الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 في احدى اكبر قاعات الفنادق الكبرى بالعاصمة الاضواء موزعة في المكان بشكل اسطوري في ارجاء القبة الصناعية ـ التي صممت لاول مرة خصيصا لحفل الزفاف هذا ـ حتى ليشعر الانسان، وكأنه قد انتقل فجأة الى وسط نجوم الكون البعيدة ـ التلألؤ الحالم.. الهمسات الضوئية الشاردة التي لا يلتقطها غير الشعراء والعشاق من ساهري ليالي السهد والوجد، الازهار منثورة في انحاء القاعة بذوق خبير هولندي في تنسيق الازهار، احضره المليونير، كي يحيل ليلة عرسه الى ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة، اشكال من الازهار وألوان من الورود المحلية والمستوردة التي لم تقع عليها عينا انسان من قبل، ولكأنها زرعت خصيصا لهذا الحفل دون غيره، الديكورات خلابة بأشكالها الهندسية، وألوانها المتعانقة بحب ووله، كل ذلك بالاضافة الى فرق الموسيقى والرقص والغناء من جميع دول العالم تقريبا، استولت على حواس المدعوين، كانوا منبهرين تماما بكل ما يحيط بهم من حفل زفاف المليونير والبعض يقول الملياردير سامي احمد ومذيعة التلفزيون فائقة الجمال صفاء نصر، والبعض يطلق عليها (الجمال المحتشم) نظرا لانها اعتادت في حياتها العامة والخاصة على ستر جسدها، ولا تتعمد استعراض مفاتنها ـ مثل بقية زميلاتها ـ فمجرد اطلالتها المبهرة من شاشة التلفزيون لقراءة نشرة الاخبار، تجعل المشاهدين ينصرفون تماما عما تقرأه من أخبار مهما كانت ساخنة او حتى نارية، في متابعة منهم لهذا السواد الداكن المحاط بمساحة واسعة من البياض الرائق داخل جفون عينيها المحاطة بأهداب طويلة وحادة، يصفها البعض بالفتاكة. اما صدرها الناهد، فهو من هذا الصنف من الصدور النسائية التي ترفض ان تندلق الى اسفل، وتصر على ان تظل معلقة بقوة في الاعلى، قريبة من انحدار الرقبة مما يجعل المخرج والمصورين لنشرة الاخبار او لبرنامجها الاقتصادي الذي تقدمه كل يوم اربعاء في حرج وحيرة من امرهم فلديهم اوامر واضحة من ادارة التلفزيون بعدم التركيز على وجه المذيعين بحيث لا يملأ الوجه الشاشة كما كان يحدث من قبل، وانتقده المشاهدون، وفي الوقت نفسه اذا تراجع بالكاميرا بعيدا عن وجهها سيؤدي الى تدفق صدرها داخل الكاميرا وبالتالي داخل عيون المشاهدين، مما قد يوحي لدى البعض بالاثارة وهو مرفوض من تلفزيون دولة محترمة تقف بقوة ضد عولمة التعرية الجسدية والاثارة . من ناحيتهم شكروا ـ في صمت ـ ومن اعماق قلوبهم ، المذيعة صفاء نصر منذ فترة بعيدة، لانها خففت عنهم معظم الحرج عندما اعتادت على ارتداء ملابس محتشمة وخاصة في منطقة الصدر، فصار كله محيطا بالرقبة ولا يبدي اي مساحة من الصدر كما انها تحاول دائما ان تترك شعرها الاسود الطويل متدفقا بتموجه اللامع فوق كتفيها وحافتي صدرها مبالغة منها في التخفيف من تأثير تحفز صدرها الوثاب في مواجهة الكاميرا ، حتى هذا الاحتشام لم تنسه في ليلة زفافها، فها هي تجلس بجوار الملياردير مرتدية فستانا ابيض مغلقا حتى الرقبة بالرغم من الكمية الهائلة من الذوق والجمال الذي يفيض به الفستان ومن ترتديه ولم يكن للنساء ولا للرجال وخاصة من