الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 لا تزال القبائل الزنجية التي تسكن منطقة جبال النوبة في الجزء الغربي من السودان تمارس عاداتها وتقاليدها وكأنها ترفض ان تعيش العصر بكل ايقاعاته المتلاحقة ومستجداته التي تكاد لا تتوقف لحظة. ويعود اصل هذه القبائل الى مملكة كوش التي بسطت نفوذها على مناطق شاسعة في شمال السودان خلال القرن الثامن، وهي في واقع الامر خليط من عشرات القبائل التي لها ثقافاتها ولهجاتها الخاصة. وظلت هذه القبائل تسكن معظم ما يعرف الآن بولاية كردفان، ولكن ونتيجة للهجمات المتتالية من مختلف القبائل العربية التي غزت السودان منذ بداية القرن السادس عشر لم تجد مفراً من التراجع والاحتماء بالجبال التي تقع جنوب الولاية والتي اتخذت منها وطنا لها واصبحت تعرف باسم «جبال النوبة» خلال فترة الاستعمار الانجليزي، كما تعرف ايضاً بمنطقة الجبال التسعة والتسعين. وتتميز ثقافة وتقاليد سكان هذه الجبال بالتنوع والثراء، ويمكن الوقوف على هذا من خلال العبارات التالية التي تصف التنوع اللغوي والتي دونها سيجفيرد ناديل العام 1947 حيث قال «يقال إن اللهجات التي يتحدثها سكان هذه الجبال تتساوى في عددها مع الجبال التي يسكنونها»، إلا أن رولاند سيتيفنسون، الباحث الأكثر شهرة في لغات هذه المنطقة توصل في بحث شيق أجراه على مدى عدة سنوات ان هذه اللهجات قد لا تتجاوز الخمسين فقط، ومع هذا فان هذا التنوع اللغوي يتجاوز بكثير ذلك التنوع الذي يعيشه السودان بأكمله وكل افريقيا جنوب خط الاستواء. وتعكس العناصر المشتركة المكونة لثقافة النوبة الأسلوب الذي تكيفت فيه مجموعات متنوعة ارضت ان تعيش في ظروف متشابهة، وتشكل الزراعة أحد أهم هذه العناصر حيث نجد السكان يستغلون كل المساحات التي يمكن زراعتها سواء كانت في قمم الجبال او سفوحها او السهول، هذا اضافة إلى بعض العناصر المشتركة الأخرى مثل المصارعة ورقصة الكمبلا، والمصارعة بالعصى والعادات والتقاليد الخاصة بالزواج والانجاب. ويمثل الكجور الشخصية المحورية التي تدين لها قبائل النوبة بالولاء، وهو في اعتقادهم القوة التي تتحكم في هطول المطر وقد يعلو نفوذه على نفوذ زعيم القبيلة الذي يعتبر القائد والمخطط السياسي، ويمكن أن يكون هذا الكجور رجلاً أو امرأة، وهو الروح أو الشخصية المقدسة التي يمكن أن تجلب الرخاء وتزيل البلاء. ولكل قبيلة من هذه القبائل مجلس الكجور الخاص بها والذي يقوم باختيار تابواكي أي الكجور الأعظم والذي يقوم بدوره بتسمية مساعديه ويحدد مسئولياته وصلاحياته، ويدعو أفراد القبيلة لاحتفالات طقوس صلاة المطر ومهرجانات الحصاد، وهنا يقف الكجور الأعظم فوق تلة مرتفعة خلال الساعات الأولى من الصباح ويدعو افراد القبيلة للاستعداد لموسم الأمطار ويحدد أنواع المحاصيل التي يتعين زراعتها ثم يشجع الرجال على نحو خاص باعداد مزارعهم ويهدد أولئك الذين يعجزون عن ذلك بفرض عقوبات عليهم، هذا بالاضافة الى مسئولياته في تصدر حملات النفير، أي العمل الجماعي للقيام بمهمة محدودة مثل تشييد كوخ او تنظيف مزرعة. ويقوم الكجور الاعظم خلال مواسم الحصاد بدعوة أفراد القبيلة نساء ورجالاً لأداء رقصة الكمبلا التي تشتهر بها المنطقة وترمز للشجاعة والقوة والحب، وبالرغم من عدم تحديد تعريف محدد وواضح لكلمة كمبلا إلا أنها تتصل ببلوغ الصبيان مرحلة النضج والرشد، وهي رقصة صاخبة تدق فيها الطبول بعنف وترتج خلالها الأرض من وقع أرجل الراقصين والراقصات وتسيل خلالها الدماء من ظهور الصبيان الذين يتم جلدهم بالسياط الغليظة ومن ثم تقوم صديقاتهم بالعناية بهم ومداواة جراحهم. ومن الاحتفالات الطقوسية الاخرى التي يكن لها النوبة احتراماً خاصاً احتفال «السبر» وهو سلسلة متواصلة من الاحتفالات التي تقام سنوياً للإعلان عن بداية مواسم جديدة للنشاطات الإنسانية والتي يوجد ما يزيد على عشرين منها مثل سبر النار، سبر الحضارة، سبر المصارعة، سبر الصيد وسبرسوا يابا وهو المستودع الذي يحتفظ فيه سكان القبيلة بالحبوب مثل الذرة والدخن. ويولي النوبة سبر النار عناية خاصة وعادة ما يقام بعد مواسم الحصاد وتحديداً في شهر نوفمبر من كل عام. ويمنع الكجور الأعظم الرعاة أخذ قطعان الأبقار للرعي إلا بعد إنتهاء الاحتفالات وبعد ان يباركها بنثر بعض الماء عليها، ويدعو الكجور الأعظم افراد القبيلة من النساء والرجال للاحتفال الذي أعده لهم. وعندما يصل هؤلاء إلى كوخ الكجور الذي يكون عادة في مكان مرتفع في طرف القرية يجدونه قد اعد لهم الطعام والشراب وعدداً كبيراً من الأبقار لذبحها للضيوف. بعدها يؤدي الكجور رقصات ويصدر همهمات وعبارات لا معنى لها ويوقد ناراً ضخمة معلناً بداية الاحتفالات حيث ينزل افراد القبيلة من قمم الجبال وهم يحملون حشائش خضراء يلقونها على النار ويضربون بها من يختارونه من افراد القبيلة اعتقاداً منهم أن هذه الطقوس تطرد الارواح الشريرة من ارواحهم، وان نجح أحد الشبان في ضرب الفتاة التي يحلم بالزواج منها بالحشائش الخضراء التي يحملها تكون من نصيبه، وكذلك الأمر بالنسبة للفتيات ويحق للسكان العاديين ضرب زعماء القبيلة خلال هذه الاحتفالات التي تشهد مطاردات واطلاق صيحات الحرب التي تردد الجبال صداها ويتحول المكان إلي ساحة يختلط فيها الضحك بالبكاء. تلك بعض عادات وتقاليد قبائل جبال النوبة في غرب السودان والتي تفاخر بأن أصولها تعود إلى مملكة كوش النوبية في شمال السودان والذين تترد كلمة كوش في اشعار اجدادهم ويرجع صداها في اشعار الشعراء الشباب من هذا الجيل. مأمون الباقر