الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 ضمن سلسلة الشهادات التي قدمها نخبة من كبار الممثلين والمسرحيين في الندوات المرافقة لفعاليات ايام الشارقة المسرحية، قدمت الفنانة الكويتية ، المعروفة مريم الصالح شهادة عن مسيرتها الفنية كواحدة من رائدات العمل المسرحي الكويتي والخليجي بصورته العامة، ادارت الجلسة الفنانة سميرة احمد بحضور عدد كبير من المسرحيين والاعلاميين والمتابعين لفعاليات الايام المسرحية. عنونت مريم الصالح شهادتها بـ «شقاوة وتمرد وحب استعراض» عائدة الى طفولتها الاولى مشيرة الى انها كانت قاسية وجافة خالية من التسلية وادواتها المتوفرة اليوم. وكانت عوالم البيت تقوم على تربية صارمة وظالمة لدرجة ان كل شيء فيها كان ممنوعاً، ولكن هذا التشدد لم يمنعها من التمرد، فكانت تقوم بكل ما هو ممنوع عليها من مخالطة النسوة الكبار، واللعب مع الصبيان وغيرها من المفردات والاشياء المحظورة بفعل العادات والتقاليد. الأم كانت بسيطة وغير متعلمة، ادخلتها الكتاب «المطاوعة» لتعلم القرآن رغم وجود المدارس، لكن مع المطاوعة وحفظ اجزاء من القرآن جعلها متميزة في المدرسة، لكن مريم لم تتوقف عن سلسلة تمرداتها فحتى المطاوعة كان لهم نصيبهم من ذلك. في مرحلة التعليم الابتدائي اكتشفت في نفسها حب الاستعراض، وراحت تقوم بكل ما يجعلها تلفت الانظار، وفي ذلك الزمن كانت هناك بعض دور السينما وكانت هذه الدور تخصص اياماً للنساء واخرى للرجال، وكان احد بيت الاثرياء المجاورة حيث كانت تحضر الافلام، وكانت تهرب من البيت ليلا لحضور الافلام مستغلة نوم الأم المبكر. المرحلة الابتدائية الثانية شهدت دخول مريم الصالح الى فريق للتمثيل المدرسي حيث قدمت اول تجربة لها وكانت عن قصة بعنوان «ملح الطعام» وفي المرحلة المتوسطة اشتركت في تمثيلية «نسيبة بنت كعب» وفازت هذه المسرحية على مستوى مدارس الكويت ونالت الميدالية الذهبية، هذه المسرحية كانت مهمة جدا، لان حضورها كان مفتوحا على العائلات والاهالي، وجميع هذه الخطوات كانت غير معروفة من قبل اهلها وخاصة عمها الذي كان قاسيا ومتشددا الى درجة كبيرة ورغم ان الكويت اهتمت مبكرا بالمسرح المدرسي الا انها لم تكن قادرة على المضي قدما في حلمها بسبب الخوف من ردات الفعل الى الدرجة التي قررت فيها التخلص من هذا الحلم وتغيير مسار حياتها، حتى جاء عام 1961 عندما انشأت الكويت مسرحها الوطني واستخدمت المسرحي الراحل زكي طليمات واعلن في الجرائد عن حاجتهم للعنصر النسائي للعمل في المسرح، وبالفعل تكونت فرقة المسرح العربي وهنا كانت الحيرة المقرونة بالخوف، فما كان من مريم الا ان اخبرت احدى صديقاتها التي كانت تتمتع بالجرأة وقامت هذه الاخيرة بالاتصال بالفرقة المسرحية واخبرتهم عن مريم وانها ممثلة وشاركت في العديد من الاعمال وترغب بالانضمام الى المسرح بشريطة ان يعملوا هم على اقناع اسرتها بذلك، وبالفعل ذهب محمد النشمي في زيارة لوالد مريم في محاولة لاقناعه، لكن هذا الطلب قوبل بالرفض باديء الامر. غير ان الوالد اقتنع فيما بعد مع الالحاح وتعدد الزيارات لكنه اشترط ألا تذهب بمفردها وانما مع شقيقها الصغير الذي راح مع الوقت يعاني من التعب والملل الى ان قرر نهاية المطاف رفض الذهاب معها. ثم جاءت محاولات اقناع الام بذلك والتي لم تقتنع الا بعد ان قال لها انها ستبقى لابسة للعباءة وهذا ماحدث فعلا .. وبالفعل تأسست الفرق المسرحية وكانت تضم 20 شابا وفتاتين كانت هي واحدة منهما. اول عمل قدمته مع المسرح العربي كان صقر قريش عام 1962 وقد حضرت والدتها هذه المسرحية وقد كان الحظ مرافقا لمريم حيث ان العمل كان تاريخيا وكانت الالبسة محتشمة ومغطية للرأس والجسد لكن رحيل الوالد فتح المجال امام عمها المتشدد في التدخل والذي راح يرسل لها رسائل التهديد والوعيد لكنها استطاعت وبارادتها القوية تخطي هذه العقبة. فيما بعد انتقلت مريم الصالح الى المسرح الشعبي وقدمت اول مسرحية حققت جماهيرية كبيرة لانها كانت بالعامية وعرضت لفترة طويلة، وتعتبر هذه المسرحية اول عرض سافر خارج الكويت حيث عرضت في البحرين وفي عام 1964 تأسس مركز الدراسات المسرحية فانضمت اليه متحدية ايضا رفض المسرح الشعبي لذلك، والذي قطع عنها راتبها الشهري الذي كانت تعتمد عليه كثيرا في حياتها واعالة عائلتها، وعند تأسيس المعهد المسرحي في الكويت كانت من اولى خريجاته عام 1979 ثم سافرت الى انجلترا عام 1981 لمتابعة دراستها في المسرح والتلفزيون والسينما وعند عودتها راحت تتلمس العقبات العديدة التي وقفت في وجهها من قبل مجموعة المسئولين الذين كانوا يتحكمون بالقرار في هذه المجالات لكنها في النهاية قررت التفرغ للتمثيل، لتقدم الى الشاشة والمسرح المئات من الاعمال والتجارب ولا تزال رحلة العطاء هذه مستمرة حتى اليوم، ونالت ايضا المئات من الجوائز وشهادات التقدير. واشارت مريم الصالح إلى انها ورغم الضغوطات العائلية الكبيرة التي راحت تتعرض لها وخاصة مؤخراً في ضرورة الاعتزال وارتداء الحجاب، الا انها ترفض الاعتزال وستواصل العطاء والعمل حتى آخر لحظة من العمر. هكذا كانت شهادة الفنانة القديرة مريم الصالح بسيطة متواضعة متجاهلة الكثير من مواقفها الانسانية وكفاحها الدائم والمستمر ليس فقط على الصعيد الفني بل على الصعيد العائلي.