القريبين منها سواء في العمل او الاسرة اي نقد عليها غير اختيارها العجيب لهذا الزوج الفاقد لأي ملمح من ملامح الجمال او حتى القبول فهم يعرفون ان اجمل وارقى شباب البلد تقدموا لخطبتها، لكنها رفضتهم جميعا من اول عرض!! فحتى الآن وبالرغم من انهم يرون عريسها الملياردير سامي احمد يجلس بجوارها في حفل زفافهما بعد ان تم عقد القران بالفعل منذ ساعات، الا ان عقولهم لم تتمكن بعد من تقبل فكرة ان يكون الجمال المحتشم هذا ـ الذي يتمناه كل الرجال ـ يصير بعد لحظات في حضن رجل اقرب الى القرد منه الى الانسان، واحتار جميعهم في تفسير السبب لهذا الزواج غير المتوقع على الاطلاق قال البعض وخاصة النساء «ربما مال القرد!، الذي يذهب ويبقي القرد على حاله»، البعض قال: النصيب، الحظ، لكنها فسرت موافقتها لبعض صديقاتها المقربات بأنها اختارته دون غيره بعد ان اجرت معه لقاء مطولا في برنامجها الاقتصادي، وعاشت معه لبضع ساعات في حوار وتصوير في اماكن مختلفة من المشروعات التي انجزتها وتنجزها شركة مقاولاته الكبرى، ورأت منه عن قرب كمية الحنان والاخلاق الراقية التي تفيض بها تصرفاته كل هذا اكد لها ان الزواج سيمنحها السعادة الحقيقية، واضافت لاخلص صديقاتها ضاحكة: «كما ان عدم جمال وجهه، سيضمن لي بقاءه معي الى الابد، وان اي امرأة اخرى لن تفكر في اختطافه مني، وهذا هو الامان بعينه». مع ان هالات الترف والابهار في المكان كفيلة باغراق كل الحضور ومعظمهم من كبار المسئولين وعلية القوم ـ في ألق الموسيقى، وعطر الزهور، وكونية الانوار، الا ان بعض العيون الخبيثة تسللت الى ملامح وعيون العروسين اللذين يزينان وجهيهما بابتسامات السعادة، ويحركان بيسر لسانيهما بعبارات المجاملة والشكر لكل من يتقدم اليهما للتهنئة وتمكنت من رصد حالة عالية لدى العروسين من التوتر والقلق غير العادي وخاصة كلما اقترب الحفل من نهايته وزحف الليل الى آخره، رصد البعض في عيونهما حالة فزع، وليست حالة قلق عادية تصيب بعض الذين يتزوجون للمرة الاولى، كما ان حالة الفزع هذه رصدت كذلك لدى ام العروس، وهو، كما حللوه ليس مجرد توتر الام لزواج ابنتها الوحيدة، لزوجها المتوفي بل ان المشاعر التي تزلزل اعصابها تفوق مشاعر الاحوال العادية، همس احدهم للآخر ـ وهو يضغط على يده، حتى لا يذيع سرا ـ «اشعر بأن قنبلة موقوتة ستنفجر». ـــ كمية هائلة من الفزع تسكن داخل عيني الجمال المحتشم في دوامة من الرعب تدوخها، توشك ان تهوي بها الى الارض تحت اقدام المدعوين.. لم يكن سبب هذا الرعب انها اخطأت مع رجل آخر، أو فقدت عذريتها، وان زوجها قد يكتشف هذا بعد قليل، فهي من اشرف بنات الارض، حتى ابن الجيران في مرحلة التعليم الثانوي عندما توهما انهما سقطا معا في الحب الأول لم تمنحه قبلة واحدة، بل لم تسمح له بلمس يدها بشكل متعمد، وخلال شهور اقنعتها امها ـ عندما صارحتها بذلك ـ بأن تنهي هذه العلاقة لعدم جدواها، وانهتها بالفعل في حينها دون ادنى خسائر، لكن الذي يوشك ان يوقف دقات قلبها هو مدى تقبل زوجها الملياردير لشكلها الحقيقي، وليس التلفزيوني، ندت عنها تنهيدة مرة فاضت بها شفتاها هامسة لنفسها: «من قال ان هذه الليلة هي ليلة الزفاف؟