الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 جلسة متدفقة بالمشاعر تلك التي جمعت عدداً من المسرحيين والاعلاميين مع المسرحي البحريني المعروف محمد عواد، الذي قدم شهادة عن سيرته المسرحية منطلقا من تلك الطفولة البعيدة وصولا الى هذه الايام.بشفافية طفل كبير تحدث محمد عواد عن سيرته، مغرورق العينين، وباكيا كان فنانا، وهي حالة مرتبطة بدفق المشاعر والكم الكبير من الاحاسيس التي تعيش في صدر هذا الرجل الذي آثر ان يدون مذكرات على شكل سيرة قصصية روائية، حافلة بالتفاصيل والمفردات مقسما هذه السيرة الى ثلاث مراحل وتكوينات متداخلة بين أناه وأنا الآخر.اشار عواد في مستهل شهادته الى صعوبة ان يكتب الشخص عن نفسه، فالفنان الذي يحترم المسرح يجد في الامر مشقة كبيرة، ولذلك عندما قرر القيام بذلك تملكته نوازع الحيرة والصراع الداخلي وقال «انا نقطة صغيرة في بداية هذا النهر المتدفق» وخلال الاسطر التالية ملامح من هذه الشهادة الطويلة. التكوين الاول الطفولة والنشاط المدرسي في هذا القسم من الشهادة قال محمد عواد كنت وحيد والدي، عشت مدللا حيث كانت حالتنا المادية ميسورة قياسا بالثلاثينيات، كان لنا بيت واسع مبني من السعف وتتفرع منه مداخل الى عدة بيوت لأقاربنا، وبيتنا الرئيسي به حوش واسع مفروش بالرمل وجزء منه بالصبان، كعادة بيوت اهل الخليج في ذاك الزمان، كنا نسكن قريبا من البحر في منطقة القضيبية المكتظة بالعديد من اهلنا من السعوديين الدواسر والعمانيين واهل الساحل العماني والايرانيين. اتذكر انني كنت ألعب ليلا في ذلك الحوش الواسع، على ضوء الفنر والقمر، كنت استخدم قباقيب والدتي وجدتي واسيرها على الرمل متخيلا انها سيارات تنتقل من منطقة الى اخرى حسب مخزوني في الذاكرة، وعندما اتعب ويصيبني الملل، الجأ الى جدتي حيث اضع رأسي على حجرها فتبدأ في سرد قصصها المتكررة كل ليلة عن مكائد النساء، وعن الجن والعفاريت وعلاقتهم بالانس، وقصة محمد ملك. وهكذا رسخت في ذاكرتي كل هذه القصص والخيالات الليلية، وكثيرا ما كنت استيقظ فزعا، او اتخيل بعض شخصيات حكايات جدتي وهم ينادونني او اتخيلهم يتحركون في الظلام، مما ولد لدي فوبيا الظلام، اخشى الظلام واكرهه ولا استطيع النوم الا والنور مفتوح. ألحقني والدي بالمطوعة لحفظ القرآن الكريم، وكان كلما حفظت سورة كان يبعث للمطوعة مبلغاً معلوماً ينال استحسانها، فتوليني اهتماما وتركيزا اكثر، وعندما ختمت القرآن الكريم طوف بي في موكب احتفالي، حيث ألبست الشطفة والملابس المقصبة والمنادي ينادي في الفريج، واقيمت وليمة بتلك المناسبة ثم تلتها مرحلة التطهير (الختان). وقد احضرت فرقة لليوة واخرى فرقة نسائية عزفت البستات ورقصت الراقصات ونثرت المكسرت والنقوط. هذا الى جانب ان منطقتنا القضيبية كانت تعج بالعديد من العادات والفنون الشعبية لمختلف الجنسيات القاطنة هناك، فهناك اكثر من فرقة لليوة، والطنبورة، والقربة، والهبان، والكاسر للميناوية واهل فارس، والسوما للبلوش