الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 كثيراً ما تشكل ولادة طفل معاق صدمة كبيرة للوالدين ومع مرور الايام يعتاد الوالدان على ذلك ويتقبلان الامر ويبدآن شيئاً فشيئا في العمل من اجل تلبية احتياجاته ورعايته.. لكن هناك من الاسر من ترفض وتتنكر لوجود المعاق وتخفي امره وتعتبره انسانا غير مرغوب به فتحرمه بذلك من الحب والرعاية والمعاملة الحسنة وتنسحب هذه النظرة القاصرة تجاهه الى اشقائه وشقيقاته الذين يهملونه وقد يسيئون معاملته لانهم يشعرون بالخجل من وضعه وكأنه وصمة عار في المنزل ويجعله كل ذلك يشعر وكأنه يعيش مأساة تسبب له فيها من يفترض أنهم مصدر الحب والاهتمام والاعتناء به. فها هم يهدرون حقوقه باساءة معاملته وهو ما يجعله يشعر بأنه دونهم منزلة وقدراً فيحبط نفسيا ويصبح سير علاجه وتأهيله معضلة. «دنيا الناس» تدرك أهمية مالإخوة المعاق من دور ممادفعها لاجراء التحقيق التالي. أسامة نديم مارديني المسئول الاعلامي بمدينة الشارقة للخدمات الانسانية يقول: نظم قسم التسجيل مؤخراً بمدينة الشارقة للخدمات الانسانية فعاليات عديدة لمشروع «اخوة الطفل المعاق» بالتعاون مع جمعية أولياء امور المعاقين في الامارات.. ويهدف هذا المشروع الى تحقيق التقارب الاخوي بين المعاق وأخيه وتنمية الوعي بأهمية العلاقة الاخوية من خلال الاحترام المتبادل وكذلك تنمية روح المحبة والتقدير في نفوس طلبة المدارس تجاه الطفل المعاق وأخيه.. وخلال الفعاليات تم الاستفادة من الاذاعات المدرسية حيث خصصت فقرات لتعريف الطلبة بالمشروع وقيمة معنى الأخوة واهمية احترام المعاق وحسن معاملته لانه أولاً واخيراً فرد من افراد الاسرة والمجتمع ينبغي التعامل معه باحترام ومحبة اسوة بالاخرين.. كما تم طرح مسابقة لأجمل تعبير انشائي مبني على فكرة (كلنا اخوة للمعاقين) لطلبة المدارس من الصف الرابع الابتدائي وحتى الثالث الثانوي ورصدت لها جوائز نقدية.. وضمن فعاليات المشروع ايضا تم استقبال زيارات مدرسية لطلاب من ضمنهم اخوة لطفل معاق وعدد من زملائهم وذلك بالتنسيق مع ادارات المدارس الحكومية والخاصة في الشارقة وعجمان ودبي.. ويضيف: ان وجود طفل معاق في الاسرة قد يترك تأثيرات متفاوتة على جميع افرادها بمن فيهم الاخوة والاخوات، وللاسف كثيراً ما يتجاهل الاختصاصيون واولياء الامور هذه الحقيقة فلا يتخذون أية تدابير احترازية لمنع حدوث المشكلات او التخفيف منها.. واود الاشارة الى ان اعاقة الاخ او الاخت قد لا تقود بالضرورة الى مشكلات تكييفية وردود فعل نفسية شديدة غير صحية.. لكنها قد تدفع ببعض الاخوة والاخوات الى التعاطف مع الذين لديهم اعاقة وهي قد تزودهم بفرص وخبرات تقود الى النضج وتقبل الفروق بين الناس والتحمل وسعة الصدر.. وعلى أن الجو العاطفي في الاسرة قد يكون اكثر اهمية من الاعاقة نفسها بالنسبة لسوء التكيف المحتمل لدى اخوة واخوات الطفل المعاق.