، كان من الأوفق تسميتها ليلة المواجهة الصادقة، او ليلة الحقيقة العارية!! هل سيتقبل الملياردير الطيب رأسي الأصلع؟!! هل سيتقبل صدري بنهده الوحيد بعد ان استؤصل الآخر؟ هل سيتقبل رموش عيني الصناعية؟!». والحقيقة لم تكن المذيعة صفاء نصر هكذا منذ ان تم تعيينها في التلفزيون كمذيعة، بعد اجتيازها اختبارات تفوقت فيها على خمسة آلاف من الذين تقدموا للمسابقة، كانت تفيض بالصحة والحيوية والذكاء واللباقة، والأناقة، وكانت تتعمد ايضاً ابراز مفاتنها الانثوية من جمال العينين، وسواد الشعر ونعومته، وفتوة الصدر، لدرجة انها تلقت قصيدة ذات مرة من احد المعجبين ـ عندما ظهرت لأول مرة على شاشة التلفزيون ـ وصلت الى نحو خمسين بيتا، دارت كلها حول جمال صدرها، وبعد مرور عام تقريباً على عملها، شعرت بآلام في نهدها الأيمن، وعندما تحسسته فوجئت بورم أزعجها، اسرعت الى امها، التي تصرفت بذكاء، في اول اجازة سنوية لابنتها اصطحبتها الى دولة اوروبية، وهناك تم التشخيص المتوقع، سرطان في الثدي الأيمن، وتم العلاج بالاستئصال، وكذلك العلاج الكيماوي من قبيل الاحتياط، ولكن هذا العلاج الاخير ادى الى تساقط شعرها الاسود الجميل، وكذلك رموش عينيها، حتى انها فزعت من منظرها، وامتلأت رعبا بعد تأكدها من ضياع مستقبلها الذي عاشت من اجله هي وأمها، وحلم المرحوم ابيها قبل ان يتوفى ويتركهما مع ثروة لا بأس بها، نقلت الأم بوجل هذه المشاعر التي فتكت بهما لمدير المستشفى، بعد ان شددت عليه حجب شخصية ابنتها عن الجميع، فالجميع يعرف انها وامها سافرتا الى بعض البلاد الاوروبية للسياحة، تعاطف الطبيب مع ظروفهما، وطمأنها بأن كل شيء سيعود كما كان، ولن يتمكن اي مخلوق مهما كانت دقة ملاحظته ان يكتشف اي تغير في حالة الصدر، بعد ان تقوم احدى الشركات المتخصصة في الاجزاء التعويضية من اخذ مقاس وشكل ثديها الأيمن، كما ان الشركة المتخصصة في صناعة (الباروكة) الثابتة من الشعر الطبيعي نفسه، والرموش الصناعية، كل ذلك يجعلها تعود كما كانت. عادت صفاء من رحلتها السياحية في دول اوروبا مع امها كما كانت، لم يلحظ أقرب الناس إليها اي تغيير في مظهرها، لم يلفت نظرهم غير زيادة حرصها على الاحتشام، وعندما كانوا يسألونها عن السبب، كانت ترد عليهم باعتزاز: «انا مذيعة ولست ممثلة»، وركزت على تقوية القدرة على الإلقاء والضبط، بالاضافة لمعرفتها لثلاث لغات اجنبية، حتى أقنعت المسئولين بقدرتها على ان تكون قارئة لنشرة الاخبار، ومقدمة للبرامج الجادة، مثل البرنامج الاقتصادي الذي تقدمه منذ سنوات، وهي بذلك قد رفعت عن نفسها الحرج اذا ما وضعت في برنامج ترفيهي قد يستلزم معه الخروج الى الاماكن المفتوحة، وما يتبعه من ضرورة ارتداء ملابس مفتوحة، لا يتلاءم ووضعها الجسدي الجديد، الذي اقنعها الطبيب النفسي الذي حضرت له العديد من الجلسات، حتى يعيد لها توافقها وصحتها النفسية بعد تلك التغيرات الجسدية التي اصابتها واوشكت ان تؤدي بها الى حالة الاكتئاب، واليأس وكراهية الحياة، أقنعها بضرورة تقبل حياتنا واجسادنا وظروفنا كما هي، وان الانسان السعيد هو الذي يتلاءم ويتكيف مع كل ما يستجد له في الحياة طالما ان القدر هو الذي حكم به عليه، ولا يملك لها ردا، وتعايشت صفاء مع واقعها الجديد راضية سعيدة، تغمر ابتسامتها الناعمة الهادئة قلوب محبيها، لكن الليلة.. بعد لحظات.. هناك شخص آخر سيواجه بالحقيقة المجردة، هل سيتقبلها ويتكيف مع واقعها الحقيقي كما فعلت هي مع نفسها؟