الخميس 17 محرم 1424 هـ الموافق 20 مارس 2003 قيل لاعرابي: ما بال المراثي أجود اشعاركم؟ قال: لاننا نقولها وأكبادنا تحترق.. فالموت.. ذلك الغدار القهار، عندما يخطف من بيننا اناساً كانوا اكتاف حنان وشفقة لرؤوسنا ، المتعبة يلهمنا أحر الكلام واصدقه، هذا في الاحوال العادية، اما اذا كان الفاقد محترفاً صنعة الكلام الحار الصادق، فإنه سيخلد احباءه بحروف من ذهب وسيشدو بكاؤه الحانا عطرية تعبق في انوف الايام. والمتبني شاغر الكبرياء والفخامة انحنى اكثر من مرة لجبروت الموت الذي لا يوفر منجله رأساً من الرؤوس إلا قليلا، ثم ما يلبث ان يأتي موسم الحصاد.. ونحن اذ نشرع بالتلذذ الفني بأبيات المتنبي في الرثاء بداية نعرج على تقاسيم خاصة بشعر الفقد: فالتأبين: يختص بذكر خصال الميت وبسط القول في مزاياه المميزة له عن اقرانه، فللمرأة الحياء والعفة والطهارة، وللرجل الشهامة والمروءة والاقدام. والعزاء: هو احتساب هذا الفقيد عند الله سبحانه وتعالى حيث الخضوع والاذعان للحي القيوم وطلب المغفرة والسقيا للأموات ثم للاحياء. وأخيراً الرثاء وهو وصف حال الشاعر من بعد وفاة المرحوم وما تركته خسارته في نفوس الاقارب والاباعد من مرارة وحرقة وكمد.. ونتذكر هنا في باب الرثاء القصيدة التي كتبها الشاعر الانجليزي «ستيمرون» والتي جاءت بيتاً واحداً: «على من سأقرأها!».. هكذا فقط، هذه القصيدة كلها، وكأنه يريد ان يقول لحبيبته الميتة: لقد مات الناس جميعهم بموتك، ولم يعد هناك بشر في هذا العالم يصيخون السمع لكلامي، لانك انت جمهوري وعشيرتي. ولقد طرقت عبقرية المتنبي ابواب التأبين والعزاء والرثاء، كما طرق عزرائيل ابواب جدته وأم سيف الدولة وأخت سيف الدولة وأبي شجاع وغيرهم كثير.. ولن نفسد متعة استعراض مرثياته بفرزها الى تقاسيم شعر الفقد الثلاثة، بل سنكتفي بالتعاريف الواردة آنفاً ونتبع اسلوب النمذجة في اختيار المرثيات التي حفرت في وجدانات الناس حتى يومنا هذا. فعندما ماتت والدة سيف الدولة الحمداني ـ الأخ الروحي للشاعر ـ راح المتنبي يرثيها بقصيدة متقنة مليئة بالحكمة والاتعاظ من الموت، وهذان البعدان، اضافة الى العنجهية صفات ثلاث ستبقى ملازمة لقصائد الفقد القادمة كلها: نصيبك في حياتك من حبيب نصيبك في منامك من خيال رماني الدهر بالارزاء حتى فؤادي في غشاء من نبال فصرت اذا اصابتني سهام تكسرت النصال على النصال ولو كان النساء كمن فقدنا لفضلت النساء على الرجال وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال وافجع من فقدنا من وجدنا قبيل الفقد مفقود المثال يدفن بعضنا بعضا وتمشي اواخرنا على هام الاوالي وكم عين مقبلة النواحي كحيل بالجنادل والرمال ولا يستطيع قاريء هذه القصيدة بعد ان يشده إلا ان يتذكر بيت عمر الخيام: فامشِ الهوينى ان هذا الثرى من أعين كاحلة الاحورار وبيتي ابي العلاء المعري: خفف الوطء ما أظن أديم الارضٍ إلا من هذه الاجساد سر ان استطعت في الهواء رويدا لا اختيالاً على رفاة العباد والمتبني شاعر الصلابة والتماسك المعنوي والفني لا يسلم قياد جفونه بسهولة للبكاء ففي حين يطالب ابو تمام. عيون الدنيا كلها بالبكاء في رثائه للطوسي: كذا فليجل الخطب وليفدح الامر فليس لعين لم يغض ماؤها عذر ولنا ان نعتبر ما سبق كله تدريبات على الحزن، اما الحزن الاكبر فهو موت الحبيبة، فهذا المرسال يخبر بأن اخت سيف الدولة حبيبة