الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 ابناء الامارات نالوا مكاسب عديدة جراء اغترابهم في الدول المجاورة التي شهدت طفرة اقتصادية مبكرة جلبت لهم الكثير من الرفاهية ورغد العيش ، فمن بين تلك المكاسب التي عاد بها ابناء الإمارات من الاغتراب تفتح مداركهم على حياة طابعها التحضر والتطور وتعلم مهن عديدة مهمة هذا الى جانب الأموال التي حصلوا عليها من قيامهم بأعمال في دول المهجر. ومن المؤكد ان الامارات ما بعد ظهور النفط قد وجدت رصيداً من ابنائها اصحاب الخبرة المهنية استفادت منهم في اداء دور فاعل وبناء في المجتمع الجديد. ميكانيكي سيارات والوالد احمد سعيد عبدالله هو احد ابناء الامارات الذين عادوا وهم يتأبطون خبرات مهنية كان المجتمع في حاجة إليها. وهو يقول: عندما وصلت إلى دولة قطر اتيحت لي الفرصة لاعمل في كراج تابع لشركة العطية الذائعة الصيت والتي لا مثيل لها وقتذاك فتعلمت ميكانيكا السيارات. تربى احمد سعيد عبدالله الذي يناهز السبعين من العمر في حي المعيريض الذي وصفه بانه كان عبارة عن فريج صغير تحيط به المياه من كل جانب وتتكون منازله من سعف النخيل والجص. وعن حياة اهالي المعيريض قبل النفط اوضح احمد سعيد بان البحر هو الجهة التي كان يحلو للناس جميعاً واعني بذلك الرجال التوجه إليها بحثاً عن لقمة العيش. ويمكن القول هنا ان الرجال منهم من يفضل قضاء جل وقته يمخر عباب البحر ذاهباً في رحلة صيد اسماك أو الغوص بحثاً عن اللؤلؤ أو السفر في رحلات تجارية بعيدة. وبمعنى آخر فإن امثال هؤلاء الرجال لا تطأ أقدامهم اليابسة إلا في أوقات متباعدة ربما تمتد لبضعة أشهر. ولكن احمد سعيد لم يكن أحد أولئك الذين اتخذوا من البحر مساحة لقضاء جل أوقاتهم فكما قال في هذا الخصوص: لم أذهب إلى الغوص ولم أسافر في رحلات تجارية بعيدة إلا عندما كنت في قطر حيث سافرت إلى البصرة على ظهر مركب خشبي كان يقوم بترحيل التمور والمواد الغذائية. قليل من الأسماك وقبل مغادرته الديرة اشترك احمد سعيد عبدالله في مهام بحرية لصيد الأسماك مشيراً إلى أنه كان يستخدم الجالبوت وهو مركب خشبي صغير يتحرك بواسطة المجاديف والشراع في رحلات صيد الاسماك التي كانت تجرى على مقربة من شواطيء المعيريض. وقال كانت عملية الصيد تقوم على استخدام الشباك المصنوعة من الخيط ونتيجة لعدم توفر وسائل الصيد الحديثة كالتي نراها اليوم فقد كان الصيادون يأتون بانتاج قليل ومع ذلك فانهم كانوا يوزعون جزءاً منه ان لم يكن كله على اهالي الحي وبخاصة غير المستطيعين لمزاولة مهنة الصيد سواء لأسباب مرضية أو تقدم العمر. واضاف: تلك هي واحدة من صور التكافل الاجتماعي التي كانت سائدة وقتذاك في المجتمع فالناس يساعدون بعضهم بعضا في نكران ذات ولا توجد حدود معينة لظاهرة التكافل التي يمارسونها بروح مسئولة وتشمل كل ضروب الحياة، وكمثال على ذلك فانه إذا رغب احد افراد المجتمع في بناء مسكن له فان الأمر لا يحتاج لاكثر من الابلاغ عن ذلك. فعند البدء في التنفيذ يشمر أهل الفريج عن سواعدهم للمشاركة في البناء فمنهم من يأتي بالمواد وأخرون منهم يتولون مهمة التنفيذ وغيرهم يأتون بالأكل والقهوة لموقع العمل. اضافة الى ذلك فان مجالات التكافل واسعة وهي تشمل الافراح والاحزان. كما تمارس النساء الشيء ذاته فيما تخصهن من الامور. ويقول احمد سعيد ايضاً من سمات مجتمع ما قبل النفط اعطاء كبار السن رجالاً او نساء وضعاً متميزاً يشعرهم بأهميتهم في المجتمع فيأخذ الناس بآرائهم في كل الامور الحياتية وليس بالضرورة ان يكون ذلك الشخص كبير السن احد افراد الاسرة حتى يأخذ برأيه بل يكفي انه من اهل «الفريج». ونتيجة لاحترام كبار السن وجعلهم في مقدمة المجتمع واحد