السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 تعتبر المياه من الضروريات الحياتية التي لا غنى عنها، فمع ما تشهده المنطقة من تخوف كبير من ضربة محتملة ضد العراق، بدأ الناس يفكرون وبشكل أكثر جدية فيما قد يحل بهم وما تدره الحرب من ويلات، لذا بدأ الاتجاه نحو إعادة صياغة استهلاك المواد الغذائية وخاصة المياه حتى لا يأتي يوم لا نجد فيه قطرة ماء صالحة للشرب، وإننا اليوم بالذات والذي يصادف يوم المياه العالمي أرتأينا ضرورة التطرق لعدد من المواضيع المهمة المتعلقة بالمياه، حيث لجأنا الى بعض الجهات المعنية بالدولة والتي ابدت تجاوبا كبيراً في اعطائنا عدداً من البحوث والدراسات التي تشمل احصائيات وأرقاماً تهم إنسان اليوم، وعليه فمن الضرورة بمكان توضيح وابراز تلك الدراسات الموثوقة والآراء العميقة في سبيل زيادة الوعي بكل ما من شأنه ترشيد الاستهلاك خاصة وأننا نعيش في مجتمع يكاد يوصف بأنه مبذر في كل شيء، مع ان العكس هو ما يجب أن يكون لأننا قبل أي شيء مجتمع مسلم يحثه دينه على الاقتصاد في تعاملاته مع الموارد الطبيعية.بداية توجهنا الى هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها بأبوظبي والتي أوضحت لنا أنه خلال خمس عشرة سنة ماضية، وفي امارة ابوظبي وحدها، وصلت الزيادة السكانية الى 400% مما زاد الطلب الحضري على المياه، ولو صحت التوقعات فان الطلب على المياه سيتضاعف في السنوات العشرين المقبلة، ويرى الباحثون أن هذه الزيادة يجب ان تقابلها زيادة في الطاقة الانتاجية لمياه التحلية تصل الى 800% عن الانتاج الحالي. وتشكل هذه الزيادة في الطلب على المياه ضغطاً كبيرا على الموارد المائية، حيث تستهلك الدولة اليوم من المياه سبعة اضعاف قدرة الطبيعة على تعويض المياه الأمر الذي يتطلب تنسيق الجهود والتعاون بين الهيئات والمؤسسات المعنية بالدولة لتحقيق الاستدامة لهذا المصدر الحيوي المهم من خلال الإدارة المتكاملة للموارد المائية. ومن ابرز التحديات التي تواجه الموارد المائية في الوقت الحالي نضوب مصادر المياه الجوفية من حيث الكمية والنوعية والاعتماد المتزايد على مصادر المياه غير التقليدية مثل التحلية والتقطير، بالاضافة الى استمرار الطلب على المياه مما سبب تدهور وملوحة التربة، وانخفاض مستوى المياه وتراجع نوعيتها وزيادة نسبة الملوحة، وتلوث المياه الجوفية بالمبيدات، بالاضافة الى غياب السياسات التي تحمي المياه الجوفية فضلا عن غياب التشريعات واللوائح التي تنظم عملية استخدام المياه وغياب هيئة مركزية لتنمية الموارد المائية. بالاضافة الى ان توسع برنامج التنمية الزراعية يشكل أحد التحديات مما يعني ازدياد الحاجة للمياه. خطة عمل ولمواجهة هذه التحديات وضعت هيئة ابحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها خطة عمل لانشاء نظام لادارة وحماية الموارد المائية خلال عامي 2000 و2001م ضمن الاستراتيجية البيئية لإمارة ابوظبي. وقد ركزت خطة العمل على سبعة برامج رئيسية تتصل بإدارة الموارد المائية في إمارة ابوظبي. ثم تم وضع خطة عمل وإطار زمني لكل مهمة من تلك المهام الرئيسية. وروعي في اعداد خطة العمل ان تكون واقعية ومرنة وتضع في حسبانها الوضع الفعلي للمعلومات والأولويات في مجال الموارد