والمسقطيين، والعرضة العمانية حيث تجرى فيها مبارزة بالسيف والدرع (الترس) والسامر للدواسر، والعديد من الفرق النسائية المختلطة ببعض مما يعرف بالجنس الثالث، ومطربي الحي والدور والراقصات من المتحررات المتبرجات، ناهيك عن اهل اليمن وملابسهم الزاهية، كل تلك المظاهر الاحتفالية تركت انطباعا ومخزونا في ذاكرتي، في مراحلها الاولى. وعن المرحلة الثانية في تكوينه الاول قال عواد انها بدأت مع التحاقة بالمدرسة في الصفوف التحضيرية قبل الابتدائية (كنتت مولعا بجمع القراطيس والقصاصات، فأي ورقة تصادفني في طريقي كان مقرها جيبي، وكم عانت والدتي وجدتي من افراغ جيوبي كلما عدت من المدرسة، وقد كنت محظوظا اذ سمح والدي لامي بالذهاب الى السينما عصر كل يوم خميس واثنين، وهما اليومان المخصصان لدخول النساء والاطفال، شاهدت في تلك المرحلة افلاما كثيرة هندية واميركية، وعربية مثل فيها عبد الوهاب ويوسف وهبي ويحيى شاهين وام كلثوم وصباح وسهام رفقى صاحبة اغنية يا ام العباية، وشكوكو واسماعيل ياسين وبشارة واكيم، والياس اديب وحسن فايق، واذكر ان هذا الاخير دخل علينا في الصف ومعه المدير، وأمرنا الاستاذ .. قيام، جلوس .. وتعلقت ابصارنا بهذا الزائر الاصلع الطويل، المبتسم، اما انا فقد ذهلت للمفاجأة .. وسألنا المدير .. اتعرفون من هذا الرجل؟ وعلى الفور رفعت اصبعي وصحت بدون استئذان، حسن عرسولي .. وكان هذا اسمه في احد الافلام التي شاهدتها، فالتفت الي حسن عرسولي وقال .. شاطر .. برافو عليك، ثم ضحك ضحكته الشهيرة). المرحلة الثالثة .. هي مرحلة الانتقال الى الصفوف الدراسية الابتدائية، تطورت قدرتي على التقليد والاستيعاب، والابتكار وارتجال المواقف الهزلية، فتكون جمهور من التلاميذ يلاحقونني اينما اتنقل في الفسح الدراسية، او حصص الرياضة، وكثيرا ما كنت امزق ملابسي طبقا لمتطلبات الحالة او الدور الذي اؤديه كما انني احظى بامتياز حصولي على السنبوسة والبيبسي مجانا، حيث يتسابق ابناء الشيوخ لتقديمها لي في مقابل ان انكت عليهم او اخلق جوا ضاكا يمتعهم ويحرجهم في اوقات اخرى، وقد كانت المنافسة شديدة بيني وبين تلميذ آخر موهوب هو الفنان سلمان الدلال الذي يفوقني شهرة وبراعة في الاداء والتمثيل، ونظرا لاهتمامي بمتابعة الفن وأهل الفن في مصر والشام، فقد وقعت ضحية احد زملائي في الصف، الذي كان يحضر لي مجلات فنية قديمة كأهل الفن ـ ودنيا الفن ـ والاثنين، تخلص منها اخوه فكان يبيعها لي مقابل ثلاث روبيات، كما ان والدي رحمه الله كان له الفضل الاول في تنمية ولعي بقراءة المجلات الفنية وسير البطولات، فقد فتح لي اشتراكا في احدى المكتبات في سوق المنامة لاقتناء مجلة الكواكب، ودنيا الفن كل اسبوع، ومجلدات الزير سالم وحمزة البهلوان وعنترة العبسي وكليلة ودمنة. وتحدث عواد عن تجاربه المسرحية الطفولية الاولى عندما جاءت فرصته مع المدرس الذي كان عاجزا عن القيام بالمهمة التي اوكلت اليه في الاعداد لعمل تمثيلي طلابي حيث اقترح عملين تمثيليين