الخميس 24 محرم 1424 هـ الموافق 27 مارس 2003 تتميز جزر مايكرونيزيا وفيجي وبولينيزيا بالتنوع البيئي الذي تنفرد به عن باقي أجزاء العالم، وتشكل الجزر هذه أنظمة بيئية فريدة بحد ذاتها لأن الأنواع التي انتهى بها الحال إلى العيش على هذه الجزر إنما وصلت إلى هناك بمحض الصدفة، ولهذا فإن النوع الذي يصل إلى إحدى الجزر سيجد على الأرجح بيئة مختلفة عن البيئة التي غاردها، ومن أجل البقاء، فإن شكل الحياة الذي وصل سيتغير لكي يتلاءم مع الشكل الجديد لبيئته، وبمفهوم معين، فإن كل جزيرة من هذه الجزر التي يزيد عددها على 1400 تعتبر مصنعاً للتطوّر. وفي جزر بالاو على وجه الخصوص، تبلغ هذه الميزة درجة رائعة من التعقيد. تتألف العديد من جزر بالاو من الحجر الجيري القديم المغطى بالثقوب والذي تتخلله الكهوف والانفاق التي حفرتها المياه العذبة المتدفقة خلال العصور الجليدية السابقة. وفي نهاية العصر الجليدي الأخير، أي قبل 10000 عام ذابت ثلوج الأنهار الجليدية وارتفع منسوب البحار وتسرّب الماء عبر شبكة الأنابيب الحجرية الطبيعية هذه لكي يملأ الثقوب، ويكوّن بحيرات جديدة. وكانت تلك الأنابيب كبيرة بدرجة كافية بحيث ان المياه على اليابسة باتت مالحة وتستجيب لمد المحيط وجزره، ولكنها صغيرة بدرجة كافية بحيث ان المياه على اليابسة باتت مالحة وتستجيب لمد المحيط وجزره ولكنها صغيرة بدرجة تكفي لعزل البحيرات عن الأبهة الكاملة لحياة البحر. وتقول لورا مارتن، وهي عالمة أحياء تعمل مع مؤسسة بالاو لبحوث الحيد المرجاني، وتعكف مع زوجها مايك داوسون على دراسة تطور الأنواع المختلفة على الجزر، تقول: «بصورة معينة، تعتبر هذه البحيرات النظير البحري لجزر غلاباغوس، وبسبب عزلتها فإنها يمكن ان ترينا كيف تطورت الاجناس البحرية». يكثر وجود قنديل البحر في البحيرات الداخلية، ومع أنه لم يعتبر حتى الآن نوعاً منفصلاً عن بقية الأنواع من قناديل البحر، إلا انه طوّر خلال آلاف السنين نمط حياة فريد، ففي كل صباح تتجمع قناديل البحر في أحد أطراف البحيرة ثم تهاجر بانسجام عبر المياه، ويقوم كل واحد منها بتعريض حدائق الطحالب التي تنمو على جسمه، وتزوده بالجانب الأكبر من غذائه للشمس، ويسبح معظمها إلى خط الظل الذي تلقيه نباتات المنغروف عند حافة الماء وفي المساء تعود أدراجها إلى وسط البحيرة ثم تهبط إلى المياه العميقة لامتصاص مواد غذائية ضرورية. ولكن ما السبب وراء هذه الطقوس المعقدّة؟ قد يكون الأمر عائداً إلى وجود تجمعات كبيرة من شقائق البحر على طول الخط الساحلي تحت الماء. ومن المعروف أن شقائق البحر تلتهم قنديل البحر، ولهذا فإن من الممكن أن القنديل قد طور هذا النمط من التشبث بخط الظل لتجنب طرف البحيرة القاتل وزيادة تعريض جسمه للشمس. وبمفهوم معين، فإن هذا السلوك الجماعي، الذي لم يلاحظ في أي مكان آخر، يعتبر دليلاً عملياً على التطور، فهنا نوع من الكائنات بدأ ينحرف عن أبناء جنسه متجهاً نحو شيء جديد كلياً على وجه الأرض. ومن الكائنات الحية الفريدة على الجزر طيور لا تجدها إلا في هذا المكان مثل حمامة (يمامة) الفواكه ذات اللون البرتقالي الزاهي وأقاربها من الفصيلة نفسها. ولابدّ للباحث عن هذه الحمامة ان يقطع 3500 ميل إلى الجنوب الشرقي من بالاو وصولاً إلى حوض «سوفي»، الذي يعتبر آخر غابات السهوب على جزيرة يفتي ليفو» الفيجية، ويعيش على الجزيرة مجموعة من القرويين من سكان البلاد الأصليين، وهم أناس ما زالوا مرتبطين بالتقاليد الفيجية القديمة، فجميعهم يعرفون كيف يستخدمون نباتات الغابة في علاج الجروح والديزنطاريا أو عمل لعنة أو إبطالها. وإذا خرج أحدهم لصيد الخنازير البرية ولم يحالفه الحظ في البداية، فإنه يصنع طوقاً من النباتات المعترشة، وإذا ما استطاع هو وكلابه العبور من الطوق، فإن الروح الشريرة المسئولة عن الحظ العاثر لا تستطيع اللحاق به. وفي الوقت الذي يتعاون زعماؤهم مع نشطاء الحفاظ على البيئة وحمايتها من الزحف البشري، فإن الرجال البسطاء لا يزال لديهم شعور غريزي بأن البشر ما هو إلا وجود ضئيل في عظمة الأرض وان أفعال الفرد ليس لها قوة كافية لتدمير ثروة أو جمال الأرض. وربما كان هذا الشعور له ما يدعمه في الواقع عندما كان عدد البشر قليلاً، أما الآن فإن هذا الشعور بعيد كل البعد عن الواقع. ولكن بالنسبة لهؤلاء القرويين الذين يعيشون في هذه الجزر المنعزلة، فإن تأثير الانسان لا يزال محدوداً، وبالتالي فإنهم يقطعون الخيزران لصنع أطواف تستخدم لمرة واحدة لنقل الموز عبر النهر. وإذا ما سألتهم عن المرحاض، فإنهم يجيبونك بأن أنسب مكان هو النهر! تستوطن جزر فيجي ثلاثة أنواع من حمامة الفواكه، ولكن نجمها الأبرز هو الحمامة (اليمامة) البرتقالية. وفي الواقع أنه لا أحد يعلم السبب وراء اللون الزاهي المميز لريش هذا الطائر وما إذا كان اجتماع بعض من طقوس التزاوج أو التمويه قد لعب دوراً في تطورها. وعلى أي حال، فإن الأمر الواضح هو أن تميّز المكان أفرز تميّز الأنواع وأوجد كائناً حياً لا يمكن أن تجده في أي مكان آخر على وجه الأرض. ضرار عمير