الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 تشكل العلاقات بين الناس احد اهم الروابط التي يطلبها الانسان بفطرته ويسعى اليها بحدسه ونظراً لكثرة تداخل هذه العلاقة فقد يصيبها بعض من الشوائب بحكم ان كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. فإما ان يقفل الملف بكلمة عتاب ويُنسى واما ان يبقى مشرعاً يصيبنا ببعض ما لديه كلما هبت ريح الخلاف، على الا يكون ذلك ديدن المرء حيثما حلّ واينما ارتحل يعاتب هذا وينتقد ذاك، ولهذا العتاب اساليب يجب على المعاتب ان يحيط بها ويتمثلها ويحاول التعامل على اساسها كأن لا يعاتب احداً أمام اعين الملأ وان يختار اللين من الكلام واللطيف من العبارات وان يقدم لعتابه مديحاً للطرف الاخر لما يحمل من ايجابيات وان يظهر له محبته وتعاطفه فما اسهل على الزوجين او الصديقين ان ينتقد احدهما الاخر دون مراعاة لنفسيته او مشاعره بألفاظ جارحة ونبرات عالية بنية تغيير السلوك او التصحيح وقد يكون حسن النية ولكن من شأن هذه التصرفات ان تهدم جدار تلك العلاقة ونستطيع القول أن العتاب ملح الحياة فهو من الامور التي لابد منها وقديماً قال الشاعر: اذا ذهب العتاب فليس ودٌ ويبق الود ما بقي العتاب وللوقوف على هذه المسألة ونظرة الناس لها كان ل«دنيا الناس» هذا التحقيق.نوال عبدالله راشد ـ موظفة تقول: تختلف نوعية العتاب باختلاف الموضوع وباختلاف الشخص المعاتب والشخص الذي يوجه له العتاب فيجب ان يكون الشخص المعاتب اهلاً لتوجيه العتاب والا فعتابه مرفوض وان يكون ليناً لا يحمل القسوة، فالرفق واللين يصنعان المعجزات وهناك اشخاص لا يتقبلون العتاب ولو بدر من اقرب الناس اليهم لاسباب هم اعلم بها من غيرهم، وبالنسبة لي فأعتقد ان الذي يهمه امري ويحبني هو الذي يعاتبني اما من لا يهمه امري فلا يعاتبني بل تراه يحقد ويجمع في قلبه ويحمل الحسد والغيظ فأنت عندما تعاتب صديقك وتوضح له الصورة التي ازعجتك منه او الخطأ الذي رأيته فيه تكون قد انهيت المشكلة ولم يعد لها أي اثر، فكلام العتاب بين الاخوة والاحباب يفرغ الضيق والشحناء وبالنسبة لعتاب الازواج فلا اعتقد ان هناك زوجين لا يتعاتبان فإذا لم يكن ثمة عتاب فلن تكون هنالك حياة وعشرة والعتاب هو ملح الحياة، فإذا لم تخطئ الزوجة ويعاتبها زوجها واذا لم يخطئ الزوج وتعاتبه زوجته فلن تجد للحياة طعماً فبالعتاب اللطيف بين الازواج تتوطد العلاقة وتقوى اواصرها ويبقى قلبا الزوجين دائماً نظيفين لا شوائب فيهما. قيدود دعاء الجعفري ـ ربة منزل ـ تقول: لا بأس ان يكون هنالك نوع من العتاب بين الزوجين ولكن ان يكون لذلك العتاب قيود بمعنى الا يشتمل على مفردات جارحة وأن يكون بصوت واسلوب رقيق والا يقصد من ورائه الاهانة وعلى كل زوج ان يعرف جيداً ان سلوكه في النقاش والعتاب مع زوجته هو تحديد لطريقة التعامل مع اولاده والاخرين، فالاولاد يتعلمون من والدهم ما يرونه منه فعندما يرون انه فظ سيكونون كذلك عندما يكبرون ويعاملونه بتلك المعاملة نفسها والطفل الذي ينشأ في بيت الصوت العالي فيه هو سيد الموقف لابد ان توازي تصرفاته في المستقبل هذا السلوك ويلازمه في حياته وهكذا يصبح الابناء ضحية لافعال ابائهم ويمرون بكل ما مرّ هو به وتعاني زوجاتهم في المستقبل من نفس عناء امهاتهم وبالتالي فقد اهدى الوالد العنيف