الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 على ضفاف نهر اليانغتسي في الصين، يقوم العمال بشكل منظم بهدم قرية اخرى صغيرة. لقد عرف سكانها ان هذا اليوم سيأتي منذ سنوات عديدة ولكن الحقيقة تظل مبعثا للصدمة فبينما تراقب سيدة عجوز منزلها يهدم يبدو على محياها جليا الشعور بكرب كبير. يقول ديردري تشيتام مدير مركز آسيا في جامعة هارفارد: «الامر صعب للغاية بالنسبة لكبار السن ففي اوساط المزارعين في الصين، هناك اعتقاد تقليدي قوي جدا بأن الناس خلقوا ليعيشوا على الارض وبالنسبة للمسنين الذين عاشوا على الدوام في منزل من طابق او طابقين وربما مع شرفة على السطح، فان انتقالهم الى العيش في مبنى للشقق مؤلف من ستة طوابق هو ترتيب صعب». والسبب وراء تشريد هذه العجوز الى جانب 2,2 مليون نسمة آخرين تجري اعادة توطينهم حول شرقي الصين هو مشروع سد الممرات الثلاثة العظيم، لقد حلم القادة الصينيون ببناء سد على نهر اليانغتسي منذ قرابة 85 عاما، وقد بدأ البناء في عام 1993. وينتصب الجدار الاسمنتي الذي يحجز اكبر نهر في اسيا بارتفاع 185 مترا وهناك مولدان كهربائيان جرى تركيبهما من اصل 26 مولدا، وهناك خمسة مولدات اخرى ستكون قيد التشغيل مع نهاية هذا العام، وفي يونيو المقبل، ستكتمل المرحلة الثانية من المشروع الذي يتألف من ثلاث مراحل وسيتم ملء الخزان (البحيرة) الذي يبلغ طوله 630 كيلومترا وعرضه كيلومترا واحدا بالماء الى ارتفاع 135 مترا، وسيرى العالم ما اذا كان سد الممرات الثلاثة يمكنه ان يفي بالطاقة الكهربائية الموعودة ويحسن الملاحة في النهر والسيطرة على الفيضان. لكن كل هذا الامر يأتي بثمن مدمر فهناك اثنتان وعشرون قرية سيتم تدميرها قبل ان يتم اغراق الوادي وسيتم اغراق كنوز اثرية لا تعوض من المعابد الى المقابر، ولقد تجاوز المشروع الميزانية المرصودة له بمقدار كبير، كما ان نظام الملاحة المثير للجدل الذي يضم خمس بوابات لم يتم اختباره على الرغم من كونه اكبر الانظمة التي جرى تصميمها على الاطلاق ولم يتم كذلك اختبار بوابات التصريف، المصممة لمنع تراكم الطمي في البحيرة وحتى قبل ان يكتمل المشروع فان الطاقة الكهربائية المولدة من القوة المائية باتت شيئا من الماضي مما افسح المجال لاساليب اكثر نظافة وفاعلية لتوليد الكهرباء ووسائل التحكم بالفيضان التي نالت الكثير من الثناء يمكن ان تسبب المزيد من المشكلات للنهر اكثر مما تحل. وعندما اقترح مشروع سد الممرات الثلاثة لاول مرة في عام 1919 كان الهدف منه هو توفير الطاقة الكهربائية وضبط الفيضانات المدمرة التي كانت تحدث بشكل منتظم على ضفاف نهر يانغز وفي كل خمسة الى عشرة اعوام يقع فيضان بنتائج مدمرة كان اسوأها في عام 1870 حيث ادى الى مقتل 240 الف شخص. وهناك امل بان تخفض سعة خزان الممرات الثلاثة البالغة 3,39 مليار متر مكعب من الفيضانات التي تحدث كل عشرة اعوام بحيث تصبح امرا يتكرر كل مئة عام. وكان المشروع هذا قد تأجل بسبب ظروف اقتصادية غير مواتية ولكن في العشرينيات والثلاثينيات بات ينظر الى القوة المائية في الصين باعتبارها احدى الوسائل لتوفير الطاقة الكهربائية للاعداد الضخمة من السكان وكرمز للقوة السياسية بتطويع الطبيعة لسيطرة الانسان وبحلول الاربعينيات من القرن الماضي، كان تشييد السدود يعتبر افضل وسيلة لتوليد طاقة نظيفة وفعالة وكانت الصين متحمسة وحريصة على اظهار انها لا تقل عن الغرب في اي شيء وعندما كانت هيمنة ماوتسي تونغ السياسية في اوجها في الخمسينيات والستينيات تم تشييد آلاف السدود ولكن الركود الاقتصادي الذي خلفته القفزة العظيمة للامام في عام 1960 انعكست على تأجيل الخطط الخاصة ببناء السد على نهر يانغز. وبحلول عام 1978 تطلبت القاعدة الصناعية المتنامية للصين المزيد من الطاقة فتم اقتراح مشروع بناء السد من جديد واعرب الناس عن مخاوفهم من آثاره على الناس الذين يعيشون في وادي نهر اليانغتسي وعلى البيئة وصادق مجلس الدولة الصيني على دراسات الجدوى التي تمت في عامي 1982 و1986، والهدف منها بشكل اساسي هو تأمين التمويل الدولي واسترضاء العدد المتنامي من منتقدي المشروع وقامت مجموعة من كبار العلماء بدراسة المشروع وقدمت ملاحظات ونصائح جيدة ولكن لم يتجرأ كثيرون على انتقاد مشروع حظي بموافقة الدولة ولم يسمح لاي من الصحف بنشر نتائج الدراسة. وعلى الرغم من الانتقادات والاعتراضات التي تقدم بها ثلث اعضاء مؤتمر الشعب الوطني في عام 1992 للمشروع الا ان القرار جرى تمريره في المؤتمر وبدأت عملية الانشاء واعادة التوطين لسكان المنطقة في السنة التالية. ومع تنامي الاهتمام والقلق الدوليين ازاء المشروع بدأ المسئولون الصينيون اخيرا بالاقرار بوجود مشكلات تتعلق بالمشروع وافرجوا عن بعض المعلومات وفي ابريل العام الماضي اعترف مسئول صيني رفيع بوجود مشكلات في المشروع وشقوق في السد. والى جانب الخطر الذي يشكله السد في حال انهياره على البشر والحياة البرية في المنطقة فان هناك مخاطر اخرى تنبع من انشائه قد يكون لها ابعد الاثر على البيئة المحيطة ببحيرة السد بما فيها من حيوان ونبات وانسان. ضرار عمير