا للاثارة، وذلك لان هذا الاكتشاف قد يؤخر اعمال البناء لاشهر او حتى لسنوات. ولهذا عندما تم استدعاء علماء الآثار في مايو الماضي لفحص ابنية اكتشفت اثناء مشروع توسعة لمصنع سماد من العظام المسحوقة في احد الاحياء الجنوبية لمدينة بكين، لم يكن العلماء يتوقعون العثور على شيء ذي اهمية كبيرة. ولكن الامر الذي اذهل علماء الآثار هو ان المباني كانت عبارة عن بقايا قبرين تقليدين شيدا على شكل قباب، وكل منهما يزيد عمره على ألف سنة. أحدهما كان قد أغرق بالماء وتضرر كثيرا، بينما احتوى الآخر جداريات جميلة حفظت بشكل جيد من عهد سلالة لياو (907 ـ 1125 للميلاد). وتقول دكتورة جيسيكا روسون استاذة علم الآثار والفن الشرقي في جامعة اكسفورد: «لم يبدأ الصينيون الا مؤخرا بنشر معلومات عن القطع الفنية التي تكتشف في قبور سلالة لياو، ومن غير المعتاد ان نراها في الصحافة الغربية». يعتبر تاريخ الصين مزيجا انتقائيا من الحكام العظام والثوارت والانجازات الفنية والتقنية العظيمة. ويمتد الجزء المعروف منه ابتداء من مملكة شانغ التي حكمت البلاد حوالي عام 1500 قبل الميلاد وحتى مملكة جين التي حكمت البلاد حتى عام 1234 للميلاد. تأسست مملكة لياو من قبيلة مترحلة تدعى خيتان، وفي اللغة الصينية قيدان. وقد عاشت سلالة خيتان بجوار مناطق نفوذ سلالة تانغ التي حكمت البلاد من عام 618 الى عام 906 للميلاد، مع انها هاجمتها كلما امكن ذلك، هذا بالاضافة الى ان اعمال الخزف لديهم وديانتهم البوذية تأثرت كثيرا بثقافة مملكة تانغ. وعندما سقطت مملكة تانغ، قام زعيم قبيلة خيتان يلو ابوجي بتأسيس مملكة خيتان، وأعلن نفسه باسم الامبراطور تايزونغ وبدأ يغزو بشكل منظم القبائل المجاورة. وفي عام 947 سمي سلالته لياو على اسم نهر كبير يقع اليوم في مقاطعة لياونينغ. وسيطرت مملكة لياو على المناطق الصينية في الشمال الشرقي، في اقليم لياونينغ وأجزاء من هيبي ومنغوليا الداخلية. وتقول روسون: «لقد أداروا دولة كبيرة. وكانت لديهم وسائل ترف رائعة، حيث استوردوا الزجاج من الخارج واستخدموا العقيق والخزف النقي والذهب. وبعض مدافنهم كانت رائعة بحق». وكان لمملكة لياو العديد من الحواضر، وكانت احداها مكان بكين المعاصرة. وقد اسماها اتباع سلالة لياو نانجنغ التي تعني «عاصمة الجنوب» ولا صلة بينها وبين مدينة نانجنغ الحديثة. ان القبر الذي اكتشف مؤخرا في كين يون ذيانغ على بعد 30 كيلومترا الى الجنوب من بكين، مبني على شكل قبة تقليدية بباب ونوافذ شكلية ومنصة منخفضة. ولم يبق على المنصة سوى رماد وقطع من العظام وستة أوعية خزفية. وتقول روسون ان «هذا النوع من القبور لم يعرف الا في السنوات العشر الماضية. فقد تم اكتشاف بضع مئات منها، ولكن لم يتم الافصاح الا عن 20 او 30 منها. وفي السابق، كان الصين والغرب يتجاهلونها بشكل كبير. ولأن لياو كانت مملكة لم يكن حكامها من سلالة هان الصينية (المجموعة العرقية السائدة في الصين)، فإن لهم بنظر بعض الاشخاص مكانة متدنية تقل عن مكانة سلالة تانغ. ولكن الاكتشافات الاخيرة، ومن بينها هذا الاكتشاف كانت امرا مثيرا للاعجاب نظرا لتصويرها الحياة اليومية والدين قبل ألف عام». ومن خلال اللوحات الجدارية وحجم القبر، يمكن القول ان المتوفى كان شخصا ثريا على الارجح ولكنه لم يكن من الفئة الامبراطورية الراقية. ويعتقد بأنه تقاسم قبره مع زوجته. تعتبر الجداريات المكتشفة مفصلة وبحالة ممتازة. فهي لا تزال مشرقة على الرغم من قدمها وهي تصور خادما وخادمة، يقصد من وجودهما مساعدة المتوفى في الحياة الاخرى. ويقوم الخادم باشعال شمعدان طويل وتقف امرأة بجواره حاملة جرة او قارورة كبيرة. وتقول روسون ان هذه القارورة مثيرة جدا للاهتمام فسدادتها على شكل رأس طير، وهو شكل شائع في اعمال الخزف لسلالتي لياو وتانغ ودليل على الاتصال مع غربي آسيا، حيث ان ذلك الشكل استحضر من هناك ثم تم تطويره في الصين. وتبدو الزخارف على القارورة وكأنها تمثل نقوشا على معدن عالي الجودة». لقد كان الصينيون بمن فيهم اتباع سلالة لياو يؤمنون بأن الحياة الآن والحياة بعد الموت متشابهة وتقول روسون: «هذا امر مهم جدا. فالرسومات في القبر لا تسجل للحياة، وانما تزود الناس في القبر بكل ما يحتاجون اليه من اشياء ومتعلقات شخصية للحياة الآخرة. تظهر احدى اللوحات الجدارية المكتشفة امرأة تعد النقود المعدنية في وعاء كبير. ومن الجدير بالذكر ان معظم اباطرة سلالة لياو التسعة الذين حكموا البلاد خلال 209 اعوام كانت لهم نقودهم المعدنية المصممة خصيصا لهم وكانت تصنع من الحديد او النحاس او الذهب او الفضة وتزين بزخارف باللغة الصينية ـ الخيتانية. ويعتقد العلماء ان القبور التي اكتشفت حديثا في الصين ستعطي فكرة اوسع عن سلالة لياو والدور الذي لعبته في تاريخ الصين. ضرار عمير