الجمعة 18 محرم 1424 هـ الموافق 21 مارس 2003 في عصر الأساطير، وعندما كانت الشمس لا تزال قريبة من الأرض، اضرمت امرأة حامل ناراً، ووضعت عليها ابريقاً مليئاً بالماء لغلي بعض من الدخن. بدأ الماء يغلي في الابريق، ويتصاعد منه البخار الساخن، وأدت الحرارة المنبعثة منه الى ابعاد الشمس عن الارض. فانفجرت الشمس التي أجبرت على الابتعاد عن عالم الفناء المحبوب بالبكاء، وتساقطت دموعها على الأرض، فتبلورت مشكلة خرزات زجاجية. واستغل أمير شاب مندفع ومختال هذه الخرزات للفوز بلقب أميرة من بايوان، فقدم لها سلسلة من هذه الخرزات المزينة بنقوش جميلة، مثل ريش الطاووس. نالت الخرزات اعجاب الأميرة الشابة، وسرعان ما تزوج الأميران. توضح هذه القصة مدى أهمية الخرز الزجاجي لدى شعب بايوان، الذي يعتبره من بين كنوزه الثلاثة الى جانب السكاكين البرونزية والأواني الخزفية، وجزءاً لا يتجزأ من حفلات الزواج البايوانية. لقد كانت القبائل الأصلية من سكان تايوان، و بخاصة قبيلتي بايوان وروكاي، مبهورة بالخرز الملون بألوان زاهية منذ مئات السنين وكذلك الحال بالنسبة للقصص المرتبطة بنقوشها المتكررة. لا يزال التقليد الخاص بصنع الخرز الزجاجي حياً الى يومنا هذا في استديو في بلدة سانتمن في مقاطعة بنغتونغ جنوبي تايوان. ويواصل استديو دراغون فلاي « اليعسوب » لفن الخرز انتاج ثمانية أنماط تقليدية للنقوش والتي تم نقلها من جيل لآخر الى جانب تصاميم جديدة. وهذا الاستديو مملوك لشيه سيو ـ تشو، وقد استقى اسمه من مصطلح درج على استخدامه في وصف الخرز الزجاجي خلال فترة الاحتلال الياباني لتايوان. ومع ان الخرز الزجاجي لم يعد نادراً كما كان في يوم من الأيام، الا انه لا يزال يشكل جانباً مهماً من جوانب ثقافة بايوان. وفي الماضي، كان الترتيب الذي تنظم بموجبه الخرزات المنقوشة معاً يشير الى المكانة الاجتماعية ويحدد الفاصل بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. ويقول تشانغ هونغ شيه، وهو جامع للخرز ومؤلف للعديد من الكتب حول الموضوع ان «الخرز الزجاجي كان يستخدم كوسيلة تعريف دقيقة بالنسبة للارستوقراطيين من سكان البلاد الأصليين». ويشير تشانغ الى انه وفي حين يمكن امتلاك الذهب والمواد الثمينة الأخرى من قبل عامة الشعب، فإن الخرز الزجاجي كان متاحاً للزعماء فقط. وقد تبين أيضاً ان السكان الأصليين كانوا يملكون خرزاً زجاجياً يعود الى فترة الدويلات المتحاربة في الصين (475 ـ 221 قبل الميلاد) ومصر القديمة. ويشير تشانغ بهذا الخصوص الى ان «أعداداً هائلة من الخرز الزجاجي المنتج في حقبات زمنية مختلفة وفي أماكن عديدة قطعت مسافات طويلة مع مرور الزمن. وهي تعد دليلاً على التفاعل الديناميكي بين الثقافات المختلفة وعلى نطاق مذهل». ونظراً لعدم العثور على وثائق مكتوبة أو أدلة على المواد أو المصانع أو الأفران لإنتاج الخرز في تايوان، فقد اعتقد العديد من الباحثين ان الخرز العتيق الموجود لدى قبائل بايوان وروكاي ما هو الا سلع تجارية غريبة انتجت من قبل صناع من حضارات اخرى في الغرب وآسيا. ولكن الكثير من شعب بايوان اليوم يفضلون الاعتقاد بأن الخرز قد صنع من قبل أجدادهم. وتعتقد شيه سيوتشو، وهي معلمة أيضاً في احدى رياض الأطفال، انه لا يوجد جواب واحد فقط للسؤال المتعلق بمصدر الخرز القديم. وبدلاً من هدر الوقت في محاولة تعقب التاريخ والأصول لخرز بايوان الزجاجية، فإن شيه تكرّس كامل جهودها لتنمية تقدير جديد لهذه الأشياء الجميلة. وقد عمل استديو (دراغون فلاي) اليعسوب على تدريب العشرات من الحرفيين من السكان الأصليين منذ انشائه قبل تسعة عشر عاماً، ولجأ بعض من الطلاب الى فتح محلاتهم الخاصة لصنع الخرز. ويواصل استديو دراغون فلاي تدريب السكان الأصليين الذين يبدون اهتماماً بهذه الحرفة. وتقول شيه: «حذرني الكثيرون من انني أصنع منافسين لمجال عملي. ولكنني اعتقد ان سوقاً نشطاً يمنحنا جميعاً فرصة افضل للبقاء ويوفر قوة اكبر لترويج ثقافتنا». وتأمل شيه بأن تحول هذه الاستديوهات بلدة سانتمن في يوم من الأيام الى «موطن» للخرز الزجاجي في تايوان. وحتى الآن، فإن عشرات الحرفيين لا يشكلون سوى جزء بسيط من الخمسين ألف درهم وهم أبناء قبيلة بايوان الذين يعيشون في سبع بلدات في مقاطعة بنغتونغ. وبفضل جهود الحكومة في الترويج للسياحة في تايوان، اصبحت سانتمن في السنوات الأخيرة وجهة سياحية مألوفة يؤمها السياح لكي يلقوا نظرة على أنماط الحياة والفنون لدى سكان البلاد الأصليين. وبالإضافة لاستخدام الخرز الزجاجي كزينة للأثاث والسقوف والأرضيات، فقد حولته شيه أيضاً الى اكسسوارات يمكن ارتداؤها لإضفاء لمسة من الجمال على من يرتديها، وهي تأتي بأشكال العقود والأقراط والخواتم. وعلى الرغم من الركود الاقتصادي السائد هذه الأيام، إلا أن نشاط أعمال شيه يبدو مزدهراً. وتقول بهذا الخصوص: «ان الكثير من الناس لم يرونا إلا ناجحين. والشيء الذين لا يستطيعون رؤيته هو العمل الشاق والصعاب لتي واجهناها حتى ما قبل خمسة أعوام عندما بدأ الجمهور يبدي تقديراً للفنون الخاصة بسكان البلاد الأصليين». ضرار عمير