الاحد 20 محرم 1424 هـ الموافق 23 مارس 2003 تشكل امراض الكبد تحديا خطيرا امام السلطات الصحية في مصر، وذلك بعد ان تراوحت نسبة المصابين بفيروسات الكبد ما بين 8، 10 ملايين نسمة حسب آخر الاحصاءات الرسمية، واذا كان الكبد بمثابة المصنع الذي يصنع مواد اولية على درجة قصوى، من الاهمية للجسم ويخلصه من السموم فان فقدانه يعني فقدان الجسد كله، وبينما تنتشر فيروسات الكبد الخطيرة بين المصريين مثل فيروس C وفيروس B فان شركات الدواء العالمية تسارع بانتاج ادوية جديدة اصبح بعضها مطروحا في الاسواق الآن في الوقت ذاته يقدم العلماء بشرى سارة لمرضى فيروسات الكبد وبخاصة المصابين بفيروس C وتتمثل في علاجات حاسمة في الطريق تستفيد من الهندسة الوراثية ويعكف العلماء على تجريبها.عن امراض الكبد وبخاصة في مصر يقول الدكتور هشام الخياط استاذ الكبد والامراض الباطنية بمعهد «تيودور بلهاريس»: ان هذه الامراض تاتي من البلهارسيا والفيروسات الكبدية مثل B،C،D التي تسبب الالتهاب الكبدي المزمن وهو يؤدي الى تليف غير متكافئ وامراض كبدية اخرى وهناك الفيروسات E,A التي تسبب التهابات حادة، وهناك مرض تدهن الكبد وهو مرض يصيب مرضى السكر وذوي البدانة ومرضى دهون الدم، وهذا المرض يسبب في مراحله الاولى دهونا بين الخلايا الكبدية ثم التهابات، واذا لم يعالج يسبب تليفا، وهناك امراض اختلال المناعة التي تصيب الكبد في مصر والعالم وهي امراض اذا ما قورنت بالبلهارسيا والفيروسات الكبدية تاتي في المرتبة الاخيرة. ولا ننسى الامراض الطفيلية الكبدية الناتجة على سبيل المثال من طفيل الفاشيولا و الاكياس الكلبية وكذلك تأثير الادوية وبخاصة المسكنات وتأثيرها السلبي على الكبد. ـ د. هشام الخياط: في هذا الاطار لابد ان نعطي صورة لاهمية الكبد واهمية وظائفه التي تنتكس اذا اصابتها الامراض؟ ـ تستطيع ان تشبه الكبد بمصنع كبير يصنع المواد الاولية المهمة للجسم،وعلى رأسها «الالبومين»، ومواد التجلط، وفي نفس الوقت يخلص الجسم من السموم الناتجة عن التمثيل الغذائي او النواتج الثانوية للادوية، فبدون كبد سليم تكون سيولة الدم عالية، والنقص في «الالبومين» يؤدي الى الاستسقاء وتورم القدمين، وهناك ايضا السموم التي لا يستطيع الجسم التخلص منها فتؤثر تأثيراً سلبيا على المخ مثل الامونيا والاحماض الامينية والعضوية. وتعتبر الخلية الكبدية هي الوحدة الاولى التي تقوم بكل الوظائف السالف ذكرها، وعندما يتم غزو الخلية الكبدية بالفيروسات يشتبك معها الجهاز المناعي للانسان، ولكي يقضي عليها فانه يقضي بالضرورة ايضا على الخلية بداخل الخلية الكبدية وتقوم ببعض العمليات الحيوية الهامة فان موت الخلية يؤدي الى ارتفاع الانزيمات في دم المريض، وتعتبر مؤشرا على الالتهابات الحادة والمزمنة. ـ هل هذا معناه ان الكبد لا يجدد خلاياه؟ ـ تتعاظم قدرة الخالق في تجديد الخلايا الكبدية بعد تدميرها بالفيروسات ولكن بمقدار اي انها تتجدد عند حدوث التهابات حادة او مزمنة من النوع البسيط ولكن عند تدمير اكثر من 80% من خلايا الكبد فانه لا يستطيع ان يجدد ما فقده بصورة سريعة فيسبب هذا هبوطا حادا في وظائف الكبد او ما يسمى فشل كبدي وعند حدوث التهابات مزمنة متكررة بسبب بعض الفيروسات مثل B،C ومقاومة الجهاز المناعي لها وانتصاره بعض الشئ عليها، وهزيمته في احيان اخرى، وعند تكرار ذلك لسنوات طويلة يحدث تشمع كبدي «اي تكوين نسيج ليفي بين الخلايا السليمة نتيجة عدم قدرة الكبد على تجديد بعض الخلايا المفقودة، وهنا تبدا المشكلة الاكبر مع مريض الكبد ويفقد الكبد بعضا من وظائفه الحيوية، ولكن في مراحل التليف الاولى يكون الكبد متكافئا، اي تستطيع الخلايا السليمة تعويض الخلايا التي تم تدميرها ثم تأتي المرحلة الاخيرة وهي التليف غير المتكافئ وهنا يئن الكبد لعدم قدرة بقايا الخلايا السليمة على تعويض ما تم فقده. ـ نتوقف عند اخطر فيروسات الكبد وهو فيروس C ما هو وكيف تنقل عدواه؟ ـ هو فيروس متناهي الصغر يقدر حجمه بـ 1مليون مليمتر وتنقل عدواه عن طريق نقل الدم وعن طريق استخدام بعض ادوات المريض مثل موس الحلاقة وفرشة الاسنان وقصافة الاظافر، واذا كان من البديهي انتقاله عن طريق نقل الدم الملوث فانه ينقل عن طريق استخدام الحقن البلاستيكية التي استخدمها المريض. واذا لم يتم تعقيم ادوات الجراحة حسب المواصفات العالمية او المناظير او ادوات طبيب الاسنان فانه ينقل عن طريقها وكذلك ادوات حلاق الصحة في الارياف مثل ادوات الختان والادوات الملوثة بعد فتح الخراريج والتوليد. ـ هناك احصاءات عالية جدا لاعداد المصابين بفيروس C. ما هي حقيقة ذلك؟ وكيف تم نقل الفيروس اليهم؟ ـ احصاءات وزارة الصحة لعام 1996 تقول ان نسبة المصابين بفيروس C حوالي 12% من عدد السكان، وقد اجريت اختبارات لعينات عشوائية في عام 2001، 2002 ثبت من خلالها ان نسبة المرض تقدر بـ 8% من عدد السكان وهذا يعني ان عدد المرضى يتراوح ما بين 8. 10 مليون نسمة. واغلب هؤلاء المصابين تم نقل العدوى اليهم في الستينيات والسبعينيات عند استخدام الحقن الزجاجية مرات عديدة من مريض الى آخر في حملات القضاء على البلهارسيا بعقار الطراطير المقئ، والنسبة الباقية تم انتقال العدوى اليهم من خلال ذويهم او بالطرق التي شرحناها آنفا مع ملاحظة ان هذا المرض لا ينقل بالمعاشرة الزوجية ولا ينقل الى الجنين. وللاهمية ايضا فقد ثبت علميا انه لا ينقل عن طريق الناموس او الحشرات. ـ ما هي اعراض فيروس C ولماذا يختار الكبد؟ ـ فيروس C يعشق الخلية الكبدية، وبمجرد دخوله الى الدم يذهب الى الكبد مباشرة، وفيها يبدأ صراع ضار بينه وبين جهاز المناعة ويسير الصراع في ثلاثة اتجاهات: الاول ان تكون الغلبة لجهاز المناعة ويقضي على الفيروس ويشفى المريض تماما، ويحدث هذا مع 20% من المصابين والاتجاه الثاني ان يكون الفيروس كامنا داخل الخلية الكبدية بدون اي نشاط وبدون ارتفاع في الانزيمات وينشط بعدمرور سنوات طويلة وهو يؤدي الى الالتهاب الكبدي الغير نشط. الاتجاه الثالث هو الالتهاب المزمن النشط الناتج عن مقاومة الجهاز المناعي للفيروس داخل الخلية الكبدية مما يؤدي الى فقدان بعض الخلايا الكبدية. اما اعراض هذا المرض بشكل عام فانه تبدأ عند المريض في مرحلة متقدمة من المرض وتكون في الشكوى من عدم القدرة على العمل والنشاط بصورة طبيعية وعدم التركيز والوهن والضعف واضطرابات القولون وسوء الهضم. وفي احيان اخرى يأتي المريض الى الطبيب في صورة متاخرة اكثر بتورم في الرجلين والاستسقاء او نزيف دوالي المرئ او الغيبوبة الكبدية. ـ وماذا عن فيروس B؟ ـ نسبته في مصر تصل الى 3% من عدد السكان وهو ينقل بصورة اسرع من فيروسC لكنه يختلف عنه في نسبة الازمان بمعنى آخر فان كل 100 مصاب بفيروس C يدخل 80% منهم في التهابات مزمنة اما في فيروس E فان 20 % فقط يدخلون في التهابات مزمنة. وبشكل عام تبدا اعراض فيروس B بالالتهابات الكبدية الحادة وعلامتها الصفراء في الدم وارتفاع الانزيمات، وفي بعض الاحيان ترتفع نسبة الصفراء وفي احيان قليلة يصل الى التهاب كبدي شرس يؤدي الى فشل كبدي. وعند دخول الفيروس في الدم اما ان يتم القضاء عليه بواسطة جهاز المناعة في حوالي 80% من المرضى، او لا يستطيع الجهاز المناعي التخلص منه فيؤدي الى دخول المريض مرحلة الالتهاب الكبدي المزمن التي تصل الى التليف او السرطانات الكبدية. ـ وماذا عن العلاج؟ ـ في السنوات الثلاث الاخيرة تمت معالجة فيروس C بعقار فعال هو «الانترفيرون طويل المفعول» وهو يختلف عن «الانترفيرون العادي» بطول بقائه في دم وانسجة كبد المريض مما يؤثر تاثيرا قويا على الفيروس وتعطي للمريض حقنة واحدة كل اسبوع لمدة ستة شهور. وفي مصر يتم اعطاء عقار «الريبافرين» مع «الانترفيرون طويل المفعول» كعقار مساعد. مع الاخذ في الاعتبار عمل اختبار كمي للفيروس في الدم لتقييم العلاج بعد مرور 12 اسبوعا من بدايته. وتجدر الاشارة الى ان هناك اعتبارات كثيرة قبل اعطاء الانترفيرون للمريض اهمها ان يكون هناك ارتفاع مستمر في انزيمات الكبد لا تقل عن 6 اشهر وان يكون الفيروس موجودا بالدم وان تشير عينة الكبد الى وجود التهاب مزمن نشط وان يكون الكبد بدون تليف كامل وكذلك هناك محاذير كثيرة لاعطاء الانترفيرون منها وجود دلائل لاختلال الجهاز المناعي عند المريض او وجود انخفاض في نسبة الصفائح الدموية او كرات الدم الحمراء او امراض نفسية. اما بالنسبة لفيروس B فهناك كذلك الانترفيرون طويل المفعول الذي يستخدم لمدة 4 شهور. ولكن الابحاث الجديدة اثبتت فعالية عقار يتم اخذه الآن عن طريق الفم وهو عقار Sالاميفيدين A 100ميللجرام الذي يؤخذ حبة واحدة يوميا، ونتائجه مماثلة للانترفيرون بدون اعراض جانبية ويشيع استخدامه الآن في العالم للقضاء على فيروس B وهو يؤخذ حتى في حالة التليف غير المتكافيء. وتم اشتقاق عقار جديد من العقار السابق اكثر تطورا وهو عقار «اديفوفير ». ـ هذا عن الادوية الموجودة حاليا فماذا عن العقاقير التي مازالت في الطريق؟ ـ في الطريق ادوية مبشرة بالخير سوف يتم استخدامها في غضون السنوات المقبلة بعد انتهاء التجارب الاولية والتي تعطي بشرى سارة جدا لمرضى فيروس C وكلها تعتمد على استخدامات الهندسة الوراثية في تخليق بعض العقاقير التي تدمر التركيب الجيني للفيروس فتقضي عليه نهائيا، وتتميز هذه العقاقير بقلة اعراضها الجانبية ومنها بعض العقاقير التي تؤخذ بالفم وقد اثبتت نجاحها في التجارب الاولية التي تمت مناقشتها في مؤتمرات الكبد العالمية التي عقدت مؤخرا ومنها المؤتمر الذي عقد في بوسطن في نهاية العام السابق