السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 قبل ألفي عام، غدت شوارع روما كريهة الرائحة، وعانت من مشكلات تتعلق بحركة السير. وبلغ الضجر لدى الحكام المحليين مبلغه، فأعلنوا ان «انتشار الناس، يجب الا تعيقه الاعداد الكبيرة للمحفات والعربات التي تحدث ضجيجا. وكانت تلك صلية مبكرة فيما أصبح بعد ذلك حربا لا نهائية لا يمكن حسم مصيرها. وفي الفترة نفسها تقريبا، فرض يوليوس قيصر اولى القوانين المتعلقة بمواقف العربات خارج الشارع. وفي عام 125 للميلاد، فرضت قيود على عدد العربات التي يمكنها دخول روما. ويبدو انه منذ وجدت الطرقات، كانت هناك حشود من السائقين الذين يتصببون عرقا ويمهرون في كيل السباب مما دفع الى وجود خطط للتخلص منهم. ولكن حركة السير سيئة هذه الايام، حيث تكلف الاتحاد الاوروبي 40 مليار يويرو سنويا، لدرجة ان بعض المدن تفكر بجدية باتخاذ اجراءات لمواجهة هذه المشكلة. وهذه الايام تخوض لندن اكثر التجارب الثورية في اوروبا للتحكم بحركة السير فكل مركبة تدخل وسط المدينة، عليها ان تدفع رسما لعمدة المدينة كين لفنجستون وسلطة لندن الكبرى مقداره 8 يورو. وتقوم سبعمئة كاميرا بتسجيل جميع لوحات الترخيص الخاصة بالسيارات، ويتم تغريم الاشخاص الذين يمتنعون عن دفع الرسوم مبلغ 60 يورو. وقد يتراءى للمرء، بالحكم من خلال الغضب الشعبي، ان السواقين يطلب منهم ان يسلموا نخاع العظم. وتسعى شركة قانونية لندنية الى استصدار انذار قضائي لوقف تطبيق الرسوم، واصفة اياها بأنها «أكبر زيادة ضريبية في التاريخ البريطاني». ان هذا الاجراء يعتبر شاهدا على مدى تفاقم ظروف حركة السير بدرجة جعلت ليفنجستون يمضي قدما بخطته رغم كل شيء، وقال عشية اطلاق الخطة: «انها ليست با لشيء الذي نرغب القيام به لو كان بامكاننا تجنبه». واذا نجحت الخطة، فان لندن قد تمهد الطريق لمستقبل المدن في كل مكان. والحلم المنطقي يتلخص في جعل السواقين يدفعون في يوم من الأيام مقابل القدر الذي يساهمون به في الازدحامات المرورية. وكلما كانت سياقتهم لفترة اطول وسياراتهم اكبر والوقت اقرب من ساعة الذروة، كلما كان الثمن اعلى، وطوال نصف قرن، كان يصر علماء الاقتصاد والمهندسون على ان هذه الاستراتيجية ـ فرض رسوم على الاختناق المروري ـ هي أفضل وأعدل وسيلة لتخفيض زحمة المرور. ولكن قيادة السيارة والتفكير العقلاني لا تشتركان دائما في المسار نفسه. فمنذ سنوات طويلة، يحاول السياسيون ان يتملقوا السواقين لاغرائهم على التخلي عن سياراتهم بتوفير مواصلات عامة افضل وحوافز ضريبية ودراجات مجانية بدون نجاح يذكر، والآن، تحاول بعض المدن الاوروبية تطبيق الامر بصورة فظة فهم يستهدفون اخيرا جعل الامور لا تطاق بالنسبة للسواقين في وقت الذروة وذلك لدفعه مجبرا الى التخلي عن سيارته. وتفكر سلطات المدن هذه بالامر على أنه تدخل جماعي يقضي بمواجهة السواقين بشأن ادمانهم من اجل انقاذهم. وشن عمدة باريس برتران ديلانو، هو الاخر حملة ضد الازدحامات المرورية اطلق عليها اسم بوشونز. وأول عمل له كان فرض مسارات جديدة للحافلات والدراجات على الشوارع المزدحمة مما يؤدي الى تقليص المساحة المخصصة للسيارات وزيادة متوسط السرعة للحافلات بمعدل 3 كيلومتر في الساعة. وجرى تعديل الاشارات الضوئية المرورية في لندن بحيث تعطي الاولوية للمشاة. وقامت زيوريخ ايضا بفرض سياسة جديدة تقضي بعدم بناء مواقف جديدة للسيارات بدون ازالة مواقف في المقابل من اماكن اخرى في المدينة. وخلال السنوات الماضية، اقتربت العديد من الدول الاوروبية من بينها هولندا والسويد من تطبيق رسوم على الاختناق المروري، ولكنها اضطرت الى التخلي عن الفكرة عندما اصبحت الاحتجاجات الشعبية مرعبة. والحقيقة هي ان الناس يتقبلون فكرة دفع رسوم اعلى للمكالمات الهاتفية النهارية او الافلام التي تعرض في ساعات الذروة، ولكنهم يمتنعون عن دفع رسوم للطرق التي يعتقدون انها مجانية. وبالطبع، فانه اذا ما قدر لخطة ليفنجستون ان تفشل، فسيمضي جيل كامل قبل ان تتم تجربة رسوم الاختناق المروري مجددا في اوروبا. وان كان قادة اوروبا قد تبنوا هدف السياسة المرورية بتضييق الحياة على السواقين بهدف الحد من الازدحام المروري، فان معظم السواقين يجلبون التعاسة الى انفسهم بأيديهم. ففي اغسطس الماضي، احتجزت العائلات الفرنسية اثناء مغادرتها لقضاء العطلة في ازدحامات مرورية كانت تسد قرابة 800 كيلومتر من الطرق السريعة. وقد وصفته وزارة المواصلات بأنه اسوأ يوم مروري في التاريخ الفرنسي. وفي الشهر الماضي، امضى آلاف الباريسيين العائدين من الاجازة الاسبوعية الليل في سياراتهم بعد ان أدت الثلوج المتساقطة الى شل حركة السير. واذا كانت هذه القصص تتضمن شيئا من القسوة والمعاناة، فاليكم قصة كورين تروس، التي امضت اربع ساعات ونصف في قيادة سيارتها لتقطع مسافة 5 كيلومترات للوصول الى عملها. ضرار عمير