الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 أبان الحرب العالمية الثانية سافرت الى مدينة «ترنوفو» بسبب اضطراري لبيع قطعة ارض ورثتها عن والدي. اذكر ان مساحتها لم تكن صغيرة، فهي تتسع لبناء حي جديد على جانب الطريق الى بلدة «سيفلييفو» حيث كانت تمتد في زمن مضى كروم العنب. عندما وصلت الى «ترنوفو» ذهبت الى السوق القديم من اجل طرح موضوع بيع الارض، على من اتعرف عليهم هناك. كان الطقس حاراً جداً، وكانت الشواع تغص بالبؤساء وعلمت ان الماء لم يعد يكفي اهالي البلدة اضافة الى ندرة المواد الغذائية بسبب الحرب.. وعندما تجولت في شوارع البلدة رأيت الجوع واضحاً على وجوه الناس الشاحبة. مثلما حدث إبان الحرب العالمية الاولى للقرية واهلها، على ايدي جنود الاحتلال الالماني.. انذاك كنت غلاماً، ولكنني مازلت اتذكر ماشاهدت وماعانيت. ـــ ها قد عدت بعد ربع قرن الى مدينتي من اجل بيع قطعة الارض فأرى ان ابناء اولئك الجنود قد عادوا لاحتلال القرية. وعلمت انه كلما حل المساء يتوافد القراصنة الالمان من معسكراتهم الى ترنوفو، فيفر المواطنون بأنفسهم واشيائهم عبر الدروب المظلمة ليختفوا فلا احد منهم يرغب بأن يتعرض الى الاهانات والمشاحنات مع جنود مسلحين. وفي احدى جولاتي وصلت الى امام احد مقراتهم، فرأيت عدداً منهم يتسلون بتقدم القطط الصغيرة الحية الى طائر يشبه الصقر الكبير. في اليوم التالي لوصولي الى ترنوفو، انطلقت على الطريق القديم، وتلفت حولي باحثا عن غابة الاكاسيا فلم ارها، لقد اندثرت لتنتصب مكانها جدران بيضاء عالية. ان الشيء الوحيد الذي لم يكن قد تغير، هو الطريق المرصوف بالحجارة الذي كان يمر عليه الاسرى، فسلكته الى ان وصلت الى «فيلا» جديدة يحيط بها بستان فيه رجل عجوز نحيل.. تفرست بوجهه قدرت انه على الارجح استاذ مدرسة متقاعد. سألني الرجل عمن ابحث.. عرفته بنفسي، وقلت له انني صاحب الارض التي تقع خلف بيته، فحدق في مندهشاً ثم ابتسم وقال: ـ أوه.. اذن انت «كوليو»؟ التلميذ العفريت! هل تذكرتني؟! نظرت الى عينيه المتعبتين وانفه الكبير، وفمه الخالي من الاسنان، فعرفت انه استاذي في مادة الرياضيات الذي كنت ازعجه كثيراً، اجل انه السيد «بيتروف» الذي كنا نلقبه بالعنزة بسبب لحيته التي كانت نهايتها مثل قلم مبري. وعندما اخبرته انني انوي بيع ارضي. رد علي: ـ الافضل لك ان تحتفظ بأرضك؟ سألته: لماذا؟! قال: هذا هو رأيي.. انا لا أحب ان يبيع الانسان ارضه. ـ لو لم اكن في حاجة الى المال لما بعتها يا استاذ. فأجابني بمزيد من الامتعاض: ـ انني متأكد من انك عندما سترى ارضك وهي خلف بيتنا. ستعدل عن بيعها.. لانه بإمكانك ان تبني عليها بيتاً مثل بيتنا الجميل هذا! نهضت من مكاني، وسرت بضع خطوات لا تأكد مما يقوله ـ كل شيء هنا قد تبدل كما ترى!.. انظر الى ذلك الكوخ انه بيت العقيد، هل تتذكره؟ اما ارضك فإنها هناك. تذكرت العقيد وتأملت بيته الذي يشبه الكوخ وسألت الاستاذ: أهذه كل ارضي؟! اجابني ضاحكا: ـ هل تظن نفسك ملك ترنوفو؟ ألا تعرف ان الانسان عندما يكون صغيراً يرى الاشياء كبيرة؟ .. لكن قل لي هل تذكرت العقيد وزوجته؟ ان لها قصة محزنة! كنت قد نسيت قصة زوجة العقيد، لكن الاستاذ اثار خيالي فبدأت اتذكر تلك المرأة.. كانت تجلس على كرسي صغير امام ذلك الباب، وجهها ذو العينين الزرقاوين الغائرتين كان حزينا على الدوام.. اجبت الاستاذ: ـ لقد تذكرت كل شيء.. يا لتلك الايام تباً للحرب فإنها من اكره ما يفعله البشر. تابع الاستاذ سرده لحكايته: في اواخر صيف عام 1916 اكتسح المدينة وباء «التيفوس» بسبب الاقذار والاوساخ المتراكمة في كل مكان، في تلك الآونة، كان العقيد قد هجر بيته في المدينة، واتى الى هذه الضاحية، ليسكن مع زوجته في هذا الكوخ الحجري البارد هرباً من التيفوس.. فمنع اي انسان من الدخول الى كوخه. كانت المدينة ملأى بالاسرى وكان ذلك العقيد يجبر الاسرى الصربيين على تنظيف التربة من الاحجار دون داع، وانما فقط لانه كان يكرههم، لان الصرب جرحوه في حرب البلقان فسببوا له عجزاً في جسده حوله الى ضابط اداري. كانت زوجته تعيش في الكوخ حياة موحشة، لاسيما بعد ان منعها زوجها من الذهاب الى المدينة لزيارة اهلها، خوفاً من الوباء، اما هو فقد كان يذهب كل صباح الى عمله ثم يعود وقت الغداء من اجل ان يأكل ويستريح قليلاً ثم يعود الى عمله فيبقى حتى الساعة الثامنة مساء.. وفي بعض الليالي كان يتسلى مع زوجته بورق اللعب، أو يحدثها عن اخبار الحرب. لقد كانت الزافيتا زوجة تعيسة حقا، فالعقيد رجل فظ.. ولقد مرت حياتها معه بثلاث حروب خلال سبعة اعوام. بعد ظهر احد الايام كانت زوجة العقيد جالسة امام الكوخ في ظل شجرة الجوز. وكان زوجها قد عاد الى عمله والوصيف قد ذهب ليجلب الماء.. فجأة سمعت رنين الجرس المخبأ في الدغل وبعد لحظات سمعت الرنين مرة ثانية، ثم مرة ثالثة لم يكن يخطر في بالها ان اللصوص يمكن ان يداهموا بيتها في رابعة النهار، فانطلقت نحو بيتي.. انا ايضا كنت قد سمعت صوت الجرس فخرجت لاتبين الامر. وما ان وصلنا الى شجرة الدراق حتى صرخت: من هنا؟ هيا.. هيا اخرج. خرج من بين الاشجار رجل شاب اسمر اللون حاسر الرأس اسود الشعر، يحمل بين يديه خوذته العسكرية وقد ملأها بالدراق والعنب! تبادلنا نحن الثلاثة النظرات صامتين.. كان ضامراً حافي القدمين لفحت الشمس وجهة وظهرت عليه علامات التعب والاضطراب.. لكنه كان رجلاً جميلاً.. ولاحظت انه لم يحد ببصره عن زوجة العقيد. ـ كيف تجرأت على الدخول الى هنا!.. هل تعلم بستان من هذا؟ ـ اعذريني ايتها السيدة.. انني جائع وانا جندي اسير. كان صوته هادئاً.. ثم ابتسم فظهرت اسنانه البيضاء الجميلة، وبدا لنا انه لا يكذب، وانه جائع حقاً.. فنظرت الى الزافيتا نظرة فهمت منها انها ترغب في العفو عنه.. ثم قالت: له: ـ كان عليك ان تستأذنني من اجل ان تقطف بعض الفاكهة.. ثم راحت تتأمل الشاب الذي كان يحدق فيها دونما حياء ثم قالت له: اذا كنت جائعا الى هذا الحد فتفضل معي. عندما وصلنا الى الكوخ تركنا الزافيتا امام الباب.. فجلسنا على المقعد الخشبي، فأخبرني الشاب ان اباه كرواتي، وامه صربية وانه موسيقى كان يدرس موسيقى في احدى ثانويات