الاول تدور احداثه في الادغال الافريقية حيث قام بالاعداد لهذا العمل كاملا والذي لقي استحسانا كبيرا لكن احدا لم يصدق انه هو صاحب هذا العمل فعمل على نشر الخبر بين باقي التلاميذ الذين استنكروا ادعاءه ووصفوه بالغرور والادعاء ولذلك قرر معاقبة المدرس والتلاميذ بالتوقف عن التمثيل وتسليتهم. التكوين الثاني تحت هذا العنوان قال عواد: التحقت بسلك التدريس وعينت مدرسا للرسم، وهي الموهبة التي تحددت ملامحها لدي الى جانب هاجس التمثيل، فكنت امارس هذه الهواية من خلال طرحي لمواضيع خيالية، او ميتافيزيقية، وكنت ابذل جهدا لتقريب هذه الاطروحات، بهدف ان يتفاعل معها الطلاب، ويعبروا عنها بطرقهم الاستنتاجية، وكثيرا ما كنت اقتطع دقائق من الحصة لتزويد الطلاب بمعلومات عامة عن السينما وصناعة الافلام، وتعريف بالممثلين، وكنت اردد عليهم زيارة حسن فايق، وكنت ما زلت اتابع اخبار النجوم من خلال المجلات المصرية واللبنانية. ولم اجد بدا من السفر الى القاهرة، لاشباع نهمي والتعرف على الفنانين والمسرحيين عن قرب وفي المنابع الاصلية، وقد كانت تراودني الاحلام والخيالات ، ويزين لي انا الآخر بأنني وبمجرد وصولي الى القاهرة ستتخاطفني شركات السينما ومؤسسات المسارح وستطاردني وسائل الاعلام، وسأعود الى البحرين نجما متلألئا، وكان لابد من عذر يقنع والدي بالسماح لي بالسفر، وتمكنت من اقناعه بعد ان بينت له بانني سأذهب لدراسة الفنون الجميلة في كلية الزمالك، فسمح لي بذلك ولما لم أحصل على اجازة دراسية استقلت من التدريس، وذهبت والتحقت بالدراسات الحرة في كلية الزمالك للفنون الجميلة، وانتظرت ان تتخاطفني المؤسسات الفنية، وان تطاردني الجماهير، ولكن كل ذلك لم يحصل، ونتيجة لصعوبة وصول المصاريف التي يبعثها والدي وتأخرها، وتأثري بالخيبة المريرة من تجاهل اهل الفن، التحقت بنادي الفجر الثقافي والرياضي، وألفت تمثيلية لها مقومات البناء المسرحي، اسمها (الهولا هوب) واخرجتها ومثلت الدور الرئيسي فيها وقد عرضت على مسرح النادي الاهلي لعدة ايام وقد لاقت نجاحا وتجاوبا كبيرين، وانتشرت في دولة قطر واجزاء من دول الخليج. وفي عام 1957 انضممت الى جمعية اسرة هواة الفن، والتي تحول اسمها فيما بعد الى اسرة فناني البحرين، والتحقت بفريق التمثيل، الذي وفر لي مساحة اكبر وحرية في افراغ ما لدي واشباع هوايتي، والتقيت بنخبة جيدة كونا من خلالها فريقا تمثيليا، واصبح لنا برنامجا نقدم من خلاله عملا او اكثر في الاسبوع، وكونا لنا قاعدة جماهيرية ثابتة، وكانت معظم اعمالنا ارتجالية. ثم كونت فريقا للتمثيل ضمن فرقة الكشافة وقد صادف ان شاركنا في مخيم كشفي اقيم في الكويت، وقمت بزيارة للمسرح الشعبي ما ان شاهدني صاحب ورئيس تحرير جريدة الخليج الكويتية حتى وقف واعلن انه وبمناسبة هذا التجمع الفني ووجود فنان بحريني بيننا فانه يطلب مني اعادة عرض ما شاهده في البحرين. التكوين الثالث: الفرق المسرحية الرسمية في هذا القسم من شهادته قال محمد عواد: اثر