الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 كان بحارة السفينة الشراعية قد انزلوا شراع سفينتهم القادمة من لنجه على ساحل الخليج العربي في يوم من ايام عام 1901، وهي تمخر في تؤده عباب الخور، وتلف على رأس ديرة، متجهة صوب البطين لترسو مع عشرات من السفن الأخرى.. فهذه كويتية قادمة من مدينة كاليكوت بالهند تفرغ حمولتها من خشب «الساج» وانواع اخرى من «الكنادل» الخشب. وهذا البوم اتى من البصرة محملا بالتمور يأخذها الحمالون من يد البحارة الى «البجاخير» المستودعات المتناثرة على ضفة الخور. وهذا الجالبوت اتى لتوه من الباطنة يحمل الدعون والجريد يحاول ان يجد له مرسى لا يبعده عن قلب السوق. وهذا سمبوك اوشك بحارته على الانتهاء من دهنه «بالصل» واصلاحه من العطب والثقوب التي وجدت فيه بعد ان مكث في البحر طويلا، وقد احضروا لجره الى البحر ثانية «دوار شامي» والبيط «الحبال الغليظة». وكان بين الركاب الذين نزلوا من السفينة القادمة من لنجه رجل اوروبي قليلا ما كانت العين تقع على مثله في ساحل عمان في ذلك الوقت من الزمن، ولم يكن هذا الزائر سوى المبشر الأميركي المسيحي والمستشرق بيتر زويمر الذي قدم الى الخليج من اميركا في عام 1892 لينضم الى الارسالية الاميركية الموجودة بالبحرين آنذاك، ومن ثم يضع الخطط مع زملائه لنشر التبشير واقامة الارساليات في انحاء مختلفة من الخليج. وكانت زيارته لدبي في حوالي عام 1901 اي منذ اثنتين وسبعين سنة تقريبا وذلك ضمن جولة كان يقوم بها زويمر في الخليج العربي بين حين وآخر، خاصة بعد ان قررت ارساليته ان تتخذ من مسقط مقرا ثالثا للارساليات المسيحية في الخليج بعد البصرة والبحرين. لقد شاهد زويمر وهو يتمشى على ضفاف هذا الخليج المائي الصغير الذي يعتبر الشريان الحيوي المغذي للحركة التجارية في دبي، حركة ونشاطا غير عاديين، لم ير لهما مثيلا في المدن الصغيرة المتناثرة على ضفاف الخليج العربي باستثناء لنجه التي تقع على الساحل الفارسي والتي كانت في ذلك الوقت من اكثر المدن الخليجية عمرانا وسكانا. ورأى زويمر بثاقب بصره ان هذه القرية الصغيرة بانتظار مستقبل اكبر من حجمها الحالي بكثير، وخاصة بعد ان قاده تجواله الى السبيخة، الميدان الذي كان يعج بالغادي والرائح من القوافل التي تأتي الى دبي من كل انحاء البادية ومناطق عمان الداخلية يوميا، محملة بمختلف المنتوجات المحلية، لتقايض بها اصحاب الدكاكين المحاطة بالسبخة بانواع المأكولات التي تحتاج اليها كالارز والحنطة والسكر والبهارات والحبوب فهذه المطايا جاءت من البادية تحمل السمن والاقط والحطب والفحم، وتلك من ساحل الباطنة تحمل الليمون الاخضر والجاف والحناء والعسل ومنتوجات زراعية اخرى، وهذه ايضا جاءت من عمان او واحة البريمي تحمل تمر «الفرض والخلاص» وهي أجود انواع التمور المعروفة بالمنطقة. ومن يدري فلعل السبيخة السوق الشعبية التي مازالت عامرة رغم اختفاء القوافل والجمال منها، قد حلت مكانة السبخة التي كانت محطة رئيسية للقوافل بين عمان وقطر قبل العصر الاسلامي وبعده، وكانت هذه القوافل تمر بالسبخة وهي قادمة من اليمن والمناطق الداخلية لعمان وتذهب عبر الجزيرة محملة بالبضائع اليمنية الى العراق. والشام ومدائن كسرى في فارس. والطريف ان البروفيسور «برامكي» استاذ الاثار بالجامعة الاميركية بيروت الذي قدم الى دبي لمعاينة اثار الحيطان والاعمدة التي اكتشفت في منطقة الوصل القريبة من جميرا في دبي، وقام بدراسات في هذا الصدد أكد ومازال يؤكد ان هذا المكان هو السبخة او محطة القوافل المشار اليها من قبل الراحلة الاغريق ومن بعض جغرافيي العرب مثل ابي القاسم عبيد الله بن عبدالله المعروف بابن خرداذبة المتوفي سنة 300ه. صاحب كتاب المسالك والممالك، الذي ذكر اسم السبخة في مكانين من كتابه هذا وقال عنها انها تقع بين قطر وعمان. لقد نشر زويمر انطباعاته عن دبي في دراسته عن احوال شبه الجزيرة العربية جغرافيا وسكانا والتي نشرت في لندن سنة 1903، وفي هذه الدراسة يقول زويمر عن دبي بالحرف الواحد «ان ما وجده في هذه القرية ينبئ عن مستقبل تجاري يجعل من هذا البلد العاصمة الحقيقية للتجارة في هذه المنطقة، وسوف تحل دبي محل لنجه في وقت قريب». والغريب ان نبوءة زويمر تحققت بعد مضي سنتين من زيارته اذ سرعان ما بدأت البواخر التجارية تولي وجهها شطر دبي لتستخدم ميناءها وبدأ التجار العرب والهنود والايرانيون يتوافدون على دبي لاتخاذها مقرا لمعاملاتهم التجارية وخاصة من لنجه عندما بدأ الايرانيون يبسطون نفوذهم عليها وتنفلت الامور من ايدي حكامها العرب القواسم الذين كان اخرهم الشيخ محمد بن خليفة القاسمي الذي اضطر الى النزوح الى الساحل العربي في اوائل هذا القرن. حيث قام الايرانيون بعد ذلك بتأجير ميناء لنجه الى شركة بلجيكية التي قامت بدورها بتطبيق اجراءات جمركية مشددة جعلت التجار يفكرون في ايجاد ميناء اخر على ضفاف الخليج. ويذكر التاريخ للشيخ مكتوم بن حشر بن مكتوم جد الحاكم الحالي سمو الشيخ راشد بن سعيد بن مكتوم الفضل في استغلال الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به دبي والاستفادة من الوضع الذي آلت اليه لنجه حيث رحب برؤوس الأمول التي قدمت الى دبي واعفاها من أية ضرائب جمركية وقام بانشاء ادارة للميناء واقام اسواقا في كل من دبي وديره، ومن عاش في دبي قبل خمسة عشر عاما يذكر بالدقة سوق البانيان الذي توسع الآن وهو من الاسواق المهمة التي اقامها الشيخ مكتوم بن حشر.