الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 عالم يفتح شهية العلماء على المجهول كان التمساح الضخم يرقد في الرمل تحت اشجار البلوط. فقبل ايام قلائل تم سحبه من بحيرة مظلمة في وسط فلوريدا. وعلى الفور، اطلق الباحثون عليه اسم «السيد الكبير». وهو اسم على مسمى حقاً، فقد كان بحجم الاريكة وبفكين سميكين يشبهان زوجاً من الوسائد. ولابد ان طوله كان يبلغ ثلاثة عشر قدماً ونصف القدم لو ان خصماً له لم يقضم القدم الاخير من ذيله. اربعة اشخاص جلسوا على ظهره. فالتماسيح المثارة تفعل اكثر من مجرد التخبّط، فبمقدورها ان تدور مثل الاطواق المطاطية. ومع ذلك، فإن «السيد الكبير» مغلق الفم بشريط لاصق والمعصوب الصينيين بمنشفة، كان طيّعاً كلياً وخاملاً كقطعة من المتاع. وتصرف كتمساح يتسفع تحت اشعة الشمس، وليس كتمساح وسط تجربة علمية. وقف العالم غريغوري اريكسون على بعد خطوات قليلة حاملاً بيده قضيباً بلاستيكياً وعلى رأسه صفيحة صغيرة مربعة تدعى محوّل القوة. وكان في نية العالم وضع هذا الجهاز في فم الحيوان لقياس قوة عضته. ازال احد الرجال الجالسين على ظهر التمساح المنشفة والشريط اللاصق. ففتح الحيوان عينيه واصدر صوتاً، كان كضجيج المصانع ومنفس انبوب البخار. وفتح فمه ببطء مثل الجسر المتحرك. كانت الفتحة في فم التمساح كافية لاستيعاب كلب من فصيلة البودل. وادخل اريكسون محول القوة الى اكبر سن في مؤخرة الفك العلوي الايمن واطبق الفكان عليه بقوة. صاح اريكسون بعدها، قائلاً: «مشكلة، لدينا مشكلة!» بينما كان التمساح القابض على القضيب البلاستيكي بقوة قد بدأ يزحف باتجاهه. ثم هدأ الحيوان، واستطاع اريكسون ان يقرأ بعض الارقام من جهاز قياس خاص. وقال بصوت عال: «اثنان وست وتسعون في المئة.. هذا رقم كبير». لقد اطبق فكا المخلوق الضخم بقوة تعادل وزن 3000 رطل. الشيء الغريب بخصوص هذه التجربة الصغيرة هو انها كانت تستهدف الديناصورات في الاصل. وفي الحقيقة ان اريكسون هو عالم احياء المستحاثات في جامعة ولاية فلوريدا، وهو خبير في سلوك الاكل لدى التيرانوصورات (ديناصورات ضخمة آكلة للحوم)، بما في ذلك اثار العض التي تتركها انيابها على العظام، ودفعه ذلك البحث الى اكتشاف المزيد عن العض بشكل عام، وهذا هو سبب تجاربه التي اجراها على التماسيح. وبعد اجراء العديد من القياسات على التماسيح، قال اريكسون ان الامر لا يشبه الحفر من اجل استخراج عظام الديناصورات. صحيح ان الحفر بحثاً عن العظام لايزال عملاً ضرورياً، ولكن عدداً متزايداً من علماء مستحاثات الفقاريات اخذوا يمضون الى ما هو ابعد من العظام في بحثهم عن طرق جديدة لدراسة الديناصورات. وبدلاً من قضاء الصيف في موقع مغبّر للعظام، يمكنهم الان ان يمضوا ذلك الوقت في مختبر يحللون تطوّر الديناصورات الطائرة، وهم يستخدمون عظاماً رقمية لهذا الغرض. ويميل علماء المستحاثات هؤلاء لأن يكونوا في الجانب الشبابي والمثالي مصممين على تكثيف الدقة العلمية لمهنتهم. وهدفهم لا ينحصر فقط في البحث عن الديناصورات وانما ايضاً في معرفة كيفية عمل الجهاز الوظيفي والسلوكي لدى تلك المخلوقات المنقرضة. ان هؤلاء العلماء هم مجموعة متنوعة جاءوا بخلفيات مختلفة من العلوم مثل الاحياء التطوري والميكانيكا البيولوجية وعلم النبات والفسيولوجيا. وتشمل ادواتهم اجهزة الكمبيوتر وماسحات «سي. تي. سكان» واشعة اكس والمجهر الالكتروني. ولكن العمل الميداني لايزال يهيمن على البحوث المتعلقة بالديناصورات. وقد اسفر ذلك العمل في السنوات الاخيرة عن اكتشاف ديناصورات مجنحة في الصين وديناصورات واضعة للبيض في بتاغونيا ومجموعة من انواع الديناصورات الجديدة. وفي الميدان، وجد العلماء دليلاً مباشراً على عالم مفقود، تحكمه مخلوقات عملاقة ازدهرت في جميع انحاء العالم قبل ما يتراوح بين 230 الى 65 مليون سنة خلال الدهر الوسيط. والبحث الميداني له سحره الذي لا يمكن للمختبر ان يضاهيه. وهو يعتبر نقطة الانطلاق للعلماء المتميزين الذين يذهبون الى مقابر الديناصورات ومعهم معازقهم وادواتهم وطلاب السنة الاخيرة في الجامعة وطواقم الافلام الوثائقية الشخصية. غير ان التغير الذي طرأ على البحوث العلمية في مجال الديناصورات هو تركيز العلماء على جوانب معينة واجزاء معينة من تلك الحيوانات. فقد ركز بعض العلماء الجدد على شكل الديناصورات وموقع اعضائها المختلفة بينما ركز البعض الاخر على سلوكيات الانواع المختلفة من تلك الحيوانات، وخرجوا بنظريات مختلفة حول تلك الامور. وفي حين قد يكون بالامكان اثبات شكل الديناصور من خلال المستحاثات الباقية من العظام، فإن من الصعب على العلماء معرفة السلوكيات من خلال المستحادثات فقط. قد يقدّم العلم بعض الاجابات عن الاسئلة التي تجول بخاطر الناس عن الديناصورات. وقد لا يسفر عن شيء سوى العظام التي ينظر المرء إليها لثانية ثم يشيح بوجهه عنها. ومع ذلك يبقى هذا المجال العلمي منيراً، وذلك لأن ما لا نعرفه عن الديناصورات اكثر بكثير مما نعرفه. وبصرف النظر عن طريقة ممارسته ـ سواء بالمجرفة او برامج الكمبيوتر او المستحاثات، فإن ذلك يظل علماً متطوراً لم نتمكن الا من خدش السطح فيه.