مصادر الاستشارة المهمة فقد بدأ المجتمع متماسكاً وخالياً من المشاكل. وكما هي حال الكثيرين فقد اعرب احمد سعيد عبدالله عن استيائه من الاهمال الذي يتعرض له كبار السن والذي يبلغ ذروة السوء بارسال بعض الاسر لافرادها كبار السن الى دور العجزة والمسنين. ويتساءل: ما ذنب هؤلاء الكبار حتى تتخلى عنهم اسرهم وتترك امر رعايتهم لغيرهم من الناس: اليسوا وأعني كبار السن سواء رجالاً او نساءً هم انفسهم الذين كابدوا مشقة الحياة في سبيل تربية ابنائهم وبناتهم، واذا كان الابناء الذين نسوا افضال آبائهم عليهم وآثروا التخلص منهم بارسالهم الى دور 200 أذكرهم العجزة فإنني اؤكدهم بأن ما يفعلونه مع ابائهم او امهاتهم سينالونه هم ايضاً يوماً ما. مدرسة الحياة وتطرق احمد سعيد عبدالله لدور الاطفال في المجتمع القديم موضحاً ان التعليم لم يكن شيئاً مهماً كما هو الحال اليوم ففي احسن الاحوال كان الاباء يرسلون ابناءهم الى المطاوعة ليحفظوا على اياديهم القرآن الكريم وتعلم الشرع الاسلامي والسنة النبوية. وهو يقول: لكن الاباء وقتذاك كانوا يركزون جل حرصهم على تأهيل ابنائهم مهنياً ولذلك فهم يصطحبونهم في رحلات صيد الاسماك والى المزارع حيث يطلبون من ابنائهم القيام بأعمال تناسب اعمارهم وقواهم البدنية. ويثني احمد سعيد على ابناء ما قبل النفط الذين وصفهم بأنهم كانوا على خلق وطاعة عمياء لمن هم اكبر منهم سناً. ويقول: كنا ننظر الى من هم اكبرنا سناً بأنهم بمثابة اولياء امورنا ولذلك لم نعص لهم امراً وإذا اقتضى الامر تنفيذ العقاب البدني فلا احد يمنع ذلك لأن الجميع يشعرون بالمسئولية ولايفرقون بين ابنائهم وابناء غيرهم فالكل في نظرهم سواسية. وخلافاً للمبادئ التي كان يقوم عليها المجتمع في الماضي فإن ابن اليوم كما يقول احمد سعيد لا يقبل بالنصح حتى وان كان صادراً عن ابيه او اقرب الناس اليه. ويضيف: لهذا السبب فإن المجتمع يعاني من خلل واضح في تماسكه ويكفي ان الجار لا يعرف شيئاً عن حال جاره وربما لا يراه حتى في مناسبات الاعياد التي يأمرنا ديننا بالتواصل فيها وفي غيرها. ويرى احمد سعيد عبدالله ان انشغال الناس بالدنيا هو الذي جعلهم بمنأى عن بعضهم البعض مبيناً ان اجهزة الاتصالات العصرية المتطورة لم تفلح في خلق روابط اجتماعية قوية لأن الناس لم يستفيدوا منها في تحقيق هذا الغرض السامي بل توجهوا بها الى غير ذلك خاصة جيل الشباب. الاسرة الكادحة ويطرق أحمد سعيد عبدالله هنيهة ليسرح بذاكرته مع سنوات الماضي البعيد وفترة الشباب متذكراً تلك الحياة البدائية الخالية من الهموم والامراض المزعجة. وهو يقول لا يوجد وجه شبه كبير بين ما كان يجري في الماضي البعيد وبين ما نراه اليوم. ففي فترة ما قبل الطفرة الاقتصادية التي انعم بها الله على هذه البلاد كانت الاسرة بكل افرادها من اب وام واطفال يكدون اليوم كله فلا يتوقفون الا مع مغيب الشمس حيث يأوون إلى مراقدهم واجسامهم مشبعة بالارهاق. ويضيف: بالرغم من قساوة الحياة واعتمادها على سواعد الانسان فقد كانت المنطقة خالية من الامراض الخطرة التي تشاهدها في زماننا هذا. ففي نظري ان لجوء بني البشر اليوم لحياة خالية من الجهد البدني اذ تعتمد تحركاتهم حتى القريبة منها على السيارة هي التي جلبت لهم تلك الامراض التي لا شفاء منها. وكغيره من الرجال الذين عاشوا سنوات الماضي البعيد يشيد احمد سعيد بالمرأة مشيراً إلى انها كانت شريكة حياة بكل ما تعني هذه الكلمة. وهو يقول: المرأة في الماضي تحملت عبء الحياة كاملاً ولم تقف امام زوجها مطالبة بشيء وانما كانت تقف امامه لتودعه وتدعو له بالسلامة ان هو كان مسافراً في رحلة صيد او غوص او غير ذلك. ويضيف: في غياب الزوج تشمر المرأة عن سواعدها