لابنائه هبة ليست جيدة ارجو ان يسامحوه عليها وان يحاولوا التخلص منها والا سوف تصبح الحياة جحيماً. عباس زين العابدين ـ يقول: من الافضل ان يبتعد الانسان عن العتاب هذه الايام لأنك لن ترى من يتقبله لا قريب ولا بعيد فحرية الاختيار وحرية التعبير ومساحة الحق الخاصة والهالة الوهمية التي رسمها الانسان العصري حول نفسه جعلته يرفض اي عتاب او نصيحة فهو يعتقد ان له الحق فيما يقوم به وينظر الى المسألة من جانب واحد غير ذلك الجانب الذي يراه الاخرون فلذلك تراه يعتقد انه على حق وأن غيره على باطل هذا كله جعل منا رافضين للعتاب خاصة اذا بدر من انسان لا تجمعك به صلة قوية، اما الاصدقاء المخلصون وهم قليلون فأعتقد انهم يتحملون بعضهم بعضاً والطريقة التي تجعلك متأكداً من ان فلاناً من الناس صديق وفي لك هي اختبارك له بأن تعاتبه اذا ما صدر منه خطأ فإن استجاب وتحمل فهذا صديق وفي وان لم يتحمل وضجر ورفض ذلك العتاب فيعني انه ليس بصديق وفي بل هو مدّع للصداقة وما اكثرهم في يومنا ولا حاجة للمرء بهم وانا شخصياً لا مشكلة عندي في حال وجه الي احد الاصدقاء او الاخوة عتاباً ولكن بشرط واحد وهو ان يكون صحيحاً غير مفتر حينها أتقبله بكل طيبة نفس. جمال الزين ـ يقول: هناك من يقول ان العتاب ضروري في الحياة اليومية ولا نستطيع الاستغناء عنه وهنالك من يقول انها طريقة لرفض الاخر واشارة الى بدء الرفض فبالتالي يرفض اي عتاب يوجه اليه ويرفض ان يعاتب احداً ممن حوله غير انني اقول اننا كثيراً ما نستخدم الملح في طعامنا وبالتالي فإذا كان استخدامنا للعتاب كاستخدامنا للملح فأعتقد انه امرٌ غير صحيح ويتجاوز الحدود واذا قلنا ان العتاب يعني الرفض فهذا ايضاً مبالغ فيه لأنه لا حياة دون عتاب لاسباب كثيرة اولها ان الانسان جبل على الخطأ وهو يخطئ حتى لو حاول البعد عن الخطأ فكيف نعامل من يخطئ في هذه الحالة؟ هل نعاقبه مباشرة دون تنبيه و عتاب ام نتركه دون ان ننبهه لخطئه؟ فقد يكون مخطئاً عن غير قصد ولم ينتبه لخطئه فإذا لم نعاتبه ونشير اليه انك اخطأت في حق فلان او في الامر الفلاني فهذا سيجعله يكرر ما قام به دون ان يشعر بأنه اقترف خطأ بحق فلان من الناس وهنا تكمن اهمية العتاب الذي يقصد منه التنبيه واللوم البسيط لا لشيء، فقط لكي لا تحمل القلوب كرهاً او حقداً يكون سببه الصمت الطويل وفي ساعة ضعف يخرج كل ذلك الضجر او الحقد من القلب بوجه الزوج او الصديق او الاخ فتكون النتيجة النفرة والفرق ولو أنهما كانا يتعاتبان بكل طيبة نفس وبكل لطافة ودون تهجم او ظلم لكانا على علم ببعضهما اكثر وتسامح اكثر لأن المحطئ لابد له من الاعتذار عندما يدرك خطأه وكيف يدرك خطأ ان لم تعاتبه في بعض الامور ولا اقصد ان نجعل حياتنا كلها عتاب بل على كل منا ان يقدر الموقف الذي يحصل معه ويدرسه جيداً فإن وجد ان نتيجة العتاب ستكون ايجابية اكثر من الصمت فليعاتب ولكن بلطف وان وجد ان الوقت لا يسمح له بالعتاب فليبتعد خيراً له ويجب على من يرى في العتاب فائدة ان يتوخى الحذر والا يعاتب اخاه او صديقه او زوجته امام الناس او امام احد وليكن بينه وبين الطرف الاخر دون وجود احد لكي لا يقصد من وراء العتاب امر اخر او يفهم على انه اهانة او فضيحة او يتوخى المعاتب في عتابه الموضوعية وان يكون محقاً في كلامه وان يبعد حظ نفسه من