نضجي الفني وتطور ادائي وادواتي من خلال ممارسة هوايتي للمسرح ومحاولتي الدؤوبة في تنميتها بكل ما يتوفر لي من مصادر الاطلاع والانطباع والتخزين، والتقرب والتعرف على الكفاءات الاخرى في مجالات الادب والفنون، كما ادركت من خلال مشاورات ومداولات مع أنا الآخر انه لابد من الانتقال الى فضاءات اوسع، تمتص وتفجر ما بداخلي، وبالفعل التقيت بنخبة طيبة ومخلصة لهواياتها واهتماماتها الادبية والفنية، وأسسنا مسرح أوال عام 1970 وكنت آنذاك قد انتهيت من كتابة نص مسرحي طويل اسميته (كرسي عتيق) وشاركت به في مسابقة للتأليف المسرحي برعاية ادارة العلاقات العامة، التي تطورت فيما بعد الى وزارة الاعلام ، وازاء اشتراط ادارة العلاقات العامة، بعدم منحنا اجازة اشهار المسرح ما لم نقدم عملا نثبت فيه صدق توجهاتنا وانتماءاتنا، قبلنا هذا التحدي فاضطررت الى سحب نصي من المسابقة، فأخرجتها للمسرح وكانت باكورة مسرح اوال. كتبت بعدها مسرحية ثانية بعنوان (السالفة وما فيها) وجاءتني الفرصة، حين تم نقلي من التدريس الى العمل في قسم المسرح في وزارة العمل عام 1973 وبعد شهور اخرجت للمسرح مسرحية «اذا ما طاعك الزمان» وهي مسرحية شعرية للشاعر ابراهيم بو هندي، كان مهندس الاضاءة في هذا العمل كولن كاميرون الذي طلب مني نصا مسرحيا وبعث الى قسم الدراسات الشرقية في جامعة دورم في بريطانيا، وجاءتني الفرصة الثانية حين تقرر ابتعاثي الى بريطانيا لدراسة المسرح واشترط المعهد البريطاني ان يحضر مخرج بريطاني ليلتقي بي ويشاهد عملي، وقبلت التحدي وحضر المخرج وارن جنكنز، واعدت له عرض مسرحية اذا ماطاعك الزمان. هذا المخرج وقبل سفره بقليل قال لي اراك قريبا في لندن، فعلمت بأن الحظ قد ابتسم لي وحالفني، وذهبت الى لندن والتحقت بأكاديمية لندن للموسيقى والفنون المسرحية ونلت منها دبلوما في التمثيل والاخراج المسرحي، ثم تدربت في المسرح الذخائري في برمنجهام، وايضا نلت شهادة في المسرح التربوي، ومسرح الاطفال، من مدلند سنتر، وتدربت في مسرح بلغريد، وفي مدينة لستر تدربت لفترة قصيرة على المسرح الاستعراضي ومسرح الشباب، تحت اشراف المخرج مايكل بوغدانوف وتجولت مع فرق جوالة، وعدت للبحرين. في عام 1976 عملت في دولة قطر كرئيس لقسم المسرح والفنون، وقد نظمت دورات في التقنيات الجسدية قادها المبدع العراقي الفنان سعدون العبيدي وورشة عمل مسرحي قادها الفنان التونسي المنصف السويسي، واخرجت عملين من تأليفي هما (السالفة وما فيها وحسن وفرارة الخير)، كما مثلت في مسرحية المغنى والاميرة من اخراج الفنان القطري المبدع الاستاذ عبد الرحمن المناعي وشاركنا بها في مهرجان الحمامات في تونس، وفي عام 1981 عدت الى البحرين وتوليت ادارة الفرقة المسرحية الوطنية بوزارة الاعلام التي لم تر النور، ثم عينت مشرفا لمراقبة المصنفات الفنية، وتقاعدت مبكرا عن العمل عام 1996، ولكني لم اتقاعد عن المسرح او التواجد في مقر مسرح اوال كل مساء رغم تقدم العمر والمسئوليات الاجتماعية.