بلغراد. عادت زوجة العقيد تحمل طعاماً قدمته له: تناوله بيد مرتجفة، لكنه لم يأكل، فأدركنا انه يخجل من جوعه فابتعدنا عنه. قالت لي الزافيتا: استطيع ان اعطيه بعض الالبسة. ـ حسن ستفعلين.. انه زميل لنا.. معلم فسألتني باستغراب: معلم؟! قلت: نعم.. معلم.. استاذ موسيقى في احدى مدارس بلغراد! هزت رأسها، وهرعت الى الكوخ، ثم عادت وهي تحمل بعض الملابس الداخلية. واقتربنا من الاسير، وكان قد انتهى من تناول طعامه فقالت له مبتسمة: خذ هذه الملابس.. حاول ان تأتي بين حين وآخر كي اساعدك.. احمل خوذتك معك بما فيها من دراق. لتأت في مثل هذا الوقت. اي عندما اكون وحدي! استغرب الجندي الاسير، حتى دون ان يعلم ان السيدة التي تتحدث معه هي زوجة العقيد المتغطرس، وكان يرمق الزافيتا بكثير من الفضول. ثم هز رأسه موافقاً.. فسألته وهي تمعن النظر اليه: ـ ما اسمك؟! اجابها الجندي: ايفو اوبريتينوفيتش، كنا قد وصلنا الى آخر البستان، عندما توقفنا لنودعه، انحنى الاسير وقبل يد الزافيتا باحترام وظل ممسكاً بكفها بين كفيه، وهو يتأملها بشغف، ولم تبد أي تبرم، بل كانت تبتسم! وبعد ان غادر، طلبت مني ألا اخبر زوجها بما حدث، اذ سوف يزعجها كثيراً اذا ما علم انها قد ساعدت واحداً منهم.. وعدتها بنسيان الموضوع فسألتني: ـ أهكذا يعيش الاسرى؟! فأجبت: بل اسوأ مما رأيت بكثير. بعد ايام وهي تقرأ في رواية، سمعت صوت وقع اقدام، نهضت من سريرها وفتحت الباب، فرأت الاسير بين الاشجار. وما ان لمحها حتى اقبل نحوها دخل الغرفة واغلق الباب خلفه.. مدت له يدها وهي تبتسم فأخذ كفها بين كفيه، ثم قبلها. ـ ظننت انك لن تأتي.. لما طال غيابك انتظرناك انا وزوجة المعلم عند الطريق الذي يمر منه الاسرى فلم ارك ألا تخرج معهم؟ ـ كلا.. انني اشتغل في المعسكر. راح الاسير يحدق فيها بعينين ينبعث منهما بريق عجيب، فأحست انه يدخل الى روحها لكنها انتبهت الى حالها فخاطبت نفسها: ماذا جرى، هل جنت؟!.. يجب ان اعطيه الحذاء كي يرحل! ـ هذا لك! شكراً.. شكراً جزيلاً. ـ أظن انه سيفيدك.. انه حذاء زوجي. ـ أين زوجك؟ ـ في البلدة.. انه موظف! لا ارى سواك هنا!.. أليس لك اولاد؟.. انا اعرف زوجك، انه العقيد قائد موقع البلدة. اندهشت وسألته: ـ من قال لك هذا؟! سألت فأخبروني انك زوجة العقيد.. لماذا لم تخبريني؟ أجابته باستحياء: لانه رجل متغطرس ويكره الاسرى. لكنك انسانة طيبة. يجب ان تكون حذراً جداً عندما تأتي الى هنا.. أنا لست وحدي دائما. اعرف ان عندكم خادماً وخادمة. ـ كيف عرفت؟ تجسست عليكم. ـ هل تريد ان تأكل؟! لن ارفض الدعوة. تناولت رغيفاً من الخبز وقطعة كبيرة من الجبن، وضعتهما في كيس. وقالت له: ايها الشاب العزيز. سيأتي الخادم. ما ان غادرها الاسير حتى سمعت وقع حوافر حصان فعرفت ان الخادم قد عاد، وعندما صار امامها سألها بلهجة احست ان فيها تقريعاً لها: هل تريدين ان تشربي ماء بارداً؟ ادركت ان الخادم قد شاهد الاسير في الطريق وهو يحمل زوج الاحذية. ـــ في اليوم التالي، بعد ان تجاوزت الساعة الثالثة، الموعد الذي حددته للاسير، نظرت نحو الاشجار فرأت عينيه في مكانهما بين الاغصان. اصطرعت في نفسي الزافيتا عاطفتان بعد ان شعرت ان علاقتها بالاسير قد بلغت نقطة حاسمة فإما ان تقعطها معه، فتحتفظ باعتدادها بنفسها، او ان تستجيب لنظراته، وفي ذلك فضيحتها وخراب حياتها الزوجية وهلاك الاسير حتما ـــ خاطبت نفسها: يجب ان اطلب منه ألا يأتي الى هنا بعد اليوم.. لقد جاء هذه المرة ليراني.. وليس من اجل ان يأخذ حذاء! ثم عادت وسألت نفسها: ولكن هل سأستطيع؟ هكذا اصبحت في حيرة من أمرها، لا تدري ما بإمكانها ان تفعل، فهل تطلب منه ألا يزورها بعد الآن؟! أم تنتظر حتى يمل ويذهب من تلقاء نفسه.. ووجدت نفسها تقول للخادمة بصوت مرتجف: ـ أشعر بأن جرس البستان يرن.. ابقي هنا.. سأقوم بجولة بين الاشجار كي اتأكد من ان احداً لم يتسلل الى البستان! اياك ان تلحقي بي.. حتى لا ينتبه اللصوص.. اعني ان كانوا موجودين! خرجت باتجاه الاشجار التي كان يختفي خلفها الاسير، ولما دنت منه، ولاحظت ابتسامته، قالت له بصوت منخفض: ـ اتبعني!! تبعها الاسير الى خلف الكوخ، كانت ترغب في ان تظهر امامه بمظهر المرأة المحرجة والغاضبة في آن معا، لكنها سرعان ما افصحت اساريرها عن ابتسامة لا ارادية، أدرك الاسير حالتها، وقال لها: ـ اعتقد ان مجيئي لا يضايقك؟ اضطربت، ولم تستطع ان تقول له انه يجرجها لان بريقاً عجيباً كان يشع من عينيه الواسعتين السوداوين، فاكتفت بأن قالت له: بماذا استطيع ان اساعدك؟! غمز الاسير بعينه، وقال: بقبلة! ثم اعطاها يده فامسكتها بتردد وهي تتأمل شعره الاجعد، فاضاف مبتسماً: ها قد اتيت! فسألته: كيف خرجت من المعسكر؟! ـ انني هناك اعتني بضابط فرنسي مصاب بانهيار عصبي.. ابقى معه دائما كي امنعه من الشراب.. وهو الآن نائم.. بعد ان شرب كثيراً.. انني ازعجك..أليس كذلك؟! لا ادري ماذا اقول! ـ هذا يعني انك تحبينني. كيف عرفت. ـ لان العشاق لا يدرون ماذا يقولون. هل تدري انت؟ ـ كلا.. ابداً. ماذا تريد ان تقول؟! ـ لقد اتيت للمرة الثالثة.. لانني لا استطيع إلا ان اراك.. لذا سأظل آتي.. ولكن ليس من اجل الطعام.. بل من اجلك انت! لأول مرة في حياتها احست بأن رجلاً يتأملها بدافع مشاعر صادقة، كما شعرت في تلك اللحظة بأنها قد تعرفت الى اعماق روحه فبادلته تأملاً بتأمل. بيد انها ما لبثت ان انتبهت الى نفسها، وهي تسمع دقات قلبها، فحاولت ان تبعد عينيها عن نظراته، ارتجفت من رأسها الى اخمص قدميها. لكنها بدلاً من ان تنسحب من امامه، ارهفت سمعها لكلماته: ـ يجب ان اراك!.. عندما افكر بك انسى كل مصاعب حياتي.. ان مثل هذه الدقائق القليلة التي اقضيها معك تعيد الي ثقتي بالحياة! فقالت له: ـ انني لا اعرف شيئاً عنك. ماذا تريدين ان تعرفي.. ها انا ذا امامك.. مجرد اسير لا يعرف مصيره! مد الاسير يديه، واخذ كفها بين كفيه، فقالت له بصوت خافت: ـ قلت لك يجب ان اذهب. لم يتمالك الاسير نفسه، فجذبها اليه، وضمها الى صدره وقبلها من خدها وفمها بشفتيه المرتجفتين. تملصت الزافيتا من بين ساعدي الاسير القويين، ـــ عندما سهرت الزافيتا مع زوجها، لم تتفوه بكلمة واحدة ولما