السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 تجتاحنا بين الفينة والأخرى العديد من الصرعات التي يتهافت عليها الناس بشكل يكاد يمثل ظاهرة تستوجب الوقوف عندها، فمع تغير نمط الحياة والتوجه المبالغ الى المظاهر الخارجية تغيرت العديد من المفاهيم، ولعلنا اليوم نقف عند إحدى الظواهر الغريبة التي بدأنا نلاحظها بشكل ملفت، وهي التغير المفاجيء الذي طرأ على أبواب المنازل، وقد يتصور البعض ان الموضوع بسيط ولا يستدعي عمل تحقيق مفصل عنه، ولكن نظرة واحدة خلال جولة بالسيارة تجعلنا أمام حقيقة لا يتنازع حولها شخصان، فبوابة المنزل كانت في الماضي رمزاً للحماية والستر أما اليوم فقد تحولت من ذلك المعنى العميق إلى آخر سطحي، حيث غدت تعبيراً عن الوجاهة و«الفخفخة» أي التباهي بلهجتنا المحلية، وهذا ما نلحظه جيداً في المنشآت السكنية الحديثة التي يضع المالك لها ميزانية خاصة للباب الرئيسي الذي قد يتكون من زجاج أو أن يكون آليا يفتح بكبسة على الريموت كونترول او غيرها من الأمور التي لم نألفها في الماضي، لذا فإننا اليوم نخوض في هذا الموضوع السهل الممتنع لنحاكي ما يختلج الفؤاد من تصورات غريبة عن «باب المنزل».بداية يقول خالد المنهالي ـ موظف ـ لقد اصبحت المظاهر من الأمور التي يلتفت اليها الناس بشكل كبير، لدرجة أنها غدت شغلهم الشاغل في الحياة، لذا فمن غير المستغرب ان نرى منزلاً صغيراً، أو متواضعاً يحوي بابا خارجيا ملفتا للنظر، بل والغريب أن الباب في الماضي كان من الخشب المزركش بينما اليوم يتكون من مواد لم يتوقعها المرء أبداً، حيث ترى أبواباً من الزجاج الذي يكشف الحديقة المنزلية وجزءا كبيرا من الغرف واتصور ان هذا هو الخطأ بعينه، حيث يفترض بنا ان نستر بيوتنا من التلصص والنفوس المريضة لا أن نعرضها بهذا الشكل المخالف للعادات والتقاليد، وأتصور ان الاهتمام بشكل المنزل عامة مهم ولكن وفق ضوابط وأصول معينة علينا مراعاتها، ولو تحدثنا عن الموضوع من جهة اخرى لوجدنا ان الابواب المستحدثة باهظة الثمن بحيث يتكلف الواحد منها مالا يقل عن عشرة آلاف درهم يصرفها المرء على باب زجاجي قد يتعرض للكسر في أية لحظة، وهنا يجب على من يود أن يبني منزلاً جديداً أن يأخذ في الاعتبار الغرض من وجود باب خارجي وألا ينظر إلى ما يفعله غيره، فالطبيعة البشرية تحتم على المرء أن يكون أفضل من غيره وهذا قد يعد مطلباً مشروعا في ظل وجود العقل الذي إذا ما تغافلنا عنه فإن تقليدنا سيكون أعمى بمعنى أنه تقليد سلبي لا يجني من ورائه المرء سوى الخسارة المادية والارهاق البدني في الجري وراء كل ما هو حديث او دخيل لو صح التعبير. انتقاء مشروط وفي المقابل يرى زميله أحمد ـ موظف ـ أن بناء مسكن جديد يكلف صاحبه في أضيق الحدود مالا يقل عن 600 ـ 700 ألف درهم، ومما لا يخفى على أحد أن من يبني مسكناً حديثاً فإنه لن يبخل عليه بشيء مطلقاً، بل اننا نراه يدقق ويفكر بعمق قبل البدء في عملية البناء وعلاوة على ذلك فإن البيت الجديد هو حلم كل مواطن وشاب يبحثان عن الاستقرار العائلي بعيداً عن المشاكل والمنغصات الأخرى، ومادام الحال كذلك فإنه