المائية، وتتلخص اهداف فريق عمل إدارة الموارد المائية في تقييم الوضع الراهن في مجال إدارة الموارد المائية في إمارة أبوظبي واقتراح نظام إداري في اطار الاستراتيجية المعدة. ووضع الفريق منهاجا لإنجاز الخطة وتم إعداد استراتيجية ادارية من قبل المكتب الاقليمي في غرب آسيا التابع للمفوضية الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة لتشكل اساسا لانجاز مهام الفريق. وبالاضافة الى الجهات الممثلة في فريق العمل حرصت الهيئة على استشارة المنظمات والخبرات التي لم يتيسر لها لسبب أو لآخر حضور اجتماعات الفريق الذي يضم ممثلين عن الجهات المعنية ويشمل البلدية وإدارة الغابات ودائرة الزراعة بالعين وقسم الغابات وقسم الزراعة في ابوظبي ومكتب الاشراف والتنظيم لهيئة ماء وكهرباء أبوظبي وقسم الموارد المائية بمكتب صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله. وكان من نتاج هذا النهج اقتراح مفهوم استراتيجي لوضع وتطبيق نظام متكامل لإدارة الموارد المائية وخطة عمل خاصة به. مفتاح النجاح وفي ظل الوضع الذي تزيد فيه الحاجة الى انتاج الماء فمن الممكن ان يستمر التدهور النوعي للمياه الجوفية والعجز في المياه وتدهور المزارع نتيجة الملوحة وغيرها من العوامل الأخرى. ويعتبر مفتاح النجاح في الإدارة الجيدة للموارد المائية ايجاد قواعد البيانات ونظم المعلومات الجغرافية بحيث تكون قواعد البيانات موحدة المعايير وشاملة ومحدثة ويمكن الوصول إليها بواسطة جميع الجهات المخولة بالتعامل مع مختلف مجالات العمل في إدارة الموارد المائية. ويمكن ان تكون على شكل قاعدة معلومات مركزية أو تكون قاعدة معلومات لقواعد المعلومات الفرعية التي تنشئها وتديرها كل جهة على حدة ولكن يتم الربط بينها ويسمح بالوصول إلى معلوماتها من خلال نظام متفق عليه كما يمكن اعتماد النظامين معا في نفس الوقت. مراقبة النوعية وفي سياق الحديث عن المياه توجهنا الى هيئة كهرباء ومياه دبي وأطلعنا على عدد من المعلومات العامة حول الماء، حيث ثبت أنه خلال 100 سنة يمضي جزيء الماء 98 سنة في المحيط و20 شهراً على شكل ثلوج وأسبوعين في البحيرات وأقل من أسبوع في الهواء، ففي كل يوم تبخر الشمس ألف مليار طن من المياه علماً أن الماء هو المادة الوحيدة التي توجد على الأرض بشكل طبيعي في اشكالها الثلاثة الصلبة والغازية والسائلة، وأن 80% من سطح الكرة الارضية يتكون من مسطحات مائية وأن 97% منها مالحة وفقط 3% عذبة، ومن ضمن المعلومات المهمة التي يجب أن يعلمها الأفراد أن الإنسان يستطيع العيش بدون طعام لمدة 30 يوماً، ولكنه في الوقت ذاته لا يستطيع العيش بدون ماء لأكثر من أسبوع، فـ 83% من دم الإنسان عبارة عن ماء. وفيما يتعلق بتحلية المياه أوضحت الهيئة أن انتاج المياه من محطات التحلية في جبل علي بدأ العام 1979 من المحطة، حيث تنتج محطات التحلية حوالي 93% من احتياجات دبي من المياه والباقي 7% من الآبار، وعموماً فإن المياه المحلاة تنتج بتبخير مياه البحر باستخدام حرارة البخار من غلايات البخار في وحدات توليد الكهرباد في جبل علي، حيث يجمع بخار الماء ويكثف على هيئة مياه مقطرة يضاف لها بعض الأملاح لتصبح أكثر صحية للجسم، ثم يمرر الماء على كربونات الكالسيوم لاضافة الكربونات إليه، مع