سألها عما بها ادعت انها تعاني من ألم شديد في رأسها، ثم نهضت واستلقت على فراشها، وسحبت اللحاف فغطت رأسها، كأنها تريد ان تهرب من نظراته واسئلته. وراحت تستعيد وتسترجع من ذاكرتها كل كلمة سمعتها من الاسير. ولما تذكرت قبلاته انتابها شعوران متناقضان: شعورها بالاثم، لانها زوجة رجل معروف، كما لم يسبق لها طيلة حياتها الزوجية ان سمحت لنفسها حتى بمجرد الاعجاب بأي رجل آخر. اما الشعور الثاني فهو شعور الزوجة المحرومة من اي حب حقيقي تعيش مع رجل لا يهمه من أمور الدنيا إلا حياته الوظيفية، ولم يحاول ان يجعلها تحس في اي يوم من الايام الطويلة والمملة التي عاشتها معه، بأنها تشكل بالنسبة له شيئاً ما مهماً، كل ذلك كان قد جعل حياتها اشبه بالحياة في ثكنة عسكرية. في اليوم التالي، وفي ذات الميعاد، جاء الاسير الى الكوخ كانت قد صرفت الخادمة مبكراَ، وخرجت لاستقباله بحفاوة بالغة لم تكن تتوقع ان تبدر منها، حتى انها استجابت لغزله دون اية تحفظات كانت تشعر بها من قبل، وبعد ان ودعها وعاد الى معسكره، جلست تحاسب نفسها بنفسها حساباً عسيراً جعلها تبكي بدموع غزيرة، ثم عادت لتسأل نفسها عن سبب بكائها لكنها لم تتوصل الى نتيجة، هل هو بكاء عاشقة غادرها حبيبها، اما بكاء زوجة شعرت بتأنيب ضميرها بعد خيانتها لزوجها؟! صار الاسير يأتي كل يوم الى الكوخ وصارت تنتظره بفارغ الصبر، وراحت تزداد تعلقا به، كما ازداد سخطها على حياتها، وكم كان يسعدها ان تتذكر قوله لها بأنه لم يشعر بأنه أسير لانه اضحى اسير حبها وحده! كان الحب قد حول الزافيتا الى انسانة تحس بدفء الحياة وتشعر بعلاقة جديدة تربطها بالعالم، لم تكن تحس بها من قبل، حتى روحها صارت ادق احساساً واعظم احتفاء بالطبيعة، وكم كان يسرها ان تلاحظ ان بشرتها قد اصبحت اكثر نضارة من ذي قبل وان بريقاً جذاباً اضحى ينبعث من عينيها فيزيدها سحراً وذات مرة قالت لها الخادمة: ـ انك تبدين صبية. الناس يكبرون وانت تصغرين وتصبحين اجمل! اما العقيد فقد امسى على العكس من زوجته تماماً. اذ كانت اخبار الجبهة تزيده هماً وقلقاً، كما ان ظهور بعض قطاع الطرق الخطرين في المنطقة ضاعف من اعباء عمله، هذا بالاضافة الى ازدياد عدد الاسرى الذي يهربون من المعسكر، او يموتون من الزحار والحمى التيفية. كل ذلك سبب للعقيد ارهاقاً وهما، واساء الى سمعته في وزارة الحربية. حاول العقيد اكثر من مرة ان يشرح ظروف عمله ولو باقتضاب لزوجته، بيد انها لم تكن تصغي اليه.. وكان قد لاحظ انها تغيرت تغيراً غريباً، دون ان يدري السبب.. صارت تعتبر كل المسائل هموماً تخص زوجها وحده.. وعندما كان يجلس ليتناول الطعام معها، كانت تصمت وتدعي فقدان الشهية.. لكن عشقها للاسير لم يكن يشغلها عن ان تلاحظ نحول زوجها وبروز عظام صدغيه وانطفاء بريق عينيه.. فكانت تسأل نفسها في لحظات استيقاظ ضميرها: هل يجوز ان اتركه يذوي ويهرم، وان اكون انا سعيدة؟! فتقرر ان تزيد من عنايتها بصحته وغذائه، لكنها كانت تعرف جيداً ان ذلك لن يعجب زوجها، فهو من الرجال الذين لا يرضون ان تعاملهم نساؤهم معاملة الاطفال! ذات