ويضيف: من اهم العوامل المرتبطة بالاسرة التي قد تقود الى سوء توافق انفعالي لدى اخوة الطفل المعاق هي تحمل المسئولية اذ ان تحمل أخوة الطفل المعاق مسئولية رعايته والعناية به قبل أن يكونوا قادرين على ذلك ربما يؤدي الى تطور الشعور بالاستياء لديهم فتحميلهم ما لا طاقة لهم به من حيث الآمال الكبيرة والضغوط للانجاز له تأثيرات سلبية عليهم كاحساسهم بالغضب والذنب فإذا أبدت الاسرة اهتماما كبيرا وخاصا بالطفل المعاق فقد يتطور شعور لدى اخوته بالغضب وبالاهمال من قبل الوالدين وعدم التواصل كذلك فان عدم مناقشة اخوة الطفل المعاق وعدم تفسير حالته لهم قد يخلق لديهم شعوراً بالحيرة وربما الوحدة والانطواء الى جانب ذلك فالاخوة يتأثرون بشكل واضح باتجاهات الاباء نحو الطفل المعاق فالاباء هم النموذج لابنائهم اي ان الاباء الذين يتقبلون وضع الطفل كما هو يؤثرون ايجابيا على ابنائهم اما اذا كان الاباء يشعرون بالخجل او القلق تجاه الطفل المعاق فانهم سينقلون الشعور نفسه اضافة الى تعرضه لقيود الاعاقة فالاعاقة تفرض قيودا على نشاطات الاسرة وعلى امكانية توفير فرص كافية لافرادها للترويح عن النفس وعمل النشاطات الاجتماعية الاخرى.. ومع ان حق الطفل المعاق على اسرته حق طبيعي يجب تلبيته الا ان للاطفال الآخرين في الاسرة حقا في ان يعيشوا كاطفال يحتاجون للتمتع بطفولتهم. بجانب ذلك تأثيرات الزملاء والاصدقاء فإضافة الى الاسرة والعوامل المرتبطة بها فلا شك ان للمجتمع تأثيرات لا يمكن غض الطرف عنها فاتجاهات الزملاء في المدرسة مثلا والاصدقاء والاقارب كثيراً ما تكون غير واقعية مما يعرض الطفل المعاق لضغوط كبيرة.. ولحسن الحظ فان جميع العوامل التي تمت الاشارة اليها هنا يمكن التعايش معها والتغلب على الصعوبات الناجمة عنها.. وهناك مقترحات عديدة مفيدة على صعيد عملية تكيف وتعايش الاخوة مع الوضع الذي تفرضه الصعوبات الخاصة لدى اخيهم أو اختهم المعاقة على نشاطات وحياة الاسرة بشكل عام.. فعلى الوالدين توضيح حالة الطفل وطبيعتها مع العلم ان الناس يختلفون فيما بينهم من حيث الخصائص واعطاء أمثلة واقعية من خلال مدى الاختلاف بين الاخوة من حيث قدراتهم الدراسية والاجتماعية والاختلاف في الميول والاهتمامات.. كما يجب ترسيخ مفهوم الايمان بأن هذه الاختلافات ليست من صنع الانسان فلا ضمان لأحدنا في ان يبقى بأحسن حال دائما فهو معرض لحوادث وامراض، ويجب اعطاء اخوة الطفل المعاق الفرصة للتعبير الكافي عن مخاوفهم ومشاعرهم لان في ذلك بداية للتدخل وحل بعض هذه المخاوف ويجب تقليل العبء عن عاتق الطفل العادي من حيث العناية أو مراعاة الاخ المعاق والسماح له بالعيش بالطريقة التي يعيشها الاطفال الآخرون. نضال البشيتي مسئولة قسم التأهيل بمدينة الشارقة للخدمات الانسانية تقول: لابد على أية اسرة يوجد بوسطها طفل معاق تقبله أولا قبل الحاقه بأي مركز للعلاج فالتدخل المبكر أولا يأتي من الاسرة التي تتحمل المهمة الأولى لاعداد هذا المعاق لمواجهة المجتمع ودور المؤسسات ثانوي بعد الاسرة فهي تكمل مسيرة الاسرة (الأم والاب والاخوة والاخوات) فالمؤسسات تتعرف على الطفل المعاق من خلال الاسرة.. وتضيف: المعاق بحاجة الى حنان ومتابعة دورية من قبل الاسرة كما يحتاج معاملة حسنة دون تجريح او خجل منه فمثل هذه الامور تعزز الجانب النفسي لدى المعاق وتزيد ثقته بنفسه.. فالثقة بالذات سمة مكتسبة من الاسرة والمجتمع. وتؤكد نضال ان المعاملة الخاصة للمعاق مرفوضة نهائيا والامر هنا يتطلب المساواة والعدالة فعلى الوالدين المساواة بين ابنائهم المعاقين والاسوياء وهذا لا يمنع من تقديم الرعاية بصورة أكبر للمعاق من السوي نظراً لوضعه الصحي بشرط عدم الافراط في هذه الرعاية حتى لا تتولد الغيرة في نفس الطفل السوي.. وتضيف: الطفل المعاق ذهنيا يكون اكثر حساسية من الاعاقات