، ام سيفر منها ولا يبيت ليلته معها؟ وتكون الفضيحة.. تكون الاشاعات عن السبب في الطلاق منها خلال ايام من زواجها، لقد وافقت عليه ليس لكثرة ماله، فلقد تقدم إليها من هو اكثر منه مالاً، ولكنها رفضتهم لأنهم كانوا في كامل وسامتهم وشبابهم، فاحتمال فرارهم سيكون كبيراً ومتوقعاً «ولكني عندما وافقت على سامي، فلأنه قد يكون لديه فرصة للتفكير مرتين قبل ان يرفض حقيقتي، ربما عانى هو ايضاً من رفض الناس لقبح منظر وجهه، مثلما سيشعر بمعاناتي حينما يراني عارية امامه بثدي واحد، ورأس بلا شعر، واجفان بلا أهداب» خاصة انها لمست منه الكثير من الطيبة والعقل والرزانة، حتى لو اتخذ قراراً بالرفض للحياة معها ـ بحالتها هذه ـ قد تتمكن من اقناعه بدوام الصداقة، وان يتم الطلاق بلا فرقعات اعلامية، حفاظاً على سمعتهما معاً وان يؤجل الطلاق لمدة طويلة، حتى ولو كان هناك انفصال جسدي بينهما، حاولت ان تنتصر على نفسها في فترة الخطوبة، وتصارحه بظروفها، لكنها لم تجرؤ على المصارحة، مخافة ان يبوح بسرها قبل ان يتم الزواج، والآن وموعد المواجهة يقترب بسرعة، ويقترب معه الفزع الحقيقي، ليس لديها غير الانتظار المرعب. ـــ كمية هائلة من الفزع تسكن داخل عيني الملياردير دوامة من الرعب. تدوخه.. توشك ان تهوي به الى الارض تحت اقدام المدعوين.. لم يكن السبب هو عدم ثقته الكبيرة في قدرته الجنسية، وخاصة في مواجهة امرأة تتفجر جمالاً وحرارة، فهو قد اطمأن الى هذه الناحية اثناء زيارته الاخيرة الى اميركا لدى اهم الاطباء، لكنها المشكلة الكبرى التي تفزعه، والتي تسبب له عقدة نفسية ولا يمكن علاجها او استئصالها. فمنذ ان كان طفلاً صغيراً في قريته البعيدة، حاول ان يفعل كما كان يفعل بقية اقرانه في فصل الصيف، الهروب الى مياه النهر الصغير والسباحة فيه، لكنه ما ان خلع عنه ملابسه، وصار كيوم ولدته امه، والقى بنفسه في حضن الماء سعيداً، حتى هاله صراخ الاولاد من حوله وابتعادهم عنه،و خروجهم من الماء خائفين، وهم يشيرون الى مؤخرته غير مصدقين: «سامي له ذيل!! سامي له ذيل!!» لم يهتم بالامر في بدايته، تحسس مؤخرته فوجد ما كان يعرفه من قبل من طول للفقرات العصعصية خارج مؤخرته بطول عقلتي اصبع، كان يعتقد قبل ان يتعرى امام الاخرين، او يرى عرى الاخرين، ان الامر طبيعي لدى كل الناس، ولكن في تلك اللحظة اخذ يتحسس مؤخرته ويقارن بينها وبين مؤخرة الاطفال الفزعين، بدأ يشعر بأن هناك فرقاً كبيراً بينه وبينهم، من خلال خوفهم ورعبهم ادرك ان هذا الفرق يثير الرعب والاشمزاز لدى الاخرين، وخاصة ان الاولاد يومها لم يتوقفوا عند حد الرعب من منظر ذيله وحسب، بل تجمعوا من حوله ومن خلفه، حتى بعد ان ارتدى ملابسه باكياً وعائداً الى بيته، وراحوا يهتفون في لسان واحد: «ابو ذيل.. ابو ذيل». ضغط الملياردير بقواطعه على شفته السفلي بعفوية، وكأنه يحاول ان يمنع خروج صرخة فزع، متناسياً انه لم يزل يجلس بجوار عروسه الجميلة يتلقى اخلص التهاني، وهمس لنفسه بمرارة: «من قال ان هذه الليلة هي ليلة الزفاف؟!!