الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 حينما يلتقى عبدالله مسعود وعبدالله راشد فارسا فرقة مسرح دبا الفجيرة في عرض مسرحي، تتحول خشبة المسرح وبما فيها من اكسسوارات ، وديكورات الى هامش ضئيل، فهما حينما يبلغان ذروة الانسجام الادائي يحولان كل الفضاء المسرحي الى عالم مجنون بالدلالات والرموز. الثنائي عبدالله راشد ومسعود التقيا في مجموعة عروض وفي عدة مهرجانات محلية وعربية وعالمية، وفي كل مرة يخرجان فيها من عرض ما يكون جمهور الصالة بانتظارهما. ما الذي يجعلهما في هذه الهالة؟ وما سر هذا الانسجام؟ في المسرح لا يجوز لنا ان نسأل مثل هذا السؤال، فالمسرح دربة مستمرة وبحث دؤوب في التفاصيل، ولأنهما يفعلان ذلك ويعشقانه وينطلقان به الى اقصاها فهم يجنون ثمرات ذلك الكدح والتعب. بالامس قدم هذا الثنائي الرائع مسرحية «ابحر في العينين» للعراقيين عواطف نعيم تأليفا وعزيز خيون مخرجا، وتكاملت الصورة في عرض رصت ادواته ومعطياته بشكل دقيق، فالنص جاء بفكرة مفتوحة على نافذة الدلالات والاشارات فصار يمد حباله التي شابهت الحبل الابيض الذي ربط بين الممثلين في لحظات من زمن العرض الى صالة الجمهور.. الوطن، الحصار، الشقاء، «تابع يتبع تابع»، الاستسلام، الاستغلال والسطوة التي تمارس على رجل حر، ان تقول كلمة الحق والحقيقة بلا خوف، وان تنخدع فتجد في يدك بندقية لعبة..مد النص اشاراته ودلالاته التي تنمو كأفرع الشجر لتفتح مع المشاهد سيرة من الحوار ومن الحديث الطويل، ومثل هذا النص ينجح دائما لأنه خارج الاطار الضيق للفكرة.. وبهذا نجحت المؤلفة عواطف نعيم في تحوله الى مقولة صالحة لكل زمان ومكان وكل عذاب وشقاء يتعري الانسان. على الجانب الاخر يقرأ المخرج عزيز خيون تفاصيل خطته الاخراجية امام نص مشحون بالدلالات والاشارات وممثلين بعنفوان الخيول فيقدم فضاء مسرحيا مؤثثا بوعي دقيق لكل تلك الاشارات والدلالات.. ديكور بسيط وقطع تمتاز بالخفة والكثرة تتجمع وتتفرق تتحول وتتشكل مع سير دقائق العرض، يتحرك الممثلان في كل الاتجاهات، يتلقيان ويتفرقان، يدوران حول بعضها البعض، يلعبان اللعبة ذاتها التي تلعبها دلالات النص. «ابحر في العينين» عرض مسرحي تكاملت فيه الاحاسيس والمشاعر بين اللاعبين الاربعة (المؤلف المخرج الممثلان) فصار تحفة فنية رائعة، وصار بجملة تفاصيله كلها جملة متراصة الكلمات ضاقت جدا، فلم تترك لها ثغرة، فاحتملت المعنى الكبير. في اللعبة الاخراجية الرشيقة التي اسسها المخرج عزيز خيون هناك تفاصيل التفاصيل، وهناك ذهاب ومجيء للممثلين والاكسسوارات وقطع الديكور، كل شي ناطق، متحرك يقول ما يريد قوله دون تكلف او عناء، ومثل هذا التناول، ومثل هذا الاسلوب المخادع تتشكل الفخاخ والمطبات للايقاع بالمشاهد، جملة حوارية طويلة تتكسر رتابتها بطرق ومستويات من الاداء والحركة، اضاءة تفتح في اليمين واخرى في اليسار، ينتقل الممثل الى الطرف المغاير، من هنا يخدع خيون المشاهد ليبقيه على يقظة بصرية وهذا بالفعل ما استطاع عرض ابحر في العينين ان يوقع مشاهديه في شباك اللعبة الكبيرة.