عدم اغفال تعقيم المياه المنتجة بوساطة الكلور للتأكد من مناسبتها للمواصفات الصحية وبعد ذلك يتم تخزين المياه في خزانات كبيرة تمهيداً لضخها لمدينة دبي، ويتم كذلك اجراء كافة التحاليل الكيماوية والبكترولوجية اللازمة للتأكد من استمرار صلاحية المياه، فمراقبة نوعية المياه نقطة مهمة جداً، لذا تؤخذ عينات من مصادر المياه على مدار الساعة لتحليلها والتأكد من نوعيتها وتجرى على العينات فحوص كيماوية وفيزيائية وبيولوجية، وفيما يتعلق بترشيد استهلاك المياه فإننا غالباً ما ننصح الأفراد بتفقد صنابير المياه والأنابيب والتمديدات وأنظمة الري والحمامات علاوة على المحاضرات والندوات التي نلقيها لمختلف الأعمار، ولكن مع كافة الجهود المبذولة يجب تنويه الأهل إلى الاهتمام بترشيد أبنائهم فهم خير قدوة لهم، ولا ننسى دور الإعلام في بث البرامج الهادفة التي تزيد من وعي الأفراد بضرورة الحد من الاسراف المبالغ فيه في استخدام المياه. دور البلديات وعقب ذلك انتلقنا الى بلدية دبي حيث التقينا خالد محمد شريف العوضي ـ مساعد مدير ادارة الصحة العامة ورئيس قسم رقابة الاغذية ـ والذي أوضح لنا دور البلدية في الرقابة على مياه الشرب حيث يقول: ان البلديات تلعب دورا رئيسيا في المحافظة على صحة وسلامة مياه الشرب نظراً لتنوع مصادرها ونحن في بلدية دبي من خلال اجهزتها الرقابية نضع خطة تعتمد على تطبيق التشريعات والقوانين والمواصفات الصحية الخاصة بصحة وسلامة الغذاء أولاً، ثم وضع آلية للتفتيش على المصانع المعنية بمياه الشرب، وأخيراً عمل برنامج دوري منتظم لأخذ عينات مياه الشرب، ففيما يتعلق بتطبيق التشريعات اعتمدت بلدية دبي في تطبيق اجراءاتها على وجود القوانين والمواصفات الصحية المعتمدة ما يساهم في دعم اجهزة التفتيش على تطبيق أنظمة رقابية التي تعطي صفة الضبطية القضائية، كما أصدرت البلدية عدداً من الاشتراطات الصحية الواجب توافرها لمصانع مياه الشرب من جهة وفي نقل مياه الشرب المعبأة من جهة أخرى، اما عن اجراءات التفتيش فإن جميع مصانع مياه الشرب تخضع الى اجراءات تفتيش مبرمج باستخدام أحدث التقنيات الخاصة بالرقابة وهي استخدام الكمبيوتر المحمول، ما ساهم في عملية الرقابة وتقييم المخاطر في جميع مصانع مياه الشرب وساعد على تبسيط الاجراءات وتوفير الوقت والجهد بالنسبة لجهاز التفتيش وتوفير جميع المعلومات الاحصائية الفنية وبيانات التفتيش في الكمبيوتر، حيث إن هناك برنامجاً اسبوعياً على جميع مصانع مياه الشرب للمصانع داخل امارة دبي، أما خارج الامارة فيتم التفتيش عليها من قبل لجنة مصغرة من خلال اللجنة الوطنية لسلامة الأغذية التابعة للأمانة العامة للبلديات حيث ساهم البرنامج في رفع المستوى الصحي لجميع المصانع بجميع الامارات، وأما عن اجراءات أخذ العينات الدورية فيوضح العوضي ان جميع عينات مياه الشرب تخضع لبرنامج العينات حيث يتم اخذ العينات وفقاً للمعايير الصحية مع التركيز على نوع التعبئة حيث يتم الكشف الظاهري على المنتج والتأكد من عدم وجود أي رواسب أو ملوثات في حالة استيفاء الكشف الظاهري، ويتم بعد ذلك ارسال عينات للمختبر للكشف الكيميائي والميكروبي. مواصفات البرادات من جهة اخرى اعدت ادارة الصحة العامة ـ قسم رقابة الاغذية منشوراً