الاخرى ولابد من مراعاة هذا الجانب عند التعامل معه. لطيفة اخصائية اجتماعية بالمدينة تقول: هدفنا بمدينة الشارقة للخدمات الانسانية رعاية المعاق ودمجه مع الاسرة بتطوير قدراته فالمعاق انسان وبشر وبحاجة ماسه للحنان والرعاية مثله مثل السوي ولابد هنا من عدم التفريق في المعاملة بين الطفل المعاق والطفل السوي واعتبارهما فردين عاديين من افراد الاسرة.. وقد لاحظنا ان التواصل بين الاشقاء الاصحاء والمعاقين منعدم في الاسرة الواحدة وربما يعود ذلك لجهل الاسرة وعدم معرفتها بنفسية المعاق وهذا الاهمال الاسري للمعاق يولد نفسية محطمة ويقلل نسب علاجه وتطوره سلوكيا في المستقبل.. فالمعاق في وسط اسرته يقلد اشقاءه الاسوياء ويرغب بان يكون له تقدير ومساحة من الاحترام وسطهم وأي تميز في المعاملة تؤثر في نفسيته.. ونحن نطالب الاسرة بعدم التفرقة في معاملة الابناء المعاقين والاسوياء فهذا من شأنه ان يولد غيرة وحقدا في نفوس كليهما تجاه الاخر وتنعدم بينهما مشاعر الاخوة والترابط الاخوي والرحمة. وكثيراً ما نجد الاشقاء الاسوياء يشعرون بخجل وعار وبنوع من الدونية عندما يعلم احد اصدقائهم بان لديهم شقيقا او شقيقة معاقة في البيت.. وبدوره تتولد في نفوسهم مشاعر كره تجاه المعاق ويقدمون على الاساءة إليه.. وتضيف: لابد من تغير مفاهيم عديدة عن الطفل المعاق فهو ليس وصمة عار في محيط الاسرة.. بل انسان له كيانه وحقوقه مثل مثله بقية افراد الاسرة. التكيف النفسي ابراهيم أمين القريوتي مسئول بجمعية اولياء امور المعاقين بالشارقة يقول: ان ولادة طفل معاق داخل الاسرة ومن ثم المجتمع يعتبر مسألة يجب الانتباه لها ومعرفة دور الاسرة الاساسي في التعامل مع هذه الحالة ولما لهذا الدور من أثر على نمو وتطور الفرد وتكيفه النفسي وتفاعله مع اسرته ومع افراد المجتمع فقد توجهت الابحاث والدراسات الحديثة في مجال التربية الخاصة الى التركيز على الاسرة ودورها في تخفيف آثار الاعاقة ولاشك أن وجود فرد معاق بالاسرة يؤثر على مستوى تفاعلها وتكيفها.. فالاسرة هي المؤسسة الاولى التي تحتضن الطفل وهي المسئولة عن القيام بأدوارها الاساسية من تربية وتعليم وتوفير سبل النجاح له وهذا الدور مناط بالأسرة تجاه ابنائها سواء كانوا يعانون من صعوبة ما أولا يعانون. ويضيف: اذا لم تستطع الاسرة تلبية متطلبات المعاق وفهم احتياجاته والتواصل معه فسوف يصاحب ذلك نوع من الاغتراب عند المعاق سمعيا وتتولد لديه مشاعر من الضيق والتوتر فمشكلة المعاق سمعياً في اسرته تتركز في عدم مقدرة الاهل على فهم ظروفه ومشاعره والتفاعل معه وقد يميلون للحماية الزائدة حيث ان حرمانه من ممارسه دوره العادي يؤدي الى ظهور الاعتمادية لديه ما يقلل من قدرته على تحمل المسئولية والاعتماد على نفسه مستقبلا.. ويؤثر وجود المعاق سمعياً على اخوته من حيث طرق تواصلهم معه فنظرا لعدم قدرته على فهم اللغة المنطوقة فانه لا يستطيع فهم ما يقال له ولا يستطيع توصيل ما يريده لاشقائه وهذا الضعف المشترك في التواصل يعزى الى فقدان حاسة السمع واذا لم يطور الاهل والمعاق وسيلة تواصل مناسبة فان المعاق سيظل حبيس اعاقته مما يؤثر على شخصيته وعلى تكيفه النفسي ويعطل من عملية اندماجه بيئية الاسرة.. ويضيف: الاهل والاشقاء الذين يشعرون بالحرج أو الخجل من جراء اعاقة شقيقهم لا يساعدونه بل يؤكدون مشاعرهم السلبيه التي تنعكس