الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 حين قصد المخرج عبدالله المناعي مدينة كلباء ليعمل مع فرقة مسرح كلباء التي تضم مجموعة من الشباب المتحمس لمسرح جاد ينتشلهم، من تمثيليات الاسكتشات في المناسبات والاعياد، كان يعلم ان عليه مهمة تدريبهم وتأهيلهم قبل كل شي، بمعنى ان العمل المسرحي الذي سينتج يجب ان يمر بورشة قاسية، تشمل تدريبات الصوت وتقنية الجسد. قدم المناعي مع هذه الفرقة في العام الماضي مسرحية «لو خاس الملح» وفاز بجائزة الاخراج، اكتسب الشبان الذين دخلوا معه اللعبة الجديدة، خبرة جسدية مناسبة، وكانوا فرسانا طيعين، وصفق لهم الجمهور في ذلك الوقت كثيرا.. كان العرض شهادة ميلاد لأكثر من ممثل في فرقة مسرح كلباء، ولهذا كان الفرح كبيرا في اروقتها. بالامس قدم المناعي مع الفرقة نفسها ومع المجموعة نفسها التي عمل معها في عمله السابق مسرحية «جياد» من تأليف رعد مطشر. لكن كانت هناك ملاحظة كبيرة حول تشابه اسلوبية الاداء واللعبة الاخراجية التي شاهدناها في مسرحية «لو خاس الملح» الممثلون يتحركون بالتقنية ذاتها، وما يدور في فضاء المسرح هو ذاته الذي دار في مسرحية العام الماضي! والسؤال الذي يبحث عن نفسه عند المناعي وليس عند الفرقة هو كما طرحه احد المتداخلين في الندوة التطبيقية للعرض: هل بدأ المناعي كمخرج يأكل نفسه؟ سؤال مشروع في ظل هذا التشابه الكبير، فمن المعروف ان كل نص مسرحي يفرض على الاقل ملمح عرضه، او يتجه الى افكار اخراجية بعينها، حتى ولو اعترفنا ان كل نص مسرحي بامكانه ان يتحول على يد المخرج الواحد الى اشكال مختلفة من العرض، لكن هل يمكن ان يؤدي الممثلون نفس الاداء لينطبع على كل نص؟ هذا السؤال، يجر الى سؤال التكرار في التجربتين الاخيرتين للمخرج عبدالله المناعي. ونحن هنا لا نشكك في قدرة هذا المخرج وعبقريته، فهو صاحب رؤية في الاخراج مؤسسة على الدربة والتقانة وتأسيس فضاء العرض بما يدعم المقولة ويثبتها، لكن من حقنا ان نسأل ايضا عن هذه التجربة الفريدة عند هذا المخرج لاننا مطالبون بالمحافظة عليها من السقوط في التكرار. مسرحية «جياد» التي قدمتها فرقة مسرح كلباء ضمن مسابقة ايام الشارقة المسرحية بالامس مست بشكل مباشر وبنص شاعري جراح الشعوب المحاصرة، فلسطين، العراق، وكل الذين يعانون من سطوة الظالم المستبد، السلاسل التي قيدت بها الممثلة اشجان، والمواطنون الذين يتصارعون على الكراسي لنيلها، ثم الكراسي العالية المدلاة من سقف المسرح، والوصول اليها بطريقة تسلق الممثل على كتف زميله، كلها تشي بالصراع على السلطة. الواقع العربي. وقضية فلسطين خاصة، كانت واضحة حينما يسجن المخرج ممثلته او رمز الارض في سجن حديدي ويتركها تنعي الزمان والرجال بقصائد شعرية مؤثرة، فيما اهلها او احبتها يتقاتلون من اجل الصعود الى تلك الكراسي المعلقة. ببساطة هذا ما طرحه عرض «جياد» عزفا على سيمفونية نص يلامس الشعرية احيانا ويجافيها احيانا اخرى. الاخراج اخذ انطلاقة العرض من الصالة الخارجية للمسرح، حيث مجموعة رجال يتصارعون من اجل ان يقولوا «لا»، ثم تتقدم اليهم الفتاة المقيدة، فيتركونها ليتصارعوا على الكراسي، بعدها يدخل المناعي ممثليه الى صالة الجمهور ليعتلوا المسرح الذي قسمه بطوله من اليمين الى اليسار بسياج حديدي كسجن، سجن فيه الفتاة وترك الحارس المتزمت يطلب من السجناء ان يوفروا له سيجارة.. اثنان من «اليهود» كما توحي ملابسهما يسيران ويراقبان السجناء. ثم تأتي صرخة العرض او جملته الملخصة لكل الذي دار في الفضاء المسرحي الذي اسسه المناعي لتقول: اين زمان الجياد، يطلب النص ويطلب المناعي معه كمخرج الخلاص من حصار الظلم وسجن الظلم ودمار الواقع العربي بصراع أفراده على السلطة فيما المحتل يسجن الكرامة، يطلب منا العودة الى زمان الجياد، العودة الى ما كنا عليه في السابق، ايام فتوحاتنا وعزتنا وكرامتنا، مثل هذا الطرح حينما يأتي الآن وفي ظل واقع عربي متفتت وكرامة مسجونة تصبح مقولة النص مهمة، والاجواء التي صنعها المناعي مع ممثليه مهمة ايضا. على مستوى الاداء التمثيلي الذي قام به كل من: اشجان، عبدالله الملا، جمعه علي، عبدالله القطري،احمد ناصر،فيصل عبدالله، سالم راشد،عبدالله البصري، كانت هناك اشارات واضحة ان المناعي قد اخضعهم لتدريبات بدنية عالية، لكن في اماكن من مناطق العرض كان هذا الاداء لا يتصاعد ولا يتدفق وان الأداء بدلا من أن يتبع سلماً تدريجياً محققا ذروته في النهاية، بدأت الذروة من بداية العرض لتستمر على حالها حتى النهاية. وبالطبع فان الممثلين تمتعوا بهذه اللياقة وهذا الصبر على التعب والمعاناة ولكن يبقى المخرج هو الوحيد الذي يسأل عن ذلك التصاعد المطلوب. في الندوة التطبيقية التي تلت العرض أوضحت العديد من المداخلات اشكالية التكرار عند المناعي، وقال عمر غباش: كنت اتمنى لو استمر العرض خارج الخشبة طالما انه بدأ منها، كما قال ريم العيساوي: ان هناك اشكالية في الحوار الذي كان يتدفق ويقفز قفزاً بحيث ضيع المعنى، ان التجريب جميل لكنه ليس تعذيبا، والديكور ثقيل. لكن يبقى المناعي مخرجاً واعياً وانا احب تجاربه كثيراً. الزميل حسين درويش فقال من جانبه: لقد تم تهميش جزء كبير من مكان العرض، وهناك ملاحظة على قراءة الشعر في المسرحية لأنها تتطلب اسلوباً مختلفاً عما سمعناه.