تعريفياً حول مبردات مياه الشرب أوضحت فيه انه مع تطور الحياة الاقتصادي والاجتماعي زاد الطلب على استخدام مبردات مياه الشرب بجميع قطاعات المجتمع ما استدعى ضرورة وضع مواصفات واشتراطات لضمان صحة وسلامة المياه المستهلكة عن طريق هذه المبردات، علماً ان هناك أنواعاً مختلفة من المبردات منها تلك التي يتم تغذيتها بالماء مباشرة والتي يتم فيها تخزين وتبريد الماء في الوعاء نفسه كالموضوعة في المساجد والمدارس والمطاعم، والنوع الثاني هو المبردات التي تستخدم عبوات بلاستيكية للماء المراد تبريده كالتي نستخدمها في المساكن والشركات، أما عن الاشتراطات الواجب توافرها في المبردات فهي ان تكون جميع المواد المستخدمة في صناعة مبردات مياه الشرب من مواد غير قابلة للصدأ ولا تتفاعل مع المياه أو تؤثر على خواصها الطبيعية والفيزيائية وغير ضارة بصحة الإنسان، وأن تتوفر فيها فتحات مناسبة لدخول وخروج المياه للمساعدة في عمليات التنظيف والتطهير، وان تتوفر في المبرد فتحة مناسبة لتصريف المياه على ان تكون هذه الفتحة في مكان سهل الوصول لتسهيل عمليات الصيانة وتصريف وتنظيف المبرد، ومن الشروط الأخرى تركيب المبردات على قواعد مرتفعة عن سطح الأرض بمقدار 30 سم على الأقل وذلك لمنع الصدأ وسهولة التنظيف والصيانة لتلافي تحول هذه المناطق الى مأوى للحشرات والقوارض، وأخيراً أن توضع هذه المبردات في أماكن صحية مناسبة تمنع تعرضها للتلوث. خطة عمل وطنية ومن ضمن الجهات التي ساهمت معنا في التحقيق توجهنا إلى الهيئة الاتحادية للبيئة والذين وافونا بخطة عمل بيئي وطنية لموارد المياه والتي جاء فيها ان قسوة المناخ المصحوبة بندرة الأمطار في دولة الامارات العربية تحد من استدامة امدادات المياه. ومع عدم وجود مياه سطحية كالأنهار، فإن الاعتماد يتركز على المياه الجوفية الطبيعية. وبما أن متطلبات المياه تفوق ما تنتجه المياه الجوفية، فإن العجز يغطى عن طريق مياه التحلية واستخدام المياه العادمة المعالجة، وهناك نقص في المعلومات حول المتطلبات المائية لبعض الأغراض تجعل من الصعوبة بمكان الحصول على تقديرات دقيقة حول هذه المتطلبات. ونظراً لعدم وجود ادارة للمتطلبات المائية في الوقت الحالي، فإن الخيار المتاح لتغطية أية زيادة مستقبلية في المتطلبات المائية يأتي عن طريق التوسع في عمليات التحلية ومعالجة المياه العادمة، ولكن هذا الخيار ذو تكلفة مادية عالية، إضافة إلى بعض المحاذير من الأثر البيئي الذي قد ينجم عن التوسع في عمليات التحلية مثل تغيرات الحرارة والتملح في مياه الخليج العربي. إن نجاح إدارة الموارد المائية في دولة الامارات العربية المتحدة يعتمد على إيجاد توازن أمثل بين التوسع في الامداد وإدارة المتطلبات، وتحقيق هذا التوازن يتطلب تقييم كل الخيارات المتاحة، آخذين في الاعتبار التكلفة الاقتصادية الحقيقية لإنتاج المياه من المصادر المختلفة من أجل وضع برامج لتخفيض المتطلبات المائية في حدود اقتصادية مقبولة لكل القطاعات وحسب التجارب العالمية في كيفية إدارة موارد المياه حيث نجحت الاستراتيجية البيئية الوطنية لموارد المياه في الدولة نحو تحسين التخطيط وإدارة موارد المياه وذلك عن طريق تطوير وتطبيق سياسات استراتيجية لإدارة المياه تأخذ في الاعتبار الاستخدامات