الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 سؤال حديث عن أدب قديم، اجاب عنه قوم بالايجاب، واجاب عنه محك النقد بالسلب واليك البيان: ذهب بعض الدارسين المحدثين الى ان الفتوح العربية الاسلامية في عصر الخلافة الراشدة اضعفت الشعر العربي، اذ شغلت الشعراء بالفعل عن القول، اي: بالجهاد عن الانشاد، ففتر الشعر وكان فتوره في فتوح الشام ادهى منه في فتوح العراق وفارس ثم علل الضعف الطاريء على الشعر بعلل منها: ان فتح الشام كان سريعاً وسرعته لم تمهل الشعراء حتى يتمثلوا الاحداث ويمثلوها على نحو ناضج، ومنها ان القدر الاعظم من جند الشام كان من اليمن، واهل اليمن لم يكونوا حينئذ قد تخلوا عن لهجتهم، ولم يقبلوا على النظم بلهجة قريش او تميم، ومنها ان ارض الشام التي جرت فيها اجنادين واليرموك وغيرهما من الملاحم اقرب الى الحجاز من الميادين التي جرت فيها القادسية ونهاوند، وقرب الميدان من الوطن هون على الشعراء الغربة، وفوت عليهم الاحساس بالحنين الذي يستثير النظم، ويذكي المواهب، ويحمل المغترب على مزج الذكريات الماضية بالحاضر المعيش، فيتغنى ويمزج الغناء بالحماسة. وفيما ذهب اليه هذا الرأي بعض الصواب، فمن يرجع البصر في تاريخ الطبري وغيره من كتب المغازي والفتوح يجد ان ما قيل في القادسية وحدها اضعاف ما قيل في فتوح الشام مجتمعة، غير ان الحكم على الشعر بالقوة او بالضعف لا يجوز ان يستند الى عنصر واحد، وهو عدد القصائد وطولها وانما يجب ان يستند الى الجودة استناده الى العدة، وان يلتمس العذر للشاعر ان قصر، وللراوي ان اغفل، فالشاعر وهو في حومة الوغى، قد يرتجز المقطعة فتنتشر اصداؤها في سماء المعركة او تخمد، اذا بلغت مسمع الراوي رويت، واذا لم تبلغه طويت، وقد ينشد المقطعة ثم يستشهد قبل ان تؤثر عنه وتذكر له، ولهذا ليس بمستبعد ان يكون المغمور الضائع اكثر من المذكور الذائع، فكيف تتهم الفتوح، وهي وقود الشعر بأنها اطفأته؟ ومهما يضؤل حظ الفتوح الشامية من الشعر، فكثير العراق يجزيء عن يسير الشام، والنظر الى الشعر العربي بعيون اقليمية منهاج مرفوض، لان المجاهدين كانوا يتنقلون من ميدان الى ميدان، ولأن اختلاط الجند في سوح المعارك ألغى الفروق، وجعل كل ما يقال في ميادين القتال تراثاً واحداً، ومن ينظر الى هذا التراث بعيني العروبة والاسلام يقف على حقيقة عميقة، وهي ان الجهاد صقل المواهب، وفجر العبقريات، وحول الحماسة من التنافر إلى التآزر، وبث في شعر العرب روح الجهاد التي تمجد البطولة، وتجندها في نصرة العقيدة، وتنقل شعر الحرب من الفخر بالنصر إلى الإشادة بالشهادة. وهذا النقل وحده يعد رقياً جوهرياً، أنجزته الفتوح. ولسوف يتبين لك، إن عدت إلى الطبري وحده، أن شعر الفتوح يصور مرحلة من أعظم المراحل التي مر بها تاريخ العرب، وتاريخ الأدب، منذ أن صنع الإسلام من القبائل المتفرقة أمة لها كيان راسخ، وبنيان شامخ، ومثل عليا راقية، وأهداف إنسانية سامية، وتصور متكامل للكون والحياة وما بعد الحياة. لقد اخرج الإسلام الشاعر من شرنقة القبيلة ليطلقه في أفق الأمة، تم بسط أمام جناحيه آفاقاً إنسانية أوسع وأرفع حينما حمله تبعة الدعوة إلى الحق، وكلفه أن يهدي الآخرين بما هداه الله، فأخصبت نفسه بعد جدب، واتسعت مراميه بعد ضيق. من معايشة الأقوام الذين حاربوه أول الأمر، وصاحبوه أخره، أصاب تجربة ودربة، وثقافة ورهافة، فتحضرت بداوته وجفاوته، ولانت عنجهيته وعجرفيته، وتجلى ذلك التطور في شعره. ومن يقرأ شعر الفتوح بقلب مفتوح يدرك كيف عمل الشعر الذي أنجبته سوح المعارك على التحرر من العصبيات والنعرات؟ وكيف حرم اقتتال الإخوة، ووجه كل الأسلحة إلى خارج الجزيرة، لا لتقتل وتسبي، ولا لتنهب وتجبي، بل لتحرر وتهدي؟ وكيف زرع في قلب المجاهد عقيدة جديدة، تبث في القتال فلسفة إنسانية متكاملة، يعسر دحضها أو نقضها؟ قبل أن يمضي الجندي إلى ساحة الجهاد علمه الخليفة أن قتل الشيوخ والنساء والولدان والرهبان محرم، وألزمه أن يقاتل من يقاتله، ويسالم من يسالمه. فهو إن قتل لم يشعر بجرم وإن قتل لم يصب بغرم. في الحالة الأولى يحس أنه خلص البشر من الشر، وفي الثانية يصير إلى أحسن مما ترك. إن هذه العقيدة الواضحة أشد الوضوح، المتماسكة أشد التماسك لا يحتاج فهمها إلى تحليل وتعليل، ولا يشوب فلسفتها لبس أو تعقيد. ولهذا كانت من أهم العوامل التي حركت سواعد المجاهدين وقرائح الشعراء. ولما كان الإنسان العربي قبل ان يسلم محاربا بالدربة والضرورة، شاعراً بالموهبة والسليقة، فإن هذه العقيدة وافقت فطرته، وفجرت قدرته، ولم تفرض عليه فكراً يرفضه، أو نزوعاً يبغضه. وإنما عظمت رجولته، وكرمت بطولته، وأقنعته بأنه أصبح ذا خطر ومكانة، بعد أن كان فقعة في قاع، أو لقطة من سقط المتاع، لا شأن لها ولا وزن. كان كلما أنجز نصراً طمح إلى الذي يليه، وكلما جاز أفقا تطلع إلى ما بعده، مؤمنا بأنه على هدى من ربه، وبأن مسلكه لا سواه هو طريق الخلود، وبأن قرض الشعر في هذا الغرض الشريف شرف له ولغيره، فجاهد وهو ينشد، واستشهد وهو ينشد، ليقنع نفسه بأنه على حق، وليغري غيره ممن يقتفونه بأن ينتهجوا ما انتهج ليبلغوا ما بلغ، فكيف يتراءى لزاعم ان يزعم ان الفتوح اضعفت الشعر، والشعر ما قوي الا بالفتوح، ولا توهج الا في السوح؟ وهبك صدقت هذا الزعم، وأخذت به إلى حين، فإنك بعد ان تتذكر صلة الشعر عامة، وشعر العرب خاصة بميادين القتال ستكذب ما صدقت، وتنبذ ما اخذت، فتاريخ الشعر العربي يثبت ان الحماسة كانت روحه التي بها يعيش، وملهمته التي منها يستلهم، يوم لم تكن الحرب اكثر من فتن تشعلها الاحن، فبحوافر داحس والغبراء اقتدحت شرارتان: شرارة حرب مديدة العمر، وشرارة شعر خالد الذكر، ومقتل كليب انجب من الشعر ما لم تنجبه ولادة الف من العلماء افيعقل ان تجتاح الشرق والغرب سنابك الخيول، وتخضب وجه الارض مصارع الرجال، ثم لا تنقدح شرارة في فكر، ولا يجري لسان ببيان؟ القمين بأن يعقل هو ان الشاعرية والفروسية تلازمتا في تاريخ العرب تلازم التوائم في كل الملاحم، وتقارضتا التأثر والتأثير، وتعاونتا على توجيه الخلق والأدب، وصنعتا الذائقة الفنية التي بها يحكم على الشعر. فما كر فارس على خصم الا ارتجز، ولا اغار صعلوك على قافلة الا افتخر بما ابتز وانتهز، ولا ثار غبار في معركة الا اثار شعراً، واعقب رثاء او فخراً، وصقل ذوقاً، وحرك عاطفة. حتى ان ابا تمام وسم ما تخير من شعر العرب ـ على اختلاف اغراضه ـ باسم الحماسة، وفيه النسيب والوصف والمديح والفخر، والهجاء والرثاء. وبعد ان تستعرض اسماء الشعراء الذين انطقهم الجهاد بالشعر ـ ولم يكونوا من اهله ـ تستطيع ان تدعي ـ ودعواك حق ـ ان الفتوح لم تقنع من الشاعرية بشحذ القرائح المعهودة، بل تمخضت عن قرائح جديدة لم تكن موجودة، وانطقت بالمنظوم من لم يؤثر عنه قبل ان يضرب في ارض الجهاد بيت واحد. حتى ليخيل اليك ان كل فارس شاعر، وان الشعر لم يكن حلية يتحلى بها القادة الكبار، ولا صنعة يمارسها اهل الاختصاص، ولا حكراً على طبقة من كبار المثقفين. وانما كان بعضاً من عتاد الجهاد، وسلاحاً يلتمع في كل يد، ونشيداً يردده كل فم. فمتى استل الفارس سيفه استل شعره، ومتى طعن بالسنان طعن باللسان، فظاهرت قوة الروح قوة الجسد، وتولدت من القوتين طاقة هائلة يمكن ان يعلل بها المؤرخ عظمة الملحمة العربية الاسلامية في فتوحها السريعة، وان يمحص بها الناقد النفس العربية، ليكشف عن اسرار نومها ويقظتها، ووهنها وقوتها، وتبلدها وتوقدها، وان تتجلى له الحقيقة الناصعة آخر الأمر، وهي ان الفتوح كانت من أهم أسباب التجدد لا الجمود، والتوقد لا الخمود، فكان شعرها جديراً بالتقدير والاكبار