الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 أكد الدكتور أحمد السري رئيس قسم التاريخ بجامعة الامارات ان تاريخ أي أمة ليس مجموعة الحوادث، التي تسلسلت في الزمان، بل وعي تلك الأمة بتلك الحوادث وحضورها الفاعل في اللحظة المعاشة، مما يؤكد ان الوعي التاريخي للحوادث السالفة لا يورث آليا، والأمة مثل الانسان الفرد نسّاءة ولا تحتفظ بذاكرتها من ماضيها إلا ما يحوجها الحاضر اليه، خاصة إذا ما كان للأمة ماض عريق. جاء ذلك في الندوة الثقافية التي نظمها مركز زايد للتراث بمدينة العين وشارك فيها عدد كبير من الباحثين وأساتذة الجامعة والمهتمين، وشهدت حواراً على أهمية التاريخ من أجل المستقبل. حيث أشار الدكتور إلى ان الخلاف حول تصوراتنا عن التاريخ ليس ترفاً لمعايشة الماضي، بل جزءاً من مكونات الوعي المعاصر، يفعل فعله في حياتنا اليومية، كما ان كل الجدل ينتهي إلى افراز تصور يرسخ وعياً قائماً أو يصححه أو يغيره، لأن الوعي ليس قدراً لا راد له. وأضاف ان المشكلة الحالية في تعاطي التاريخ والوعي تكمن في أن الفضاء الوطني والقومي لم يعد مغلقاً على أهله، كما ان المشكلة تكمن في ظهور مصادر المعرفة والوعي، كما انها تكمن ايضاً في امكانية تغيير بنية الوعي الداخلي من الخارج بأدوات الاتصال الجماهيري المعاصرة والتي تستطيع بمدى قصير جعل ما نريده من التاريخ على الغالبية من أبنائها نسياً منسياً. وأضاف ايضاً ان احدى المشاكل تكمن في الوعي المستعار الزاحف على أدمغتنا بهدوء تحمله رياح العولمة التي تهب من كل مكان، مؤكداً علاقة العولمة بالوعي التاريخي، فالعولمة اليوم هي ملح الفكر وتوابله. وأكد ان القابض على هويته في زمن العولمة كالقابض على الجمر، وما دام تاريخ كل أمة يشكل عائقاً أمام عولمة الأذواق والمشاعر والآمال، فلابد من محو ذاكرة الأمم ومنحها تصوراً عن التاريخ كما يريده منظرو العولمة. وأشار الدكتور المحاضر الى استغلال اسرائيل والصهيونية، حيث ابتزت الدولة العبرية على أساس تشكيل الوعي على نطاق كوني والمحرقة تاريخ ووعي، حيث سخرت اسرائيل الوعي التاريخي لتبرير وجودها وجرائمها معاً، ومضى على تاريخ هذا التصور التاريخي أكثر من نصف قرن وما زالت ألمانيا تدفع فاتورة استرضاء اليهود، لأن وعيهم بتاريخهم الذي رسخ من قبل المنتصرين يلزمهم بالخضوع لكل أشكال الابتزاز. وأكد الدكتور أحمد السري في ختام محاضرته التي شهدت جدلاً ونقاشاً حول مسألة الوعي والهوية، ان التاريخ هو مادة للوعي بلا منازع، وما دامت مادة التاريخ قد تغيرت فسيتغير الوعي بالضرورة والموقف السياسي المعاصر وسينقلب السحر على الساحر