ذلك الامر فيكون العتاب من اجل اصلاح الطرف المخطئ لا من اجل الانتقام فيجب الالتزام بهذه الامور وخاصة بين الازواج، فأنت عندما تعاتب زوجتك بينك وبينها دون وجود احد وبطريقة لطيفة فستستقبل منك ذلك دون حساسية خاصة اذا لم تكن تدافع عن نفسك في ذلك بل من اجل سلامة الارتباط وسلامة الاسرة والاولاد عندها ستتوطد العلاقة اكثر وستتقبل الزوجة ما تقول وستحاول عدم الوقوع في ذلك الخطأ مرة اخرى، اما اذا تحول العتاب الى فضيحة او شتيمة او توبيخ فلن يتغير الخطأ بل ربما ينقلب الامر الى عناد وتنشأ مشكلة كبيرة جديدة بسبب مشكلة ربما تكون صغيرة ويجب ان يبتعد المعاتب عن توافه الامور ولا ينبغي الاكثار من العتاب لكي لا يعتاد المعاتب على الامر ولكي يبقى للعتاب اهمية لأنه اذا اكثر فلن تعود له اية اهمية وستكون الفائدة الوحيدة التي يجنيها المرء من ذلك العتاب هي توسيع الرقعة بينه وبين الطرف الاخر ومضاعفة المشكلات وعدم جني اية فائدة ترجى من ذلك العتاب. الدكتور محمد عليان ـ استاذ لغة عربية ـ يقول: ان الاصدقاء مهما حسنت اخلاقهم وقويت علاقات الود بينهم فإنهم عرضة للخطأ والتقصير لعدم عصمتهم فإذا ما بدرت من احدهم هفوة في قول او فعل كخلف وعد او كلمة جارحة او تخلف عن مشاركة او مواساة في فرح او حزن ونحو ذلك من صور التقصير، فعلى الصديق اذا ما كان واثقاً بحبهم واخلاصهم ان يتغاضى عن اساءتهم ويصفح عن زللهم حرصاً على صداقتهم وبقاء لودهم، اذ المبالغة في نقدهم باعثة على نفرتهم والحرمان منهم وصدق القائل: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً ان تعد معائبه وقد قال الامام علي كرم الله وجهه موصياً ابنه الحسن بمداراة الصديق المخلص والتسامح معه والحفاظ عليه والتساهل في عتابه فقال «احمل نفسك من اخيك عن صرفه على الصلة وعند صدوره على اللطف والمقاربة وعند جموده على البذل وعند تباعده على الدنو وعند شدته على اللين وعند جرمه على العذر وكأنه ذو نعمة عليك. وقال بشار بن برد. اذا كنت في كل الامور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحداً اوصل اخاك فإنه مقارف ذنباً مرة ومجانبه ومن اروع صور مداراة الاصدقاء واجملها وقعاً في النفس الاعضاء عن اساءتهم والصفح عنهم وان يستميل المرء صديقه بالعتاب العاطفي الرقيق استجلاباً لوده فترك العتاب قد يشعر باغفاله وعدم الاكتراث به او يوهمه بحنق الصديق عليه واضمار الكيد له وينسى الاساءة ويتجاهلها ثقة بصديقه وحسن ظن به واعتزازاً باخائه وهذا ما يبعث المسيء على اكبار صديقه ووده والحرص على صداقته وان يقبل معذرة صديقه عند اعتذاره منه دونما تشدد او تعنت في قبولها فذلك من سمات كرم الاخلاق وطهارة الضمير والوجدان ويجب العلم ان العتاب لا يجدي نفعاً ولا يستميل الصديق الا اذا كان عاطفياً رقيقاً كاشفاً عن حب العاتب ورغبته في استعطاف صديقه واستدامة وده لذلك حثت الشريعة الاسلامية على الصفح والتسامح على المسيء وحسن مداراة الاصدقاء خاصة والناس عامة. قال تعالى: «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر». آل عمران 159 وعن ابي عبدالله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «امرني ربي بمداراة الناس كما امرني بأداء الفرائض» وقال ايضاً «اعقل الناس اشدهم مداراة للناس». رأي الدين الشيخ ايمن