، كان من الاوفق تسميتها ليلة المواجهة الصادقة، او ليلة الحقيقة العارية!! هل ستتقبل المرأة الجميلة التي يتمناها كل الرجال زوجاً له ذيل؟!!». عندما كان طفلاً تمكن ابوه وامه من حل مشكلته، اصطحباه ورحلا بعيداً عن القرية واطفالها الذين كشفوا سره، وصارت تلك الحادثة درساً له بألا يتعرى مرة اخرى امام مخلوق، ولذا فهو لم يشارك في اي نشاطات رياضية او ترفيهية، مال الى العزلة، وتجنب الصداقات، وتفرغ تماماً الى الاستذكار والتفوق، اختار الهندسة بالرغم من ان مجموع درجاته في الثانوية العامة يدخله كلية الطب، لكنه ادرك ان الوسيلة الوحيدة التي تجبر الناس على احترامه حتى ولو كان قرداً، كما كان يسمع من بعض زملاء الدراسة غير المهذبين، هو المال، الناس لا يحترمون ولا يهابون غير الاغنياء، العمل بالمقاولات هو الحل، وبالرغم من انه بدأ من الصفر الا انه، صار لشركته فروع كثيرة داخل البلاد وخارجها، ولكن فكرة الزواج لم تخطر له على بال، فهو لا يضمن ان المرأة التي سيفكر في الزواج منها قد تتركه هاربة فزعة لرؤية ذيله، فضلاً عن ملامح وجهه التي لم تشجع اية امرأة على الاقتراب منه،حتى بعد ان زادت ثروته!، ولذلك لم يدق قلبه لأي امرأة، الى ان التقى بصفاء نصر منذ شهور، رأى منها ما لم يره من اي امرأة اخرى، النظر الى وجهه.. التأمل فيه دون خوف او اشمئزاز، بل اكثر من هذا، فقد لمح في عينيها الجميلتين مشاعر من التقدير والاحترام، زيادة عن سمعتها الطيبة ورزانتها، وبدأ يشعر بميل كبير اليها، جرفه فيما بعد الى حالة من الحب العاصف، كما لو كان مراهقاً في قمة عنفوانه العاطفي، يتوق لرؤيتها دائماً، او حتى لسماع صوتها، يبكي لسماعه اية اغنية عاطفية تتغنى بالحب والشوق واللوعة، الى ان وجد نفسه بتلقائية غير محسوبة يعرض عليها الزواج، وشعر لحظتها انه يحلم، او كأنه مغيب عن الوعي، ولم يصدق اذنيه وهو يسمع بعدها انها موافقة، وقرر ان يجعلها اسعد نساء الارض، وان يهب لها كل ما يملك، حتى روحه، لن يبخل عليها، في لحظات كثيرة اثناء فترة الخطوبة فكر في ان يصارحها بهذا العيب الخلقي الذي فرضه عليه القدر دونما إرادة منه، وانه عرض نفسه على اطباء كثيرين لاجراء عملية لاستئصال الزائد من هذا العصعص اللعين، لكنهم حذروه بأن هذا قد يؤدي به الى الشلل والعجز التام، ونصحوه بضرورة التكيف مع ما فرضه عليه القدر حتى يحافظ على حياته سعيداً، واكثر ما شجعه على اكمال الزواج منها هو عقلها ورزانتها، بحيث لو رفضت البقاء معه ولم تتقبله، فيمكن تعويضها بما تريد من مال؛ على ان تؤجل مسألة الطلاق امام الناس، حتى ولو كان هناك انفصال جسدي فيما بينهما، وان تظل العلاقة بينهما علاقة صداقة محترمة، والا تبوح بسره لمخلوق حفاظاً على سمعته، والآن.. موعد المواجهة يقترب بسرعة.. يقترب معه الفزع الحقيقي.. ليس لديه غير الانتظار المرعب. ـــ في حجرة نومهما الفخمة، التي