الجمعة 11 محرم 1424 هـ الموافق 14 مارس 2003 يخيل للمرء وهو يشاهد لويس بنيرو البالغ من العمر 84 عاماً يسير بخطى سريعة على طول جادة الشباب الخالد في بلدة فيلكابامبا في الاكوادور انه يقف امام رجل لم يتخط العقد الرابع من عمره. ينتعل بنيرو صندلاً جلدياً بالياً ويحمل كيساً من القماش على كتفه، وقد جاء الى البلدة لكي يبيع قوالب قصب السكر الخام، وهو الآن في طريق العودة الى بلده. ويقول متفاخراً: «خمسة كيلومترات، انها ليست بعيدة ، فعندما كنت أصغر سناً وقبل ان يشقوا الطريق، كنت اقطع المسافة الى لوخا (العاصمة الاقليمية) واعود الى بلدي مرتين في الاسبوع، قاطعاً حالي 50 كيلو متراً. تقع بلدة فيلكابامبا، أو وادي الشباب الخالد، التي يقال ان سكانها يعيشون حتى عمر 130 عاما، وتخلو من امراض السرطان والقلب والشرايين، في جبال الانديز الاكوادورية السفلى بالقرب من الحدود مع البيرو. كانت هذه البلدة الوادعة جنة استوائية خصبة بمناخ ربيعي على مدار العام وهواء جبلي نقي من التلوث ومياه شرب صافية كالبلوّر، وحيث تنبت الفواكه والحبوب والخضروات بصورة طبيعية في البرية. وقبل 30 عاما كان سكان فيلكابامبا المعمرون اسطورة في اقسام علم الشيخوخة في الجامعات، وظاهرة تصنف مع المعمرين في القوقاز وجورجيا وشمالي كشمير، وعلى غرار الانجازيين والهونزا، كان سكان فيلكابامبا اناساً معزولين في الجبال، يعتمدون في معيشتهم على نظام غذائى خال من اللحم، مكون من الحبوب والفواكه والخضار. وفي السبعينيات من القرن الماضي، عمر القرية علماء الشيخوخة من اليابان وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، جميعهم متلهفون لمقابلة كهول مثل ميغيل كاربيو منديتا، الذين يتباهون بنشاطهم وقدرتهم على القيام بالعمل الشاق. قام علماء الشيخوخة بفحص اسنانهم وعيونهم وآذانهم، وقاسوا ضغط الدم لديهم وأوصلوهم بأجهزة لمراقبة نبض القلب. واخذوا عينات من الشعر واللعاب والبول، وسجلوا ملاحظا تحول نظامهم الغذائي، واجروا مقابلات معهم حول اسلافهم. ثم اعلنوا بعد ذلك ان السر في تعميرهم يكمن في المناخ اللطيف والمياه الغنية بالمعادن والنظام الغذائي النباتي والروتين المنتظم من العمل الزراعي الشاق، وبعد ذلك تركوا فيلكابامبا لتنغمس من جديد في عالم المجهول. ولكن ما الذي حدث لتلك البلدة الوادعة التي كانت معزولة عن العالم قبل 30 عاما فقط؟ في الواقع ان بلده فيلكابامبا لم تسلم من العولمة التي طالتها كغيرها من البلدات والقرى الصغيرة في شتى انحاء العالم، فقد غدت وجهة سياحية يقصدها الزوار الاجانب والاثرياء المحليون. وبعد ان كانت في عام 1976 خالية من السيارات ووسائل النقل الحديثة، اصبحت اليوم تعج بالسيارات والحافلات، وبات فيها العديد من مقاهي الانترنت ومكتب سياحي خاص بها. يقول ميلتون رويلوفا المسئول السياحي في البلدة انه لايزال هناك الكثير من الاشخاص المئويين (الذين بلغوا المئة من العمر) في فيلكابامبا ولكن اكبرهم وهو ابرتانو روا مات في عام 2001 بعمر 126 عاما. واكبر المعمرين حاليا هو شخص يدعى كستوديو لوزون. وهذا له ابن يعيش في كويتو يبلغ من العمر 85 عاما. وحيث ان لوزون كان قد تزوج وهو في سن 25 عاما، فان هذا سيجعل عمره يقارب 110 اعوام. قبل وقت طويل من وصول أوائل المستوطنين الاسبان الى الوادي واختلاطهم وتزاوجهم مع الهنود، ادرك الانكا زراعتها الغنية فاسموها فيلكابامبا: كويشوا، التي تعني «آلوادي المقدس» ويطل على البلدة ومعالمها جبل ثيرو مندافعوا الذي يرتفع 2000 متر وتعلو قمته جدران صلصالية عمودية وحافة عشبية تشبه من زاوية معينة وجه رجل ينظر الى السماء. ومن جهة الغرب تقع سلسلة جبال تعمل كحاجز طبيعي امام الحرارة والرطوبة المتصاعدة من السهول الساحلية الاكوادورية. ومن جهة الشرق، يحمي الوادي من نظام الطقس الخاص بالامازون جبال الانديز الاكوادورية. وعلى الرغم من ان الوادي يقع على بعد اربع درجات الى الجنوب من خط الاستواء، الا انه يتمتع بسماء زرقاء صافية باستمرار تقريبا وبدرجة حرارة سنوية لطيفة تبلغ 80 درجة مئوية. لاشك بان الظروف المناخية والبيئية لها تأثير على الصحة العامة لسكان هذه البلدة، الذين اظهرت دراسة اجراها ميغيل سلفادور وهو طبيب اكوادوري متخصص بأمراض القلب، في عام 1969، الفوائد الصحية للعيش في هذا الوادي، فقد قام سلفادور بفحص 338 رجلاً وامرأة وطفلا تم اختيارهم بصورة عشوائية، فوجد انهم لا يعانون من امرارض تصلب الشرايين والقلب ولا من امراض السرطان والسكري والروماتيزم وهشاشة العظام والزهايمر، ووجد ايضا ان واحداً من بين كل ستة اشخاص يزيد عمره عن 65 عاما، وهي نسبة كانت ضعف المتوسط في أميركا وخمسة اضعاف المتوسط في باقي انحاء الاكوادور. وفي عام 1971، اجرى احصاء سكاني اثبت ملاحظات سلفادور، حيث تبين انه من بين اجمالي عدد السكان البالغ 819، هناك تسعة اشخاص تتجاوز اعمارهم المئة عام. اليوم تغيرت الحياة في بلدة فيلكابامبا، واصبح المعمرون وكأنهم جنس في طريقه إلى الانقراض. فلم يعد لهم عمل يقومون به، واخذوا يميلون الى الجلوس في البيت ومراقبة السياح الذين يغدون الى البلدة. وفي حديث لأحد المعمرين، وهو فسنتي بيلكو المولود في عام 1955، قال: «الله وحده يعلم لماذا عمرت طويلاً، واعتقد ان ذلك هو قدري. وكل ما اعرفه هو ان الحياة بدون عمل لا تستحق ان تعيشها. وذلك هو ما اشتاق اليه، العمل في الحقول. والمشكلة هي انه لا أحد هنا يريد ان يوظف رجلاً عجوزا». ضرار عمير