مرة قال لها ميخائيل: انك تزدادين شباباً، حتى ان مشيتك لم تعد كما كانت من قبل.. اضطربت قليلاً واجابتك: ـ هل تريدني ان اشيخ مبكراً؟! كلا.. أنا لا اريدك ان تهرمي.. لكني لاحظت انك قد تغيرت كثيرا، خصوصاً من الناحية النفسية.. وتغيرت تصرفاتك معي! في احدى الليالي جلس الزوجان كعادتهما امام الكوخ، تحت ضوء مصباح الكاز، راح يفكر في عمله وفي امور السياسة بينما هي تفكر بالاسير، ثم حدثت نفسها وهي تتأمل وجه ميخائيل المهموم: انه يشعر بالتقدم في السن.. يريدني ان اذبل معه، بعد ان منحته صباي.. ففاجأها زوجها سائلاً: بم تفكرين؟! ارتبكت واجابته: ـ لا افكر بشيء!! هذا غير صحيح.. انك شاردة وعقلك ليس هنا.. اريد ان اعرف.. ما الذي تخفينه عني؟! ماذا تريد ان تقول؟ ولاحظت في نظراته حنقاً غير عادي اما هو فقد هز رأسه متوعداً واجابها: ثمة شيء خطير.. تصرين على اخفائه عني! امتقع وجهها فتظاهرت بالانشغال عن حديثه، وما ان التفتت نحو الباب حتى لمحت الوصيف جالساً ينصت الى حديثهما، فتساءلت في سرها عما اذا كان ذلك الرجل الذي اصبحت تكرهه، قد اعلم زوجها بأنها اعطت حذاءه لاسير شاب؟! ثم اجاب زوجها بشيء من الحنق: ـ لست ادري!.. ثم اضافت: دعني الآن من هذا الحديث.. لم اعد احتمل اريد ان اتنزه قليلاً بين الاشجار.. وسارت باتجاه شجيرات العنب، بينما كان العقيد ينظر اليها باستهجان. الزافيتا.. عودي حالا! ولما عادت الى الكوخ، سألها: لماذا ذهبت؟! اجابته باقتضاب: ـ أردت ان اتنزه قليلاً بين الاشجار في العتمة؟! ـ نعم في العتمة. ما هو سبب هذا التبدل في تصرفاتك؟! ـ أنت واهم. كلا انا لست واهما.. لكن هذا لا يعني انني لا احبك! انك تخفين عني شيئاً لا اعرف حقيقته! كان العقيد يشعر بوطأة الظروف من حوله تسحق نفسه، فيزداد خشونة في معاملة زوجته ومن هم حوله من الناس. ولشد ما كانت تزعجه رؤية الاسرى من الصربيين، اذ كان يرى الشماتة على وجوههم الشاحبة، فقد ادركوا ان الحرب قد اقتربت من نهايتها، وكان وضعه الرسمي يفرض عليه ان يقمع المظاهرات حتى التي تنظمها النسوة الجائعات، فقد امر في احدى المرات باعتقالهن، اذ خشى ان تتحول احدى مظاهراتهن الصاخبة الى انتفاضة شعبية، ومع ذلك فإن كل التدابير التي كان يتخذها، لم تساعده على تحسين سمعته الوظيفية التي كانت قد تدهورت في اوساط القيادة.. وعلاوة على ذلك، انتشرت في المدينة حوادث السرقة. حتى ان بعضهم صار يتجرأ على بستان العقيد نفسه، دون ان يستطيع وصيفه ان يفعل شيئاً، وعندما ادرك العقيد ذلك، اعطى بندقية صيد لوصيفه وقال له: ـ اطلق النار على كل من يعتدي على البستان.. انا المسئول! مرت على الزافيتا خمسة ايام قاسية لم تر فيها الاسير ولطالما انتظرته تحت الشجرة وهي ترهف سمعها لساعات طويلة لعلها تسمع خطواته. لم تستطع ان تستدل على مكان المعسكر. ولما شعرت بأنها ستسقط من الاعياء، تحاملت على نفسها وعادت ادراجها باتجاه كوخها. خطر في بال المعلم جار العقيد ان يزور كوخ العقيد، لعله يسمع منه بعض الاخبار لكنه ما ان قرع باب الكوخ حتى سمع من الداخل صوت العقيد