انفق عليها الملياردير ببذخ، في (فيلا) اقرب الى القصر الشامخ، وبعد انتهاء حفل الزفاف.. انصرف جميع المدعوين، حتى اهل العروسين، لأول مرة يغلق عليهما معاً باب حجرة، الحجرة غارقة في ظلام كامل.. لم يعرف بالضبط من الذي تعلل بالخجل في التعري للمرة الاولى في مواجهة انسان اخر.. في الحال وافقه الثاني على اطفاء نور الحجرة، كأنه كان يهم بالطلب نفسه لو لم يطلبه الاول، كان كل منهما يستمع الى دقات قلبه تكاد تقتلع كل كيانه، يخاف احدهما ان يبادر الاخر، يشعر به جالساً على الحافة الاخرى من السرير نفسه الذي يجلس عليه مضطرباً فوق الحافة المناظرة.. كل منهما يدرك بالرغم من الصمت السائد ـ ان الاخر قد اكمل التجرد من ملابسه، في حس واحد مشترك رفض اي منهما ان يخدع الاخر اكثر من هذا.. لن يسمح له بالاقتراب منه او ملامسة جسده الا بعد ان يعلم حقيقة الناقص او الزائد من جسده بسبب خارج عن ارادته، وتلكأ الهمس لفترة طويلة، الى ان بادرت صفاء بنطق بعض الحروف بمشقة كبيرة، كأنها تلتقطها من غابات مشتعلة، لكنها في النهاية تمكنت من ان تقول بأسى: «تعلم يا سامي اننا في هذا الكون قد تفرض علينا بعض الامور ليس لنا يد فيها..». توقفت.. يبدو ان شجاعتها قد خانتها، ضاعت منها بقية الكلمات، لكن مجرد نطقها لتلك الكلمات صارت بمثابة طوق النجاة بالنسبة لسامي، فأكمل هامساً بثقة عالية واخلاص: «القدر يفرض ما يشاء.. هذا امر لا يشين الانسان على الاطلاق، مادام هذا الامر ليس في مقدورنا تغييره بطريقة او بأخرى». شجعها رأيه على تذكر كلمات الطبيب النفسي، فأوضحت بهدوء قليل بعد ان بدأت تشعر بأن ثقتها في نفسها اخذت ترجع اليها شيئاً فشيئاً: «الانسان الحقيقي هو من يتقبل الواقع المفروض عليه.. يتكيف معه.. يواجهه.. لا يهرب منه». احس سامي ان صفاء بهذه الكلمات انما تقصد تشجيعه على الافراج عن كلمات يحبسها في صدره منذ فترة طويلة، كان ينبغي عليه ان يصارحها بها منذ ان عزم على الزواج منها، شك ان تكون صفاء قد عرفت ما يخفيه عن كل الناس من طول الفقرات العصعصية عنده، فمهد هامساً بصوت تسمعه هي وحدها: «كل انسان يتمنى ان يمنحه الله جسداً جميلاً مبرأ من كل عيب، ولكن أحياناً تمنح السماء بعض الناس زيادة في جزء معين من اجسامهم، ويعجز حتى الطب الحديث عن التعامل معها ولو بالبتر..». ارتعش قلب صفاء وهي تستمع إلى كلمة البتر، خمنت أن يكون سامي قد عرف بما أخفته عن الجميع، وأنه بهذا يشجعها على الاستطراد في الحديث، حتى تزيح عن صدرها هذا الهم والرعب، لكي تبدأ معه حياة جديدة شفافة، لذلك أكملت كلامه، ولكأنهما ممثلان يتبادلان حوارا في مسرحية أعد لهما سلفا: «وفي احيان كثيرة يكون الجسم جميلا مكتملا، لكن لظروف مرضية مستعصية، وفي مواجهة الابقاء على بقية الجسد حيا، يضطر الطب الى استئصال جزء من هذا الجسد». بعد توقف للحظات اوشكت ان تنهار ويغمى عليها.. لكنها قررت بحزم ان تكمل.. أن تقول كل شيء.. لقد وصلت حيث لا عودة.. لا مهرب، فهمست بصوت اقرب إلى الأنين والشكوى: «وهذا هو الذي أصابني منذ سنوات، اضطررت معه إلى». لم تتمكن من إكمال كلماتها.. انفجرت في بكاء مختزن منذ سنوات بعيدة.. فاحت منه رائحة المرارة والقهر، وغمرت كل جنبات الحجرة، وبكلمات متقطعة تماما أرادت أن تستريح بنطقها: «كان لابد ان يستأصل الاطباء ثديي الأيمن، نتيجة للسرطان الذي أصابه، حتى لا ينتشر في كل انحاء جسدي، وترتب معه وبسبب العلاج الكيماوي تساقط شعر رأسي ورموش عيني.. والآن لك الخيار يا سامي، أن تستمر معي، أو تتركني.. ولكن لي رجاء أيا كانت اجابتك. أن يظل هذا الأمر سرا لا يعلم به أحد غيرك.. فأنا احب عملي في التلفزيون والمشاهدين، ولو فصلت منه سأموت». لم تكن هذه الكلمات قد اراحت صفاء فقط بمجرد نطقها، بل في الحقيقة لقد اراحت الملياردير أكثر من راحة صفاء بآلاف المرات، شعر أن الله وحده هو الذي وفقه الى الزواج من هذه المرأة وحدها دون غيرها، تأكد أنه من خلال هذه المرأة التي تشاركه المعاناة في صمت وبعيدا عن الجميع، ستكون بالنسبة له منفذه الوحيد للسعادة في هذه الدنيا التي لم ير منها حتى الآن غير الخوف والقلق والتوتر من مستقبل غامض مخيف، كان يتغلب على مواجهته بالعمل الدائم والنجاح في المشاريع وجمع المال الكثير، لم يتمالك نفسه أمام هذا الاحساس الجارف بالسعادة، لم ينطق بكلمة واحدة.. تحرك ناحيتها مصمما على تقبيلها في مكان صدرها المبتور، حتى يؤكد لها بالفعل لا بالكلمات انه لن يتخلى عنها أبدا، وأن هذا النهد المبتور سيكون عنده أجمل ملايين المرات من أفخم نهود نساء العالم كله، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، فقد ادرك أنه ليس من الشهامة والرجولة ان يستغل حالتها النفسية تلك لكي يقترب من جسدها، حتى ولو كان مخلصا فيما فعل، بل يجب عليه أن يكون شجاعا مثلها، ويصارحها كما صارحته، وفي هذه الاثناء من الصمت كادت صفاء تحترق وهي تتوق لكلمات الفصل في علاقتها بهذا الرجل الذي كشفت له عن سرها، لم يجبها بكلمة، تدثر بالصمت كأنه صدم، قبل أن تسارع وتخبره بأنها قبلت انفصاله عنها بشجاعة وسبقها ناطقاً بإخلاص بعد أن ضغط بقواطعه على شفته السفلى: «أنت إنسانة عظيمة يا صفاء وشجاعة، وزادت محبتي، بل واذاولعي بك، ورذا كان القدر قد انقص من جسدك، فإن القدر نفسه قد واذا في جسدي، فمنذ أن اكتشفت منذ طفولتي ان فقراتي العصعصية قد طال الله لي فيها زيادة عن الآخرين، وأنا اشعر بالحزن، ولكن كما قلنا منذ قليل، الإنسان الحقيقي هو الذي يتكيف مع واقعه.. يواجه الحياة كما هي.. لا يهرب منها كأي جبان لا يستحق الحياة، وهكذا صرت كما أنا، والسؤال نفسه أعرضه عليك، هل تقبلينني زوجا لك رغم هذا العيب الجسدي؟، وفي حالة رفضك لي رجاء وحيد، ان تحفظي سري، وأن يكون الانفصال بهدوء، وفي كل الاحوال فإن سرك هذا لن يعرف به أي مخلوق، وهذا وعد من رجل شريف، أما لو قبلتني زوجا، فتأكدي بأنني سأجعل منك اسعد زوجة فوق هذا الكوكب». لم تجبه صفاء.. نهضت في الحال.. أشعلت اضواء الحجرة كلها.. نظر كل منهما إلى الآخر بافتتان المراهقين.. تقدما باتجاه بعضهما بلهفة.. بتلقائية احتضن كل منهما الآخر.. همسا معا في أصدق لحظات عمرهما: «من الآن لن نطفيء أضواء حجرة نومنا أبدا يا يا أجمل واحب الناس». ـ قاص وروائي مصري مقيم في الإمارات