الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 شأن جميع الرسامين المشهورين، يتمتع آرون بأسلوب فريد، وهو نتيجة اكثر من 20 عاماً قضاها في اتقان التعامل مع الألوان وتركيبها. وبخطوط جريئة وألوان نابضة بالحياة، يعمل آرون بسرعة مبدعاً صوراً تباع بآلاف الجنيهات الاسترلينية حول العالم. وهذا لا يعني ان آرون يفكر بالمال. وفي الواقع، ان الامر خاضع للجدل حول ما اذا كان يفكر اصلا اصله، لأن آرون هو كمبيوتر، وبدقة اكبر، فإنه ليس كذلك ايضاً، فهو عبارة عن آلاف الاسطر من ليسب، وهي لغة برمجة يمكنها ان تزود الكمبيوتر بتلك الميزة الاكثر اثارة للجدل وهي الذكاء الصناعي. ومنذ بداية السبعينيات، يقوم الرسام وعالم الكمبيوتر البريطاني المولد هارولد كوهين من جامعة سان دييغو بكاليفورنيا بمنح آرون مهارات تتيح له ابداع اعمال متميزة بدون اي مساعدة من البشر. فهل آرون كائن مفكر؟ هل هو مبدع؟ هذان السؤالان يعتبران محوريين بالنسبة لمجال الذكاء الصناعي وسعيه الى منح الآلات قوة العقل البشري. وهو مطلب ارتفعت وهبطت فرص تحقيقه مرات عدة منذ اطل على الدنيا قبل نصف قرن. والآن، مع بداية القرن الحادي والعشرين، اخذ الذكاء الصناعي يشق طريقه الى الحياة اليومية. ولكنه يفعل ذلك بطرق بعيدة كل البعد عن صور الخيال العلمي التي استحضرها فيما مضى، والمتعلق بروبوتات شبيهة بالبشر واجهزة كمبيوتر ناقمة مثل الكمبيوتر هال في فيلم الخيال العلمي «رحلة فضائية»: 2001. ولقد استغرق الامر نصف قرن كي نزيل الشبح عن الرجل الذي يعتبره الكثيرون مؤسس الذكاء الصناعي. ففي عام 1950، وقبل بضع سنوات من انتحاره في عمر الحادي والاربعين،كانت لدى عالم الرياضيات اللامع في كامبردج ورائد الكمبيوتر الآن تورنغ رؤية للمستقبل. فقد تنبأ انه بحلول نهاية القرن العشرين، ستكون اجهزة الكمبيوتر قادرة على اجراء محادثة لمدة خمس دقائق وأن تدفع 30% منهم الى الاعتقاد بأنهم يتعاملون مع انسان اخر. وهذا موعد جاء وولّى، ومع ذلك، فإنه على الرغم من انفاق مليارات الجنيهات الاسترلينية في شكل تمويل لهذا العمل، الا انه لم يقترب اي جهاز كمبيوتر من خداع صانعه بأنه «يفكر» بالفعل. اذن هل يمكن القول ان علماء الكمبيوتر قد فشلوا في مسعاهم؟ ابداً على الاطلاق، بل انهم في حالات مثل آرون، نجحوا على نحو مثير للجدل في منح الآلات قدرات يمكن ان يخلط بينها وبين قدرات البشر. والاهم من ذلك هو ان معظم الباحثين في مجال الذكاء الصناعي اخذوا يرون تصور تورنغ شيئاً عديم الاهمية مقارنة بهدف اكثر اهمية وهو: صنع آلات يمكنها ان تريح البشر من اعباء اجراء مسح للشرائح الطبية بحثاً عن الخلايا السرطانية او التعرف على التزوير في السجلات المالية وذلك على سبيل المثال لا الحصر. ومع ذلك، فإن البحث في مجال الذكاء الصناعي كان مدفوعاً في ايامه الاولى بالاعتقاد انه سيكون بالامكان قريباً مضاهاة الصفات البشرية بل وحتى تجاوزها من قبل الآلات. وكان منبع هذا التفاؤل اكتشافاً اساسياً تم على يد الباحثين قبل 60 عاماً ومفاده ان الادمغة الكهربائية البسيطة يمكنها ان تقوم باعمال فذة. وفي عام 1943، فاجأ عالما اعصاب اميركيان يدعيان وارين ماكولوتش ووالتر بيتش زملاءهما الباحثين من خلال اثباتهما ان بالامكان فهم عمل الاعصاب باستخدام قوانين المنطق الرياضي، الذي يعزز العمليات الاساسية للتفكير المنطقي. واثبتا ايضاً ان الاعصاب يمكن محاكاتها باستخدام دوائر كهربائية موصولة بطرق معينة، مما يفتح الطريق امام عمل ادمغة صناعية يمكنها ان تستنتج وتفكر. وفي ظل كون الادمغة الحقيقية تحتوي على المليارات من الخلايا العصبية، فقد بدا من المرجح ان اي شيء يحاكي قوتها باستخدام مكونات كهربائية لايزال امامه قروناً كي يتحقق. ومع ذلك، سرعان ما اكتشف الباحثون انه حتى «الشبكات العصبية» البسيطة نسبياً يمكن تدريبها على القيام بمهام صعبة على نحو يثير الدهشة. وكانت الخدعة تكمن في وصلها معاً لكي تكون استجاباتها لمدخلات معينة قابلة للموالفة بحيث تعطي المخرجات الصحيحة. وبحلول عام 1951، قام عالم الكمبيوتر الاميركي مارفن منسكي بوصل مئات الانابيب المفرغة معاً لكي يكون بالامكان تلقينها لكي تقلد قدرة الفأر على تلمس طريقه في متاهة ما. وبدت الطريق الى الامام الآن سالكة، فكل ماهو مطلوب هو بناء شبكات عصبية اكبر وتدريبها. غير ان ذلك لم يقنع الجميع. والمشكلة مع هذه الشبكات كانت ولاتزال تتمثل في عدم وضوح كيفية تصرفها او اسباب ذلك. كما ان فتحها بهدف فحص وصلاتها هو اجراء عديم الفائدة. استمرت البحوث في مجال الذكاء الصناعي دون توقف، واسفرت عن ابتكار اجهزة كمبيوتر «ذكية» يمكنها ان تستجيب للبشر وتحاورهم وان تلاعبهم الشطرنج وتتغلب عليهم كماحدث عام 1997 عندما تغلب الكمبيوتر «ديب بلو» على بطل العالم في الشطرنج غاري كسباروف. غير انه وعلى الرغم من مرور اكثر من 50 عاماً على انطلاقة البحوث في مجال الذكاء الصناعي، الا انه من الواضح ان السعي الى وضع قوة التفكير المذهلة في جهاز كمبيوتر لايزال يشكل تحدياً للبشر كما كان على الدوام. ضرار عمير