ليس من العيب أن يختار المرء باباً مناسباً لمنزله شريطة أن يكون آمنا، وأتصور أنه قد ولى زمن الأبواب الخشبية التقليدية أو الحديدية العادية، حيث يستعاض عنها اليوم بأبواب مزركشة جميلة وأخرى تعمل الكترونيا بحيث ان الشاب يحمل معه جهاز للتحكم عن بعد يضغط عليه فيفتح الباب تلقائيا دون الحاجة إلى الوقوف فترة من الوقت خارج المنزل حتى يتمكن من إدخال سيارته، وعلى العموم فإننا نعيش في مجتمع آمن والحمد لله، لا يخشى معه المرء على نفسه أو أهل بيته، وحتى لو أنفق عشرات الآلاف على باب جميل الشكل فإن هذا لا يعني تبذيرا، لانه في كل الأحوال سيستمر معه الباب لسنوات طويلة ولن يضطر لتغيير كل شهر ولا حتى كل سنة، ومادام قد دفع منذ البدء مئات الآلاف فلا ضير من أن يزيد عليها قليلاً حتى تكتمل مقومات البيت الحديث المثالي الذي يطمح إليه المرء. كمالية اساسية ويعبر احمد جمعة المحيربي ـ موظف ـ عن رأيه قائلا: إن باب المنزل يعد من الكماليات الأساسية التي تضفي لمسة جمالية للمنزل بشكل عام لذا كان الحرص على التفنن في اختياره، حيث يعتمد البعض في هذه المسألة مبدأ «خالف تعرف» فنجده يحرص على ان تكون النقوش الموجودة على الجدار هي ذاتها النقوش الموجدة على الباب كي يحصل تناغم في الديكور الخارجي، ورغم انني أؤمن بمبدأ أن الجوهر أهم من المظهر إلا ان هذا لا يعني ألا يحرص المرء على بعض الكماليات التي تعينه على السكن في منزل أنيق من كافة النواحي، فمادامت المادة متوفرة فلم يبخل المرء على نفسه ببعض الأمور التي قد تعتبر من وجهة نظره اساسية، ولعلنا لوقمنا بجولة بسيطة اليوم في مختلف الاحياء السكنية الحديثة منها والقديمة لرأينا مدى الاهتمام الذي يلقاه المنزل من كافة النواحي الخارجية بدءا بالنوافذ والأبواب والسور الخارجي والحديقة المنزلية المصغرة، وبعد هذا كله أفلا يستحق الباب الرئيسي للمنزل قدراً كافيا من الاهتمام شأنه في ذلك شأن كافة الديكورات، لذا فليس من ا لضرورة ان يكون صاحب المنزل متباهيا او متكبراً إذا ما كان باب منزله باهظ الثمن مقارنة بالمنزل ذاته، فقد يكون ذلك حرصاً منه على اجتذاب الزوار، وكما يقال في الأمثال ان الكتاب يقرأ من عنوانه فإن المنزل يدخل من باب بمعنى أنه يعبر عن صاحبه ومدى رغبته في استقبال الزوار وأتصور أن هذا الرأي هو الأقرب للصواب. معان متنوعة وكذلك يقول عبدالله محمد صالح ـ موظف: لقد لاحظت بالفعل التنوع الكبير في انتقاء باب مناسب للمنزل، فقد لاحظت ان بعض البيوت على الرغم من صغر حجمها ومساحتها الا انها ذات باب رئيسي ضخم، والعكس ايضاً صحيح، فالبعض الآخر من البيوت كبيرة الحجم يستتر اصحابها خلف باب حديدي بسيط جداً، بل هناك نماذج لبيوت تبدو للوهلة الاولى انها لاناس من الطبقة المتوسطة الا ان السور الذي يحميها والباب الذي يقف عنده «بواب» يجعل المرء يشعر بأنه امام منزل شخصية مهمة، بل وقد يتعدى الامر إلى الاعتقاد بأنه منزل لشخص له العديد من الاعداء والا فَلِمَ هذا السور الضخم والباب الكبير الذي يحرسه «بواب» ولا يسمح لاحد بتجاوز السور إلى داخل المنزل حتى يعرف من يكون والسبب