آثارها سلبيا على مفهومه عند ذاته.. وفي بعض الاحيان قد يرفض الاهل والاشقاء استخدام المعينات السمعية او التواصل الاشاري وبخاصة عندما يشتركون في المناسبات الاجتماعية أو عند زيارة الاقارب او الذهاب الى الاماكن العامة.. ويقول: مما لاشك فيه ان المعاملة المبنية على اسس التفهم والتقبل للمعاق تزيد من مستوى تكيفه الاجتماعي وان معرفة الاباء والاشقاء بطرق واساليب التواصل مع المعاق وتوفير كافة الظروف والمثيرات التربوية يزيدان من مستوى تحصيله الاكاديمي.. ونجاح المعاق أو فشله في الاندماج لا يرتبطان بخصائصه فقط بل يرتبطان بالاسرة ايضا فمواقف الاسرة من المعاق تلعب دوراً كبيراً في مدى توافقه الاجتماعي واندماجه في الاسرة.. فالمواقف السلبية كالرفض والاهمال واليأس والقلق والاستخفاف بقدراته وتجريحه والنظر اليه نظرة دونية وبأنه انسان اقل قدرة ومكانة مقارنة باخوانه وعدم السماح له بالمشاركة والايمان ان العمل معه مضيعة للوقت وفقدان الامل منه نظراً لعجزه فكل هذه المواقف وغيرها تعطل عملية اندماج المعاق في اسرته. تجربة أم غريسة حسن علي تقول: اشقائي الاربعة هم تجربتي الاولى لمواجهة عالم الاعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة.. وبما انني الابنة الكبرى فقد اعتدت على تحمل المسئولية العائلية.. وربما هي الفطرة والاستعداد الانثوي وثقة والدتي في انني اليد المساعدة في ظل معاناة اخوتي الشباب ما مكنني من اداء الدورين معا دور الاخت والام وكنت الاحظ من متابعتي لهم انهم تأخروا في المشي بالاضافة الى خمولهم وعدم تمتعهم بشقاوة الاطفال ثم لاحظت انهم عندما كبروا كانوا يهابون الاخرين وانعزاليين ويحبون الانطواء على انفسهم.. هذه الملاحظات عن عالم اخوتي حملتني على الحاقهم بمدينة الشارقة للخدمات الانسانية حيث عرفنا ان اخوتي يعانون من الاعاقة العقلية وهم بحاجة لعناية ومتابعة مستمرة في المنزل وان عليّ أن اكمل ما بدأته المعلمة وتضيف: تجربتي الثانية كانت مع ابني الذي يعاني الاعاقة العقلية ورغم الصعوبات اختصر مجهودي معه في ملامح اعتز ان يحملها طفلي فهو الان يبلغ من العمر 16 سنة اي اصبح شابا يعتمد على نفسه ويخدم ذاته وبتشجيع مني كسر حاجز الخوف ولديه اصدقاء ويستطيع الكتابة رغم الصعوبة التي يعانيها في امساك القلم ولايزال امامي الكثير لاحققه مع اخوتي وابني.. تجربة شقيقة فاطمة محمد (طالبة جامعية) تقول: لديَّ شقيقة في الاسرة تعاني من اعاقة ذهنية منذ ولادتها وكن نجد صعوبة كبيرة في التأقلم معها عندما كنا صغاراً ولذا كنا نعاملها معاملة جدا سيئة بالضرب واخفائها عن اعين اصدقائنا الذين يزوروننا بالمنزل حتى لا تكون عرضة للضحك من قبلهم واستمر وضعها هكذا حتى تمّ الحاقها بمدرسة خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة وهناك تم تطوير الكثير من مهاراتها وبدأت تتأقلم معنا وتتحاور بشتى الطرق.. والان اصبحت اختنا قريبة جدا منا.. وليس كالسابق حين كانت تضعنا دائما في مواقف محرجه لدرجة اننا كنا نحبسها في الغرفة وتضيف فاطمة: هناك صعوبة كبيرة في التعايش مع الاخوة المعاقين والمجتمع بحاجة ماسة للمدارس الخاصة بالمعاقين لتطوير مهاراتهم حتى نتمكن من التأقلم معهم.. ولم يحدث يوماً وان تحملت مسئولية شقيقتي فهي مع المربية ووالدتي دائما.. وانا احبها كثيرا الان خاصة بعد التحاقها بالمدرسة