الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 بدا علم الاعصاب موضوعا ساخنا كسخونة اسهم شركات الانترنت خلال سنوات التسعينيات، فقد تدفق على هذا الحقل آلاف الباحثين وأنفقت مليارات الدولارات، ومرد ذلك كله يعود في جانب كبير منه الى الامل الذي اوجدته الادوات الاختبارية الجديدة مثل ماسحات التصوير بالرنين المغناطيسي، وفجأة بدا دماغ الانسان الواعي، الذي ظل لفترة طويلة محصورا داخل الجمجمة، متاحا للوصول اليه من قبل العلم. لم يكن المجد المتمثل في تحقيق اكتشافات علمية هو الذي راق للعلماء فقط، فهناك كنز يكمن في الاعصاب، فمرض مثل الزهايمر «الرعاش» الذي يصيب ثلث الاشخاص الاميركيين الذين يصلون الى الثمانينيات من عمرهم، يكلف الاقتصاد الاميركي حوالي 100 مليار دولار سنويا، وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل المؤتمر السنوي لجمعية علم الاعصاب يعج بحوالي 23 الف عالم شاب متحمس. ولكن السؤال هنا هو: ما الذي توفر من النشاط المسعور في العقد الماضي؟ هل كشف الدماغ بسرعة عن اسراره؟ ليس من السهل الاجابة عن هذين السؤالين، فالأمر صعب ومعقد، ولكن الامر الواضح هو ان علم الاعصاب يستفيد حاليا من مجموعة كاملة من اساليب البحث الثورية من الابر الدقيقة التي يمكنها ان تحقن جزيئات قليلة من دواء ما في وصلة عصبية وحتى تجارب الربط الجيني، ولكن على الرغم من سيل اوراق البحث، الا ان معظم علماء الاعصاب يشعرون وكأن انوفهم محشورة قبالة لوحة زيتية، ولكنهم مع ذلك لا يستطيعون ان يبتعدوا عن التفاصيل لكي يتأملوا اللوحة كاملة. يدور الحديث عن الدماغ في اغلب الاحيان كنوع من الكمبيوتر، ولكن الكمبيوتر يعتبر جهازا بسيطا، بينما يعتبر الدماغ مادة عضوية وليس جهازا ميكانيكيا، فبمقدوره ان يتعلم ويتنبأ ويتطور ويتأقلم، وهو يعمل كوحدة واحدة متماسكة لا كمجموعة من الاجزاء. يتألف الدماغ من العصبونات ـ او خلايا عصبية موصولة بدارات كهروكيماوية، وتقوم كل خلية عصبية بتلقي الاشارات وعندما يتم انتهاك حدودها، تقوم باطلاق نمطها الخاص من «الاشواك» وتحتفظ شبكات الخلايا العصبية بالذكريات عن طريق اضعاف او تقوية وصلاتها المتعددة، وان اي تجربة جديدة مثل رؤية لوحة الموناليزا ستثير نسقا معيناً من الخلايا، وستبدأ تلك الخلايا العصبية على الفور بتعزيز وصلاتها لكي يكون بعد ذلك من السهل جدا اعادة تنبيه النمط، والضغط بقوة على احدى زوايا الشبكة سيسترجع الصورة الذهنية بكاملها. هذا هو أساس شبكة عصبية، اي تركيبة مرنة تمثل وتتذكر المعلومات، ومنطقها في ذلك هو منطق عضوي وذلك لان مجموعة الدارات الكهربائية تتطور بالاستخدام، والامر المذهل هو حجم شبكة الدماغ، فدماغ الانسان البالغ الذي يزن حوالي 4,1 كيلوغرام يحتوي على قرابة 100 مليار خلية عصبية، وكل خلية عصبية من هذه ترتبط بوصلات يتراوح عددها بين بضعة الاف ونصف مليون وصلة مع جاراتها، وتأتي الوصلات «بمذاقات» كيماوية مختلفة، ولكل خلية عصبية نظامها الداخلي المعقد من التعبير الجيني وانتاج الانزيمات الذي يتوالف باستمرار مع سلوكها. وفي حين يطبق الكمبيوتر فصلا صارما بين المدخلات والمخرجات، فان الدماغ يطبق منطقا عضويا مختلفا تماما يتشابك فيه نشاط الاجزاء والكل بشكل عميق، ولهذا اضطر علماء الاعصاب الى تبني وجهة نظر اكثر ديناميكية حيال الدماغ، وهذا ادى ايضا الى فهم افضل لجانب اخر من تلك الحقائق عن الدماغ، وهو الاعتقاد بأن الدماغ مقسم الى مجموعة من وحدات المعالجة. ومنذ امد بعيد، توحي السكتات الدماغية والاورام والاصابات والجروح والاشكال الاخرى من تضرر الدماغ بأن تقسيم العمل هو الذي يحكم الدماغ، وانه يحوي مناطق متخصصة بالبصر والعاطفة والكلام، والسيطرة الحركية والاحساس بالمكان وهلم جرا، وكان هذا هو السبب الذي جعل اجهزة مسح الدماغ تثير قدرا كبيرا من الاثارة. فقد بدا ان الباحثين بات بمقدورهم اخيرا ان يضعوا مخططا للعديد من المراكز الوظيفية بالتفصيل، ولكن الآمال العراض تلاشت حالما بدأت عملية المسح. صحيح ان الدماغ اظهر مراكز نشاط معينة، ولكن لم يثبت ابدا ان جزءا معينا من الدماغ يقوم بوظيفة ما منفصلا عن الاجزاء الاخرى. وبصرف النظر عن الجدل الدائر حاليا حول الدماغ وآلية عمله وارتباطه بالوعي واللاوعي، فان هناك حقائق مذهلة عن الدماغ قد يجهلها البعض من الناس وهي: ـ يتألف الدماغ من 80% ماء و 10% دهون و8% بروتين والباقي من الكربوهيدرات والاملاح والمعادن الاخرى. ـ الاعصاب الكبيرة في الجسم تنقل الرسائل بسرعة تصل الى 400 كيلومتر في الساعة، ولكن معظم حركة الرسائل في الدماغ تتم بسرعة تقل عن 20 كيلومتراً في الساعة. ـ اذا بسط غلاف الدماغ بكل تجاعيده، فانه يشكل سطحا من المادة الرمادية تعادل حجم اربع صفحات من الورق قياس 4ء. ـ يحرق الدماغ ما يكفي من الطاقة لاضاءة مصباح كهربائي. ـ يشكل وزن الدماغ واحد على خمسين من وزن الجسم، ومع ذلك فانه يستهلك حوالي خمس امدادات الجسم من الاكجسين والجلوكوز. ـ يستغرق الدماغ نصف ثانية لكي يستجيب لاي شيء غير متوقع. ـ عندما يكون المرء نائما، فان تفكيره لا يتوقف، ولكن الذاكرة تكون مقفلة، ولهذا فان لاشيء يتم تذكره في العادة. ـ البشر لديهم اكبر الادمغة نسبة الى وزن الجسم، ولكن من حيث الحجم الاجمالي، فان حجم دماغ الفيل يزيد بمقدار اربعة اضعاف عن حجم دماغ الانسان. ضرار عمير