من قدومه؟! واذكر اننى كنت يوماً برفقة احد الاصدقاء وحين مررنا باحد المنازل التي بنيت منذ فترة طويلة لاحظنا ان باب المنزل نظيف ويبدو وكأنه وضع حديثا، وبعد ان وجهت تعليقي وملاحظتي لذلك الصديق تفاجأت من رده جداً، حيث قال ان صاحب البيت هو شخص بخيل للغاية لذا فإن باب منزله نظيف حيث لا يأتيه احد ليطرق بابه او حتى ليزوره في السراء والضراء، وهنا تأكدت ان الباب قد يحمل شخصية صاحب المنزل وان كان الامر يصعب تأكيده او تطبيقه على الجميع الا أنه قد لا يخلو من الصحة في بعض الاحيان، وعليه فإن الباب يحوي معاني متعددة ومتنوعة قد يكون بعضها ظاهراً للعيان بينما الآخر مبهماً والمهم في هذا كله انه قد يستر طباع اصحابه القاطنين خلفه او قد يفضحهم لذا وجب على المرء ان يحسن اختيار الباب المناسب كي لا يعطيه الآخرون اكبر او اصغر من مكانته. تحفة ثمينة وتوضح ام سلمان حمد ـ ربة منزل ـ انه وخلال احد المهرجانات فازت وزوجها بمبلغ مالي كبير قررا استثماره في بناء المنزل الذي طالما حلما به خاصة وانهما يعيشان في منزل شعبي متواضع مع ابنائهما العشرة ويقول: بالفعل تحركنا فوراً نحو احد المقاولين المشهورين وبعد ان صمم لنا المنزل طبقاً لشروطنا وامكاناتنا توجهنا إلى مهندس الديكور صمم لنا الديكورات الداخلية وكذلك النوافذ والابواب وقد كنت مشرفة على عمل الديكورات واشكال النوافذ، وكان اكثر اهتمامي منصباً على الباب الخارجي للمنزل فقد كنت اريده ذا شكل مبتكر وأنيق وحديث لم يسبق لاحد ان استخدمه، وفي النهاية وبعد عدة جولات وجولات اخترت باباً كهربائياً من الزجاج الكثيف الذي لا يكشف عما داخل المنزل، وصلت تكلفته إلى ما يزيد على الخمسين الف درهم وعلى مضض وافقني زوجي عقب عدة مناقشات ومشاورات افهمته خلالها ان هذا المنزل هو حلم حياتي الذي تحقق لذا فإنني اود أن يكون بحق مختلفاً عن بقية البيوت المجاورة، والحقيقة ان جميع الاهل والجيران انبهروا بذلك الباب الذي وصفوه بأنه «تحفة ثمينة» و«اكثر من روعة» وقد حاول البعض منهم تقليده الا ان سعره الباهظ منعهم من ذلك، وهكذا فأنا ارى ان المرأة لابد وان تلعب دوراً في انتقاء ما يناسبها ويناسب طموحها، فباب المنزل هو عنوانه العريض الذي ما ان تقع العين عليه حتى يشجع او ينفر الناس من دخوله كما انه دليل شخصية ساكني ذلك المنزل، وقبل ذلك فإن من يرغب بزيارة احد لاول مرة فإن اول ما يتم وصفه له هو شكل الباب الذي بتميزه يتميز البيت، لذا فليس غريباً الاهتمام به اهتماماً قد يصل حد المبالغة. فخر ومباهاة ومن جهته يوضح الاخصائي الاجتماعي شهاب أحمد ان السبب وراء ما نشاهده من ابواب غريبة في مختلف المناطق السكنية يعود إلى حب الناس للتفاخر والمباهاة دون ان يضعوا في اعتبارهم ان الجوهر اهم بكثير من المظهر، واتصور ان حب التقليد للغير يلعب دوراً كبيراً في هذه المسألة لدرجة ان البعض نراه يلجأ للتقليد ولو على حساب ميزانيته وقدراته المادية مدفوعاً برغبته ان يكون مثل «فلان» او حتى افضل منه، ثم ان انتشار المقاولين قد يكون سبباً لما نراه حيث يلزم المقاول صاحب المنزل بشراء هذا الباب