الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 الكشف عن ألغاز واسرار جرائم القتل مهمة اساسية يتولاها المحققون في تلك الجرائم مستخدمين القرائن والادلة من مسرح الجريمة، ومع ان المحققين، يهرعون الى مكان وقوع الجريمة بأسرع وقت ممكن لاخذ البصمات والبحث عن الدلائل، الا ان بعض القضايا تحير المحققين ويتم اغلاقها دون معرفة هوية الجناة واذا كان هذا هو الحال بالنسبة للجرائم التي تقع في عصرنا الحديث الذي تتوفر فيه التقنيات المتطورة، فما بالكم بمحاولة الكشف عن مرتكبي جريمة وقعت قبل اكثر من ألفي عام، قد يبدو الامر مستحيلا من جميع النواحي، ولكنه لم يبد كذلك بالنسبة للقائد لوسيانو جاروفانو، مدير مركز التحقيق القضائي «كرابنيري» في بارما الايطالية الذي قرر ان يفتح تحقيقا في جريمة قتل يوليوس قيصر امام مقر مجلس الشيوخ في مارس من عام 44 قبل الميلاد. وبحسب الروايات التاريخية فان يوليوس قيصر قد قتل على يد مجموعة من اعضاء مجلس الشيوخ واللافت للانتباه في تلك الجريمة هو ان المتآمرين وجميعهم افراد بارزون في عائلات نبيلة لم يقوموا بأي محاولة للتخفي او اخفاء الذنب الذي ارتكبوه بل على العكس من ذلك انطلقوا الى الشارع بعد ارتكابهم للجرم متفاخرين بانجازهم ومطلقين صيحات الحرية. غير انه بالنسبة لشرطي معاصر، وبخاصة لمحقق برع في التحقيق بجرائم الاغتيال التي تمارسها المافيا، فان مجموعة الاسئلة غير المجابة تظل كبيرة لدرجة لا تبرر اقفال ملف القضية فلماذا يقدم قيصر، اعظم جندي وعبقري سياسي في عصره، تحريضا متعمدا لاشد اعدائه قوة؟ ولماذا بعد ان فعل ذلك، يقوم بفصل حراسه الشخصيين الذين كان من الممكن ان ينقذوه؟ ولماذا تجاهل التحذيرات الصريحة بأنه يسير، غير محمي الى خطر مميت؟ والاغرب من ذلك، ولكن قد يكون على الدرجة نفسها من الاهمية هو حالة امعاء قيصر فهل يمكن ان يكون الاسهال هو الذي جعل قيصر يهين المجلس ويغذي الكراهية التي حركت قتلته؟ ان جميع هذه الاسئلة وغيرها الكثير مما يجول بخاطره هي التي اقنعت جاروفانو بقبول دعوة شركة الانتاج السينمائي الفائزة بالجوائز «اتلانتك برودكشنز» ومقرها لندن لاجراء اول تحقيق شرطي في اشهر جريمة قتل في التاريخ. بدأ جاروفانو تحقيقه كما هو الحال في جميع الجرائم من مسرح الجريمة وهو عبارة عن مجتمع ترفيه روماني يضم مسرحاً وحديقة وقاعة اجتماعات احتضنت اعضاء مجلس الشيوخ بعد ان احترق مبنى المجلس الاصلي. وجد جاروفانو المكان مهملاً وقد تحول الى ملجأ للقطط. ولم يستطع ان يحصل على اي شيء مما شاهده هناك، فطلب من جامعة وارويك ان تعيد بناء المجتمع على الكمبيوتر. انتقل جاروفانو بعد ذلك الى التفكير بالجثة. كانت جثة قيصر الملطخة بالدماء قد تركت في مكانها لمدة ساعتين او ثلاث ساعات قبل ان يتم حملها ونقلها من الخدم الى منزله، حيث قام طبيب يدعى انتيستيوس باجراء اول عملية تشريح للجثة في التاريخ الموثق. لقد اتضح من تشريح الجثة ان قيصر تعرض لـ 23 طعنة بالخنجر، واحدة منها فقط كانت القاتلة، وهو ما يعكس حقيقة ان القتلة لم تكن لديهم الخبرة الكافية في هذا المجال. ولمعرفة عدد الاشخاص الذين هاجموا قيصر، قام بعمل نموذج للجروح على الكمبيوتر واعاد عملية التشريح بالاستعانة بطبيب تشريح قضائي. ثم طلب من فني المختبر التابع للشرطة باعادة تمثيل الجريمة. وقاموا بذلك ثلاث مرات ـ الاولى بوجود 23 مهاجماً، والثانية بوجود 11 مهاجماً والثالثة بحضور خمسة اشخاص فقط. وتبين من خلال التجارب التمثيلية الثلاث ان الاول مستبعد نظراً للعدد الكبير المتورط فيه، مما يجعل تنسيق الجريمة امراً صعباً. اما الاحتمال الثاني فيعتبر صعباً ولكنه ممكن. بينما يعتبر الاحتمال الثالث سهل التنفيذ والتنسيق. ومن هنا، خلص جاروفانو الى نتيجة مفادها ان القتلة كانوا بين خمسة الى عشرة اشخاص وان الطعنة القاتلة، وهي في الظهر، كانت الثانية من حيث الترتيب، وربما جاءت من بروتوس نفسه. ومن هنا جاءت العبارة التي اوردها شكسبير في مسرحية «يوليوس قيصر» والتي تقول على لسان يوليوس قبل وفاته «حتى انت يا بروتوس؟». ولكن هذه الكلمات سجلت من قبل المؤرخين الرومان باليونانية بدلاً من اللاتينية على نحو مختلف، فقد وردت كما يلي: «انت ايضاً، يا بنيّ؟». بعض المؤرخين ان بروتوس هو ابن غير شرعي ليوليوس قيصر، فقد كانت امه سيرفيليا احدى عشيقاته، وان قيصر قال له عندما وجده بين المهاجمين: «كيف يمكنك ان تخونني بعد كل ما فعلته من اجلك؟ وبالمناسبة، انت ابني غير الشرعي، وانا والدك، ولقد ارتكبت لتوك جريمة قتل بحق والدك». والامر المحيّر حقاً هو السبب الذي جعل يوليوس قيصر يهمل في اتخاذ الاحتياطات الامنية وكأنه يقول لمهاجميه «هلموا اقتلوني». ولازالة هذه الحيرة توجه جاروفانو الى الولايات المتحدة لاستشارة دكتور هارولد بورزتاين من مدرسة هارفارد الطبية، وهو من ابرز المحللين النفسانيين في علم الجريمة. وكانت النتيجة التي خلص اليها بورزتاين مذهلة. فالعراب الذي ادار واشرف على احداث الخامس عشر من مارس عام 44 قبل الميلاد لم يكن كاسيوس ولا بروتوس وانما يوليوس قيصر نفسه الذي خطط تلك الجريمة بكل تفاصيلها لكي يحقق اهدافه الثلاثة كاملة وهي: الموت السريع والسمعة الطيبة والخالدة واستمرار نسله في الحكم. والسبب من وراء ذلك هو اصابته بمرض يؤدي الى ظهور اعراض مزعجة كالاسهال المتواصل والطفح الجلدي، وهو ما سبب له الحرج في مجلس الشيوخ، فامتنع عن الوقوف مهيناً المجلس. وهكذا يبدو ان عناصر الجريمة قد اكتملت لدى المحقق جاروفانو، فالدافع واضح والفرصة يستطيع ان يحدد قيصر مكانها وزمانها والوسيلة واضحة ايضاً. ضرار عمير