الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 «كبرياء سنوات عراقية جدا» هو آخر كتاب عززت به الشاعرة الجزائرية السوق الأدبية وتعتبره تجربة فريدة نقلت بها إلى الفرنسية نصوصا من الشعر العراقي ، في زمن الحصار. وقبلها كانت قد ترجمت الى الفرنسية أيضا ديوان «دم وحنظلة» للشاعر إبراهيم الخطيب. وفي سجل الشاعرة سبعة دواوين باللغتين العربية والإنجليزية في الجزائر والوطن العربي وفي الخارج، آخرها تحت الطبع بعنوان «آلاء الجمر». وهي أستاذة اللغة والأدب الإنجليزي بجامعة الجزائر وأقامت لسنوات ببغداد. مارست الترجمة الأدبية من العربية إلى الإنجليزية والفرنسية ومارست أيضا الفن التشكيلي وحملت لوحاتها الشعرية الهم العربي والكبوة التي طال أمدها. وتقول بصراحة وبجرأة إنها امرأة حزينة لأنها تنتمي إلى أمة حزينة. حول مشوارها ومشاريعها ومعاناتها حاورتها «البيان» بالجزائر. وكان أول الكلام : سيدتي هل أنت بخير... هل أنت سعيدة؟ فقالت «لا شك أنك تريد الجواب بصراحة أنا لست سعيدة... لا يعقل أن يكون الشخص سعيدا مهما استطاع أن يشبع رغباته إن كان في أسرة حزينة... أنا حزينة لأنني من أمة حزينة». فقلت «بدأنا إذن بشحنة عالية من التشاؤم»، قالت «ليس ما أبديه تشاؤما ولكنه الحاصل» بعد هذه البداية المثيرة بدأنا هذا الحوار الأدبي: ـ كتابك الصادر حديثا «كبرياء سنوات عراقية جدا» هو ترجمة لاثني عشر عاما من الشعر في زمن الحصار. كيف جاءت الفكرة وما دوافعها؟ ـ هذا الكتاب هو نصوص شعرية مكتوبة أصلا بالعربية والكردية ترجمتها إلى الفرنسية وهذا اعتقاد مني أن الإبداع العراقي في مجال الشعر بالخصوص يحتوي على طاقة إنسانية نادرة ولّدتها تجربة فريدة بلون هذا الحصار المفروض على الشعب العراقي، وقناعتي أن لهذا اللون طعماً جديداً بالمعنى المعرفي والوجداني للكلمة وهو أهم إبداع في الشعر العربي خلال السنوات الأخيرة، وهذا الإبداع محاصر بدوره كما هو محاصر المواطن العراقي. باختصار أردت أن أساهم في إيجاد قنوات لفك الحصار عن هذا الإبداع. ـ وكيف استقبل المبدع العراقي هذا الكتاب الأول من نوعه؟ ـ استقبلوه بحفاوة، واعتبروه مبادرة طيبة. وقد وصلتني العديد من الرسائل المهنئة والسعيدة بهذا الإنجاز لأن الانفتاح على اللغة الفرنسية بالنسبة للإبداع العراقي إنجاز مهم، الكتاب هو شكل لكل الشعراء العراقيين الذين لم يبخلوا على الإنسانية برحيق قلوبهم وعطر أرواحهم المكتوب بخطوط من تعب وإرهاق ومعاناة ولكن أيضا بسيل من الوقوف والكرامة والكلمة الشريفة. يضم هذا الكتاب أسماء لامعة منهم بشرى البستاني وعبد الرزاق عبد الواحد وعبد المطلب محمود وغيرهم. ـ أنت شاعرة وفنانة تشكيلية، هل اللحظات التي تكتبين فيها القصيدة هي اللحظة ذاتها التي ترسمين فيها؟ ـ ليس لكون المصدر واحد هو المبدع، يمكن أن تكون اللحظة التي يتقاسم فيها الإبداع لحظة إشعاعه أن تكون قلم أو أن تكون ريشة، وإنما لأن القدرة على العطاء هي هي بهذا المقياس الفياض الذي يصعب أن تلملم شظاياه، لذلك بالنسبة لي الجمع بين الريشة والقلم لم يكن صدفة بل جاء لأن هناك طاقة للقول.. والقول ليس فقط ما نقوله بالحروف أو ما نقوله بالريشة عن طريق الرسم، كل هذه التفجيرات جعلت مني كائنا مستعدا دائما، أن يكون هذه الحمامة والتي تطير بجناحين سواء كان هذا الجناح قلما أو ريشة والمهم أن الينبوع القادر على القول بشتى اللغات. ـ يعني أن هذا الينبوع شكل من أشكال الثورة؟ ـ الإبداع في حد ذاته هو نغمة من النغمات التي تشكل سيمفونية الثورة الجميلة، الثورة بمعناها الذي يصقل دائما، ويطور دائما، ويبنى من جديد، ويراقب نفسه وينتقد نفسه بهذا المفهوم. أعتقد أن الإبداع ثورة مستمرة على كل ما هو رديء، ومخزٍ، على كل ما علاه الصدأ. ـ سمعنا أن لديك مشروع كتاب مكتملاً حول الفن التشكيلي العراقي ينتظر فقط الناشر الجريء، هل لنا أن نعرف خلفية هذا المشروع؟ ـ بالفعل الكتاب اكتمل وهو يحمل عنوان «اللوحة التشكيلية العراقية المحاصرة»، ألفته منذ سنة ولا ينتظر إلا الطباعة، فأنا عاجزة عن طبعه لأسباب مادية بحتة لأن الكتاب الفني مكلف جدا. لقد ألفت هذا الكتاب بنفس المقاييس التي ملأت هاجسي حبا للفن ولأهل الفن، كان اهتمامي بإعطاء صورة عن اللوحة العراقية على مدى أوسع. الكتاب (المخطوط) هو موجود باللغة العربية والفرنسية. و إنني أؤمن بقاعدة هي أن المعاناة المختلفة تعطي إبداعا مختلفا أيضا. واقع الحصار بالعراق أعطى للوحة التشكيلية بعدا ساري الدهشة والانغلاقية من الاعتيادي إلى ما هو مأهول بالانكساريات على مستوى البعد والخط واللون، وهي لغة تشكيلية تقوم على الحدة في معايشة المعاناة والسكون النفسي المتقرب للحظة الميلاد من خلال الألوان والتقاطيع. ـ هل تتابعين جديد الكتابة الإبداعية في الجزائر؟ ـ على الرغم من سعادتي بعدد المطبوعات الجديدة في الجزائر التي تصدرها جمعية كتاب الاختلاف والجاحظية واتحاد الكتاب الجزائريين فإن المحتوى العام لما هو إبداعي وأقصد بالتجديد الشعر، القصة والرواية لا يزال في طور يجانب مقاييس العمل الإبداعي الناجح الواثق من أدواته المعرفية ورصيده العلمي الذي يؤمن الصفة الجادة لإخراج اعمال يمكن أن تضاهي الأعمال التي تصدر عن دور نشر عديدة في العالم العربي. إن الطباعة ينبغي أن تكون المرحلة التي تتوج معاناة كبيرة ووجعا ومكايدة في التجربة الكتابية المستعصية إلا على من ذاق حرقة الكتابة وفجيعة الحرف وحزن الحياة بكل معانيها. ـ لو قلت لك ما قاله الكثيرون من قبل: إن المثقف العربي هو الرقم الضائع في حسابات الساسة، بم تعلقين؟ ـ قال أحد الكتاب العرب إن الثقافة في هذا الزمن إنما هي فجيعة... لماذا هذا الانطباع؟ في تقديري لأن فعل المثقف يقتصر فقط على بناء مملكة من المخزونات والمعلومات تظل بحكم اقتصار دورها على صقل اعوجاج الحياة أو لأجل تحلية مرارتها، مجرد نزوات سريعة الزوال وحلما من الطراز الذي يصبح غماما ثقيلا على صدر المستقبل بدلا من أن يكون فاتحة لأمل يخدم هذا الغد. وليس من التشاؤم في شيء إن قلت إن المثقف العربي تحديدا يقف عاجزا أمام التحديات التكنومعرفية ليس لضعف مخزونه أو لانبهات ميراثه، ولكن لعدم عثوره على المسلك الموفق في ربط ما هو عريق وما هو حديث بفلسفة مجدية وهي لغة العصر المطلوب التعامل معها بدقة وانسجام وثقة في النفس. الجزائر ـ مراد الطرابلسي