لأنه من البلد الفلاني وان هذه هي الموضة هذه الايام، فيجد صاحب المنزل نفسه مرغماً على الموافقة دون ادنى تفكير، وعليه نقول ان المرء يجب ان يثبت استقلاليته في اختيار ما يناسبه وما لا يناسبه وفقاً للميزانية التي لديه، فالتقليد الاعمى للغير والمقاول كلاهما يستنزف الاموال دون وجه حق، ثم ان المرء لو لم يكن مقتنعاً ومتيقناً من اختياره فإنه لابد وان يغير الباب بعد فترة وجيزة، واعتقد في الوقت ذاته انه من الضرورة بمكان ان يكون الباب ساتراً للمنزل حتى تكتمل خصوصية المرء وراحته في بيته، فالباب المكشوف يحد من الحرية الشخصية ويجعل المرء في صراع بين رغبته في القيام بأي عمل وخشيته من تلصص الآخرين عليه، وهذا ما قد يجعله في صراع نفسي بين ممارسة حياته الاجتماعية بعفوية وبين المجتمع الخارجي، وهذا الصراع لن يتوقف الا اذا كان ما بداخل اسوار المنزل محصناً بباب قوي يمثل حصناً للمرء وأفراد اسرته من طمع الطامعين وضعف الفضوليين. أسباب متعددة وكذلك يؤكد الاخصائي النفسي على الجنيبي ان هناك اسباباً متعددة للاهتمام المبالغ ببوابة المنزل، فالسبب الاول هو حب التقليد، فقد يعجب المرء بتشكيلة منزل جاره او احد اقربائه فيعمد إلى تقليده، وكذلك الوفرة المادية فمن تتوفر لديه سيولة مالية فإنه بالطبع لن يبخل على منزله بباب حديدي ينافس فيه غيره، فأول ما تقع عليه عينا المرء عند زيارته لاحد هو باب المنزل، لدرجة اننا نرى فئة ليست بالقليلة من الناس ممن يفضلون كتابة بعض الآيات القرآنية او الادعية على الابواب الرئيسية للمنزل درءاً للحسد او العين حسب اعتقادهم، مضيفاً ان الباب قد يعبر عن صاحب المنزل، بمعنى ان البيوت ذات الابواب الزجاجية قد تعني ان صاحبها انسان واضح ولا يخفي شيئاً بعكس ذلك الذي يحصن منزله بباب ذي لون اسود داكن فإن صاحبه قد يكون شخصاً غامضاً يود اخفاء حياته الشخصية عن الافراد، ولكن اؤكد ان هذا ليس بالضرورة ان يكون صحيحاً فلكل قاعدة شواذ وكل انسان حر في اختياره. ويوضح الاخصائي ان الاختيارات في الماضي كانت محدودة ما بين الباب الخشبي والحديدي، اما اليوم فإن المرء لديه عدد كبير من الاختيارات مما يجعله يقف طويلاً كي يتمكن في النهاية من التفنن في اختياره لدرجة ان هناك فئة من الناس ممن يشاورون اصحاب الخبرات في انسب باب لمنزله، ثم ان هناك نقطة مهمة لابد من التنويه اليها وهي استتباب الامن في المجتمع، حيث نعيش اليوم في مجتمع آمن بفضل الله ـ تعالى ـ لذا فإن انتقاءنا لباب زجاجي على سبيل المثال اصبح امراً عادياً ومنتشراً، خاصة في الاحياء الراقية التي لا يخشى فيها المرء على نفسه او اي فرد من افراد اسرته، بينما لو قارنّا الابواب في تلك الاحياء بغيرها من المناطق النائية المنعزلة لوجدنا فرقاً شاسعاً بينهما حيث يحرص سكان الثانية على الابواب الحديدية القوية خشية ان يتعرضوا للسرقة او غيرها من الجرائم، وهكذا يتضح لنا ان التفنن في اختيار الابواب له اسباب متعددة رئيسية وفرعية وللمرء الحرية في انتقاء ما يناسبه وما لا يناسبه، فمع تغير الشخوص والدوافع تتغير الابواب. تحقيق: رابعة الزرعوني