يقول بلهجة صارمة: ادخل. دخل المعلم، فوجد العقيد جالساً يقرأ الصحف. اما الزافيتا فقد كانت واجمة فوق سريرها، فظن المعلم انها مريضة. القى التحية على العقيد وسألها: ـ هل انت مريضة ايتها الجارة؟! انتفض العقيد من مكانه، وقال للمعلم: ـ ليست مريضة!! وليس عندي اية اخبار! فأجاب المعلم بلهجة مرتبكة: ـ عفواً.. انما اردت ان ازوركم لفترة وجيزة.. ربما اكون قد اخطأت انفعلت الزافيتا وتدخلت بالحديث قائلة للضيف: ـ انه دائما كما تراه.. وانا لم اسأم حياتي دونما سبب!! اطرق المعلم قليلاً، ثم وجه حديثه الى العقيد: ـ انني آسف جدا!! ثق بأنني سوف اغادر بيتك دونما اية ضغينة! لانني اقدر ظروفك جيدا!! خاطبت الزافيتا المعلم: ـ هم السبب! انهم يشتركون في حروب لا مصلحة للوطن فيها.. وينغصون حياة الشعب.. ويقتلون ابناءنا وابناء غيرنا دونما سبب!! القى العقيد بالصحيفة التي كانت في يده جانباً ونظر الى زوجته شزراً وقال: ـ انك تتهمينني دائما!! ثم ما لبث ان ندم على فظاظته مع الضيف، فالتفت اليه قائلاً: ـ انا اعرف انك تقدر ظروفي.. تفضل اجلس.. اهلا وسهلاً بك!! ـ في المرة القادمة ان شاء الله. ـ لماذا ايها الجار.. اجلس.. اجلس.. ما دمت قد اتيت. انفجرت باكية، وهي تقول للمعلم: ـ أرجوك.. عفواً.. ارجوك.. انني ربة البيت هنا.. وانا اعتذر منك!! ما كان من المعلم إلا ان هز رأسه متألماً، وقال بهدوء ـ كان عليّ ان اخبر كما سلفاً برغبتي في زيارتكما. واغلق الباب خلفه، وذهب. وبعد ان خرج المعلم، احتدم النقاش بين العقيد وزوجته فاتهمته بالجنون وانهيار الاعصاب وحاول العقيد ان يدافع عن نفسه بحجة انه قلق على مصير الوطن، فاجابته ان القلقين على مصير الوطن لا يجرون عليه الويلات وانه كان يتوجب على الحكومة ان تفكر طويلاً قبل ان تنغمس في خلافات لا جدوى منها، ولا مصلحة للشعب فيها، واتهمته بالجهل المطبق وبقلة الذوق، وعدم اللباقة. في منتصف تلك الليلة سمع المعلم صوت طلقة نارية انطلقت من ناحية كوخ العقيد.. وبعد برهة خرج من بيته لمعرفة ما حدث فسمع صوت الخادم يقول لسيده: ـ لقد قتلته. هل عرفت من هو؟! ـ انه الاسير.. سارق الدراق. هل مات. ـ نعم بكل تأكيد. هذا جيد. انكمش المعلم على نفسه عندما سمع ذلك الحوار فادرك ان الذي قد قتل هو الاسير الصربي حبيب الزافيتا ثم عاد الى بيته ليحدث زوجته بما جرى، فما كان منها إلا ان قالت له: ـ كنت اتوقع ذلك، وقد نبهت الزافيتا لكن المسكينة لم تعد تراه كي تحذره من بندقية خادم زوجها. واستفاض الزوجان في الحديث عن طبيعة جارهما المعقد وعن تصرفاته الجافة مع زوجته، فلو كان زوجها حكيماً وعاقلاً لما ادى بها الامر الى خيانته. وعندما نهض المعلم وزوجته ليخلدا الى النوم سمعا طلقة ثانية، وصرخة حادة، فخرجا راكضين باتجاه بيت العقيد فعرفا ان الزافيتا قد اطلقت رصاصة على نفسها من مسدس زوجها، وسرعان ما اسلمت روحها نظر الى المعلم بأسى وقال: انني لا أؤيد الانتحار، لكنني استنكر ان يوضع الانسان في حالات قاسية تدفعه الى ارتكاب الاخطاء او اقتراف الجرائم. ـ كاتب بلغاري معاصر