السعدي ـ اوقاف ابوظبي ـ يقول: بداية ان العتاب امر مشروع له اصله في الدين ولم يكن كذلك الا لما يحمل من اهمية وفوائد قال تعالى «عبس وتولى» هذه الآية الكريمة نزلت بحق النبي صلى الله عليه وسلم عتاباً من الله على ما فعله مع ابن ام مكتوم البصير فقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت نزلت «عبس وتولى» في ابن ام مكتوم الاعمى اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول يا رسول الله ارشدني وعند رسول الله رجل من عظماء المشركين فجعل رسول الله يعرض عنه ويقبل على الاخر ويقول: اترى بما اقول بأساً فيقول لا ففي هذا نزلت الآية، هذه القصة تعلمنا ان العتاب ضروري بعض الاحيان وكلما قلّ كلما عظمت اهميته وحسن وقعه في نفس السامع فتركه كله غير مستحب والالحاح عليه غير مستحب فترك العتاب قد يشعر باغفال وعدم اكتراث وكما يقال العتاب الظاهر خير من الحقد الباطن وفي نفس الوقت كثرته مضرة وكما يقال اياك وكثرة العتاب فإنه يورث الضغينة ويجر الى البغضاء. واعتقد ان درجة العتاب تختلف من شخص لآخر ومن حدث لآخر ويساعد على ذلك التربية التي نشأ عليها المرء وطريقة معالجته للامور الخطأ واسلوبه الذي اكتسبه من محيطه في ذلك وهناك اختلاف بين معاتبة الازواج بعضهم بعضاً، والاصدقاء كذلك والاخوة ايضاً غير ان الشيء المشترك في كل ذلك هو ان العتاب يكون في سبيل الاصلاح ويقوم على الرفق واللين فعتاب الرجل لزوجته يجب الا يتخلله شيء من العنف او الاهانة مهما كان خطأ الزوجة ويجب ان يقوم على الصراحة فهي مهمة في الوصول الى الحل واعتقد ان العتاب بين الاصدقاء ينفر اكثر مما يجمع خاصة في مثل هذه الايام التي قليلاً ما تجد صديقاً يحمل صفات الصديق الوفي الصدوق فإن وجد مثل هذا الصديق فلا بأس بالعتاب اما ان لم يكن موجوداً فالابتعاد عن العتاب اسلم كيلا يكون ذلك العتاب سبباً في النفور والضيق، اما العتاب بين الاخوة فهو اصعب انواع العتاب وأكثره حساسية لأن اصل العلاقة القائمة بين الاخوة علاقة حساسة باعتبار الحياة المشتركة التي كانت تجمعهما طوال حياتهما وقد يتسبب العتاب عند بعض الاخوة بالفرقة بسبب طبيعة التربية الخاطئة التي جمعتهما فربما كان هناك تفريق بينهما في الملبس والمصروف والمعاملة من قبل الاب او الام ما يجعل الاخ يحقد على اخيه او لا يتقبل منه اية نصيحة او عتاب فلذلك يجب ان يحذر الاخ عندما يقوم بمعاتبة اخيه كيلا يدخل الشيطان بينهما ويوقعهما فيما يغضب الله والامر الفاصل في هذه المسألة ان يعلم المعاتب حال الطرف الثاني ومدى حساسيته من تلك الامور فإن كان ممن يتقبل العتاب ويتفهم معناه فلا بأس وان كان ممن لا يعرفون معنى العتاب ودوافعه وان هدفه الصلح وازاحة البغضاء والضغينة، فالافضل تركه وعدم معاتبته خشية تحويل المسألة من مشكلة صغيرة تُنسى مع الايام الى مشكلة اكبر بسبب تلك الكلمات الموجهة اليه واهم ما في الامر ان يعلم المعاتب انه يجب عليه توجيه كلامه الى فعل ذلك الشخص لا الى شخصيته وان يفرق بالبداية بين عمله الشنيع وبين نفسه الطيبة فيقول له: «انا احبك فأنت اخي واعلم انك رجل صالح وطيب السريرة غير اني وجدت في فعلتك تلك من وجهة نظري ذلك الخطأ وانا اقدر لك اهتمامك بعدم قصدك» بمثل هذا الكلام يصل الهدف المطلوب من العتاب دون جرح للمشاعر او اساءة