وتتحمل مسئولية الاسرة دونما تفريط فهي تعمل في المزرعة وتحصد الحب وتسقي الزرع والحيوانات. وفي جانب آخر تولي منزلها جل الاهتمام تراقب الاطفال وتطحن الحب على الرحى لتطعم الاسرة ومع بزوغ الفجر تكون المرأة هي اول من ينهض من الفراش لتجهز متطلبات اليوم الجديد. ويرى احمد سعيد عبدالله ان المرأة اليوم لا يمكن ان يطلق عليها شريكة للحياة. وهو يقول: كيف نسميها شريكة الحياة بينما غائبة عن الحياة الاسرية بعد ان اسندت امرها للخادمة الآسيوية لتتولى تربية الاطفال واطعام الزوج والتصرف كيفما تشاء في شئون البيت بينما الزوجة جالسة متفرغة لأمور اخرى مثل مشاهدة المسلسلات التلفزيونية والمكياج والمشاركة في المناسبات والسوالف. وينصح احمد سعيد شريكة الحياة الغائبة من الامهات المواطنات بالعودة إلى مكانهن الطبيعي في اسرهن حتى يكنّ شريكات فعليات في حياة ازواجهن. ويقول في هذا الخصوص: بصراحة اذا استمرت زوجة اليوم بمنأى عن هموم بيتها فإنها مما لاشك فيه ستخسر حياتها الزوجية. ويضيف: ولكن الاخطر في ذلك هو ان المجتمع نفسه سيخسر حين يكون الشباب رجال المستقبل هم من تربوا على ايادي خدم بينما يقف الانسان موجها لها فقط. المنازل. انجازات الدولة وكما هي حال الآباء كبار السن فإن احمد سعيد يمتدح الانجازات الهائلة التي حققتها المسيرة الاتحادية المباركة في ظل قيادتها الرشيدة المخلصة لله والوطن. ويقول: في احايين كثيرة احاول المقارنة بين الحياة التي عشناها في الماضي وما نحن فيه اليوم وبالطبع فإن النتيجة تكون مختلفة تماماً وليس ثمة وجه شبه بين ما كان قائماً في الماضي وبين ما هو الآن فكما ذكرت آنفاً فإن حياة الماضي هي بدائية وتعتمد على ذراعي الانسان. اما اليوم فإن الآلة هي المسيطرة على دفة الحياة بينما يقف الانسان موجهاً لها فقط. اضف الى ذلك ما نراه من تطور مذهل غطى كل ضروب الحياة ولعل اهم ذلك مرافق التعليم المتنوعة والمنتشرة في كل مكان ومرافق الخدمات الصحية وايضاً الاتصالات والطرق والمساكن والمزارع وادوات الصيد المتطورة. ويتذكر احمد سعيد عبدالله كيف كان اهل الديرة يتكبدون مشاق السفر على ظهور الجمال والحمير او مشياً على الاقدام او المراكب الخشبية. ويقول قبل الطرق المرصوفة والسيارات كان يتعين على من يرغب في الانتقال من مسافة لاخرى ان يسلك طريقاً مجاوراً لشاطئ البحر وذلك منعاً للعطش وتجنباً لحرارة الطقس واما من يقصد المناطق الجبلية والصحراوية فلا مفر من ركوبه الجمال او الحمير. ولكن احمد سعيد عندما سافر الى قطر ركب شاحوفاً من شواطئ المعيريض نقله الى دبي وهو يقول هذه الرحلة التي تقطعها اليوم السيارة في اقل من ساعة كانت تستغرق بالشاحوف يومين تقريباً ومن دبي فقد كان السفر الى قطر على ظهر مركب خشبي ضخم يستغرق بضعة أيام. ويوضح احمد سعيد ان المراكب الخشبية لعبت يومذاك دوراً مهماً في ربط منطقة الخليج مع بعضها البعض فهي كانت تقوم بحركة نشطة لا تنقطع لنقل الناس او البضائع. ويقول كانت تلك المراكب الخشبية التي تتحرك اعتماداً على الشراع والمجاديف تسافر الى الهند وباكستان والسواحل الافريقية واليمن والعراق. ابناء الامارات نالوا مكاسب عديدة جراء اغترابهم في الدول المجاورة التي شهدت طفرة اقتصادية مبكرة جلبت لهم الكثير من الرفاهية ورغد العيش. فمن بين تلك المكاسب التي عاد بها ابناء الامارات من الاغتراب تفتح مداركهم على حياة طابعها التحضر والتطور وتعلم مهن عديدة مهمة هذا الى جانب الاموال التي حصلوا عليها من قيامهم بأعمال في دول المهجر. ومن المؤكد فإن الامارات ما بعد ظهور النفط قد وجدت رصيداً من ابنائها اصحاب الخبرة المهنية استفادت منهم في اداء دور فاعل وبناء في المجتمع الجديد