الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 في نهار دافيء من ايام ابريل المقبل، سيصعد فريق من علماء الطب الشرعي والفنيين الاختصاصيين الى التلة التي تحوي مقبرة لوريلز الواقعة خارج مدينة فلورنسا، وبالقرب من اعلى التلة، سينعطفون امام مبنى شبه دائري من الطوب الوردي والاعمدة الحجرية الرمادية، وسيسيرون نحو مدفن عائلي يقع الى يمينهم وسيقومون بفتح بوابة حديدية صغيرة ورفع لوح حجري ثقيل من طريقهم ثم ستبدأ بعد ذلك مهمة مضنية، عديمة الرحمة وهي اخراج رفات آرثور آكتون، الوافد الانجليزي وجامع القطع الفنية وزوج امرأة اميركية ثرية ووالد ابنين شرعيين وليام، الذي مات في الحرب، وسيرهارولد، الذي وصف نفسه بأنه «آخر محب للجمال». من المنتظر ان تكون هذه المهمة صعبة، وستمثل المراحل النهائية من معركة قضائية مستمرة منذ ست سنوات ولكي يصل الفريق الى بقايا آرثور يتعين عليه في البداية ان يستخرج التوابيت الخاصة باقاربه الثلاثة واختراق طبقات الاسمنت التي تفصل كل واحد منهما عن الآخر لانهم دفنوا واحدا فوق الآخر. وسيتم بعد ذلك نقل بقايا آرثور الى مختبر للطب الشرعي، حيث سيتم اخذ عينة نسيجية من جثته واخضاعها لفحص الحامض النووي الـ «دي.ان.ايه». كل هذا سيحدث لان هناك معركة حب واموال تدور رحاها حول قبره، فبعد قرابة نصف قرن على وفاة آرثور هنالك خمسة اشخاص من الارستقراطيين الايطاليين عقدو العزم لا على اثبات تحدرهم غير الشرعي من صلب آرثور فحسب وانما ايضا على اثبات حقهم في الحصول على حصة من ميراثه وجوهرة التاج في هذا الصراع هي فيلا «لابييترا» التي تجذب الزوار مثلما يفعل تشرشل وبيكاسو ودي اتش لورنس وايرنست همنجواي وجراهام غرين والامير تشارلز وجزء من الغنيمة يتمثل في المجموعة الفنية التي تضم 5000 قطعة والموجودة في الفيلا المملوكة حاليا لجامعة نيويورك والتي تقدر الموجودات فيها بما يتراوح بين 100 و500 مليون دولار. كان آرثور اكتون الذي انطلقت مسيرته المهنية من اميركا حيث كان يزود الاثرياء باعمال فنية اوروبية قد استقر به المقام في فلورنسا في التسعينيات من القرن التاسع عشر وتزوج هورتنس ميتشيل وريثة عائلة مصرفية في شيكاغو. وبفضل الثروة الطائلة التي جلبتها له زوجته استطاع اكتون ان يستقر في فيلا لابييترا على بعد ميل خارج فلورنسا، وسرعان ما اصبحت الفيلا الواقعة في مكان عال يطل على واد ضحل وسط 57 فدانا من بساتين الزيتون والعنب سرعان ما اصبحت حسب رواية الاشخاص الخمسة مسرحا لعلاقة حب لولا حرص ابطالها على السرية، لاحدثت هزة عنيفة من الفضيحة في اوساط الجالية البريطانية في فلورنسا وكانت تلك الجالية في حينه في اوج مجدها حيث كانت تقيم العروض المسرحية الخاصة ذات الازياء المتقنة والحفلات الغنائية وحفلات الشاي الحفل تلو الاخر في الفلل المتناثرة في التلال المحيطة بالمدينة. وحتى اللقاء الاول الذي جمع الحبيبين والذي يعتقد بأنه تم في وقت ما من اوائل القرن العشرين، يعد لغزا والامر المعروف فقط هو ان ارسيليا بياشي، وهي امرأة ايطالية طويلة القامة زرقاء العينين في العشرينيات من عمرها اضطرت للبحث عن عمل في فلورنسا بعد ان خسر والدها ثروة العائلة في لعب القمار، لا احد يملك دليلا على وجود العلاقة بين الاثنين ولكن احفاد ارسيليا يعتقدون انها التقت بآكتون في عيادة لطبيب اسنان في ضاحية فياتورنابوني الراقية بالقرب من نهر آرنو، حيث كانت تعمل كمساعدة للطبيب، وقد صعق آكتون بجمالها الذي لابد انه كان يذكره بلوحات العذراء التي كان يجمعها بشغف، وبعد بعض الوقت عين آكتون ارسيليا كسكرتيرة له وكمدبرة للمنزل في فيلا لابييترا وعاشت في شقة على ارض العزبة. وفي السنوات التي سبقت الحرب العالمية الاولى والتي تلتها، شكلا زوجا رائعا، حيث كانا يسافران في سيارة «فيات» بحثا عن الكنوز المخبأة التي كان يمكن شراؤها في تلك الايام بثمن بخس. تنامت العلاقة بينهما وكذلك مجموعة آكتون من القطع الفنية وباع بعض القطع لكي يتمكن من شراء بعض من روائع الاعمال ومنحوتات العصور الوسطى وقطع الفسيفساء الرومانية وبحسب رواية احفادها فان ارسيليا قد حملت من آكتون وانجبت ابنة اطلقت عليها اسم ليانا وكان ينفق عليها وعلى ابنتها واحفادها حتى وفاته في عام 1953 عن عمر يناهز 80 عاما. والآن ينتظر الجميع نتائج فحص الحامض النووي الـ «دي.ان.ايه» لتحديد نهاية المعركة القضائية المحتدمة منذ سنوات واذا ما اثبت الفحص ان الارستقراطيين الايطاليين الخمسة هم من ورثة آرثور آكتون الشرعيين فسيكونون على موعد مع المجد سواء من ناحية الشهرة او الثروة. ضرار عمير