الشاعر الموجود في الكوفة قد توفيت واذا بنار الاسى تسابق نار الحنين والشوق بالاتقاد، واذا بالمتنبى ينوح هذه المرة نوح عاشق حب دفنوا قلبه في التراب فهاهو يبدأ قصيدته بأداتي نداء، الاولى لاعادة الحبيبة الى الحياة والثانية لاعادتها الى تطبيب عيش الشاعر: يا أخت خير أخ يا بنت خير أب كناية بهما عن اشرف النسب طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه بآمالي الى الكذب حتى اذا لم يدع لي صدقه املاً شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي أرى العراق طويل الليل مذ نعيت فكيف ليل فتى الفتيان في حلب فبعد ان يصف المتنبي تأثير ذلك الخبر المشؤوم فيه، نراه يصف لماذا تستحق هذه المرأة كل ذلك النحيب فهي عالية الهمة، عزيزة النفس حسنة المعشر خلوقة، اضافة الى انها طاهرة، المعنى الذي نجده عند حبيبة الشاعر المعاصر مانع العتيبة، حيث اتسمت ايضا بالشرف والنقاء: هنا عصماء في قلبي وفي عصبي طهارتها التي منحت لها الاسما لغير الله طول العمر ما خضعت ولا ذاقت لاخطاء الصبا طعما وعندما ورد علي ابي الطيب كتاب من جدته لامه، تشكو شوقها اليه وطول غيبته عنها، توجه نحو العراق ولم يمكنه وصول الكوفة، فانحدر الى بغداد، وكانت جدته قد يئست منه، فكتب اليها كتابا يسألها المسير اليه، فقبلت كتابه وصمت لوقتها سروراً به، وغلب الفرح على قلبها فقتلها فقال يرثيها: أحن الى الكأس التي شربت بها وأهوى لمثواها التراب وما ضما اتاها كتابي بعد يأس وترحة فماتت سروراً بي فمت بها غما حرام علي قلبي السرور فإنني اعد الذي ماتت به سما فأصبحت استسقي الغمام لقبرها وقد كنت استسقى الوغى والقنا الصما فالمدقق في هذه القصيدة يلحظ تمكن المتنبي المذهل من ادواته الفنية وقبضه التام بكلتا يديه على علوم النحو والصرف والعروض، يجعلانه يأتي بصورة مثل «ولكن طرفاً لا أراك به اعمى» حيث تفقد الاعضاء والاشياء خواصها ووظائفها الجميلة بغياب من نحب، ونتذكر هنا الشاعر نزار قباني في رثائه لأمه حيث يقول: بموت امي يسقط آخر قميص صوف اغطى به جسدي/ آخر قميص حنان/ آخر مظلة مطر/ وفي الشتاء القادم ستجدونني اتجول في الشوارع عاريا. وفي رثائه زوجته بلقيس الراوي يقول: بلقيس كانت اطول النخلات في ارض العراق/ اجمل الملكات في تاريخ بابل/ هل يا ترى، هل يا ترى من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل/ بلقيس.. ان الشمس بعدك لا تضيء على السواحل. واذا كنا قد اكتفينا بالنمذجة للتدليل على ان المتنبي شاعر الحكمة والقوة والانفة يظل هو هو حتى عندما يمزق الموت احشاء تجلده وتصبره، واذا كنا قد استشهدنا بنزر يسير من شعره المدهش، فهذا لا يعني ان شعره خال من العاطفة الحراقة. ثم اننا لحظنا انه انتقل بسبب من رجاحة عقله من التألم الى التأمل، فرأسه الكبيرة لا تخر بسهولة وانما تظل مرفوعة الى السماء تسبح رب السماء الذي لا يموت.. وهكذا ومع دوران عجلة الايام نوصل احباءنا الواحد تلو الآخر الى مثواه الاخير، ونعود محزوني النفس مكسوري الوجدان ليأتي يوم اخير تجتمع فيه الارواح الوالهة وتستقر فيه سفن الشوق على مرافيء الوصال، حيث لا عواصف فقد ولا زوابع غياب، اما الشاعر فيكون بكاؤه بكاء موسيقياً يخلده الدهر، ويرويه الاجداد للاحفاد، قصة اكباد احترقت ومهج فقدت نظائرها فناحت: فما المال والاهلون إلا ودائع ولابد يوما تسترد الودائع أحمد مصطفى طقش