المختلفة للمياه، وتتلخص هذه الاستراتيجية في الآتي: تخطيط وإدارة موارد المياه وتحسين إدارة المياه الجوفية وتحسين استخدامات المياه في الزراعة وإداة المتطلبات المنزلية والصناعية والتحلية المستدامة للمياه ومعالجة مياه الصرف الصحي. نعمة من اللّه ومن جهته يؤكد الشيخ عبدالله الحمادي ـ واعظ أول بوزارة العدل والشئون الإسلامية والأوقاف ان من عظمة هذا الدين انه جاء محافظاً على البشرية، وكل ما له علاقة بهم، وما فيه مصلحة لهم، ومنفعة. فالشرع الإسلامي يندب إلى جلب المنافع وتكثيرها، ويحث على تقليل المفاسد ودفعها. والماء من الموارد والنعم التي لا يستغني عنها أي كائن حي فضلاً عن الإنسان، وأهمية الماء للإنسان تأتي من عدة جهات: من جهة شربه، فحاجة الجسد للماء لا تخفى على عاقل متفهم، وكذا يحتاج الإنسان للماء للطهارة والتنظف، وإزالة الوسخ والنجاسات، وكذا الزراعة التي يتغذى منها والطبخ للطعام، ومعالجة الأمراض وغير ذلك. فما كان للماء هذه الأهمية البالغة، جاء ذكر الماء في القرآن في أكثر من موضوع منوهاً على أهميته ومكانته. فقد بيّن الله تعالى أن الزرع والحدائق بسبب الماء فقال تعالى: «وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها». وكذا بيّن الله سبحانه أن الماء أصل الحياة لكل كائن حي فقال تعالى: «وجعلنا من الماء كل شيء حي» وقال تعالي: «والله خلق كل دابة من ماء». فهذه النصوص وغيرها تدل على أهمية الماء ومكانته وحاجة الإنسان إليه خصوصاً، والكائن الحي عموماً، لذا حرم الشرع علينا الإسراف فيه، وتبذيره بلا فائدة أو بكثرة تخرج عن الحد المعقول والمطلوب. فالمسلم عليه أن يعلم هذا جيداً. قال تعالى: «ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين». وقال تعالى: «وكلوا واشربوا ولا تُسرفوا إنه لا يحب المسرفين». والله سبحانه وتعالى ذمّ البخل والإسراف ومدح الأمر الوسط الذي يبقى في نطاق الحد المعقول، قال تعالى في وصف عباد الرحمن في أثناء مدحهم: «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً». لكن الإنسان يعجب عندما يرى المسلمين في دورات مياه المساجد، يراهم عند الوضوء يفتحون الماء على آخره أو أكثره، بحيث يندفق الماء بكمية كبيرة، وما يحتاجه الواحد منهم أقل بكثير، إن ما يتوضأ به الواحد منهم يكفي لعشرة بل ربما لمئة، ولم يتأمل هؤلاء ما أخرجه أبوداود في سننه من حديث عائشة ـ رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد». إذن كل ما يستهلكه النبي لوضوئه هو المد وهو ملء كفي الرجل، أي أقل بكثير من علبة المسافي الصغيرة، وأما ما يستهلكه في غسله فهو صاع، أي ما يعادل أربع مرات ملء كفي الرجل، يعني تقريباً قدر عبوة المسافي الكبيرة، فأين نحن من هذا؟ حيث يقف الواحد تحت الماء فيصب عليه ما يغتسل به عشرة أشخاص. وكم تستهلك الخادمات من الماء عند غسل السيارات حتى تمتلئ المنطقة والشارع من الماء، فلو علمنا أهمية هذه النعمة، والراحة بوفرتها والعناء بفقدها لربما ما سلكنا هذا المسلك، وكم من أناس يشربون مياهاً غير صحية يسحبونها من بين الصخور والطين لسد الرمق وإرواء الغليل، ونحن بحمد الله المياه الصافية في بيوتنا، فتمام شكر الله أن نحافظ على نعمة الماء، والحمد لله على نعمه الوفيرة