الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 حديثنا الوالدة علياء بنت علي من منطقة الحمرية بإمارة الشارقة، أم لستة من الأبناء وثلاث بنات. حدثتنا في هذا الحوار عن ذكريات الماضي الجميل وعن أدوار المرأة في ذلك الوقت والاعمال التي تقوم بها وتعود عليها بالمنفعة النفسية من راحة بال ومن منفعة مادية تساعد بها زوجها في توفير حياة كريمة وعن التقارب والتراحم بين الاهل والجيران وعن طقوس الزواج وايام المقيض وتلك الايام التي اصبحنا نفتقدها في هذا العصر رغم الطفرة المادية والحياة المرفهة التي يعيشها المواطن.. ـ تقول الوالدة علياء ان ايام زمان كان فيها راحة بال وراحة النفس والقناعة بما هو موجود، كل همنا كان توفير القوت والماء العذب واحتياجاتنا البسيطة دون مغالاة وكان يجمعنا التعاون والايثار والتراحم والعطف وتمسكنا بالعادات والقيم الأصيلة والشهامة واكرام الضيف رغم الظروف المعيشية الصعبة والتمسك بديننا. مثل هذه الايام نجد ان الفلوس كثيرة والناس تركض خلف المظاهر وحب التباهي والتفاخر ومن نتيجة هذا تراكم الديون على الناس فنجد اليوم القلوب شقيانة وغير مرتاحة لانه لا توجد قناعة والركض خلف المصالح المادية والمظاهر الدنيوية الفانية ودخول عادات وقيم غريبة على مجتمعنا العربي الاصيل.. رغم التطور الذي نعيشه اليوم إلا أننا نخاف منه فاليوم كثرة حوادث الطرق والطائرات وغيرها اصبحت تخوفنا لما يطلع عنك ولدك تخاف عليه ونجلس ننتظره حتى يرجع بالسلامة، ايام الاول كنا نخاف من قلة الماء الحلو فكنا نخاف على المسافر من منطقة لمنطقة من ان يصيبه العطش وهو في الطريق لايجد ماء حلواً يشربه، فكان الواحد منا يأخذ معه الماء في حله وترحاله من منطقة لمنطقة، فكنا نعيش في أمان وراحة بال وسعادة، كنا نسكن في البر في «طوي حارب» في بر امارة أم القيوين، وعندما تزوجت سكنت مع زوجي في منطقة الحمرية في امارة الشارقة. وكنا نعيش على التزاور والتراحم والتعاون والقناعة. في الشتاء بيوت الشعر.. وتضيف: كنا نعيش في البر وبالتحديد في منطقة تسمى طوي حارب في أم القيوين، ونعيش في بيوت الشعر في ايام الشتاء خاصة. وكنا نضع السدو الذي نعمل ونقيم منه هذه البيوت، فالحريم يقمن بصناعات وحرف عديدة لبيوتهم، فكنا نأخذ الصوف من شعر الغنم ثم نغزله ونبرمه ونطويه وعمله «كوشايا»، ونضع «الساحة» للبيوت وكذلك المحاجب و«البطن والحظن والخزم والخطم هي عتاد للناقة»، وحاجات البيت ونعمل كاف أي غطاء نتغطى فيه عن البرد في ايام الشتاء وكنا نقوم بتلوين هذا الصوف قبل ان نغزله فالاسود يظل لونه اسود اما الابيض ملونة بماده تسمى «الفوة» تستورد من الهند، وهي تشبه الحطب ولها عدة الوان الاحمر والاخضر، ناخذ الفوة وندقها ثم ننخلها ونضع عليها الماء مع الليمون اليابس والشب لمدة ليلة كاملة ثم نفورها «نغليها» بالماء على النار ثم نضع فيها الصوف وبعد ان يتلون نجففه، ثم نغزله ونستعمله في كثير من الصناعات التي تفيدنا في حياتنا للبيت أو خارج البيت، فكل حرمة كانت تعرف تغزل وتصنع الكثير من الاشياء، اما تشتغل عليه لوحدها او مع بعض الحريم خاصة في صناعة الساحة لبيوت الشعر ولصنع الغطاء لانها تحتاج وقتاً طويلاً فكنا نعمل مع بعض ونساعد بعضنا لنجهز الساحة في وقت قصير فتجلس اربع حريم للعمل مع بعضنا اثنتان في كل طرف لتجهيز الساحة، ونحن تعلمنا هذه الحرفه من امهاتنا وجداتنا وتوارثناها عنهم فعلمونا هذه الحرفة ونحن بنات صغار فالتعليم في الصغر كالنقش في الحجر، وقد أفادتنا في كثير من امور حياتنا فنحن نعتمد عليها بشكل كبير في الصناعات للبيوت أو كعتاد للناقة، وهذه من تراثنا يجب ان نحافظ عليها دائما على مر السنين ونحن نفخر فيها ونشارك في المعارض كحرفيين في هذه الحرفة، ونعلم من يريد أن يتعلمها ونشجع على تعلمها وتعلم كل حرفة تفيد الانسان في حياته. المرأة راحتها في عملها.. وتواصل: الحرمة الاول كانت تشتغل داخل وخارج بيتها دون كلل أو ملل فكانت تحب عملها وحريصة على اتمامه على أكمل وأحسن وجه فهي لاترتاح الا اذا عملت واشتغلت وساعدت زوجها، فكانت من الصبح تقوم بتحضير الريوق والقهوة ثم تذهب لتحطب الحطب من البر ثم تقوم وتذهب للطوي لجلب الماء الحلو ثم تعود وتطبخ غداءها الذي عادة ما يتكون من العيش واللحم أو العيش والمالح أو العيش مع السحناه، والتمر واللبن وكله كان طازجاً، اذا عندها بوش تحلبها وتحضر اللبن او اذا بقر كذلك تقوم بخض اللبن وتجهز منه الكامي والزبد والسمن، كان اكلنا بسيطاً لكن فيه بركه والناس فيها صحة واجسامها مرتاحة على الرغم من الشغل الكثير الذي نقوم به لكننا ما كنا نشكو من التعب أو المرض الا في القليل والنادر والحمد لله، والاكل الذي نطبخه ماكنا نرمي حاجة منه كان يعمل بقياس على حسب احتياجنا وليس أكثر من حاجتنا فكنا نأكله وما يبقى منه شيء علشان نرميه فالاسراف حرام كلنا ندور وتأكل الحرمة مع زوجها وعيالها يتجمعون على الوجبه اما اليوم نجد كل واحد من البيت يأكل بروحه وكل واحد في وقت مختلف عن وقت الآخر. القلة القليلة التي تتجمع مع بعضها في وجبة واحدة ويأكلون مع بعض.. مهور قليلة وبركة كبيرة وتستطرد الوالدة علياء وتقول ان أعراس الماضي كانت بسيطة لكن فيها فرح وسعادة كبيرة تعم الفرحة كل اهل المنطقة، والمهور قليلة من 100 الى 300 روبية وفيها بركة كبيرة، واهل المنطقة كانوا يتساعدون مع بعضهم البعض في تجهيز حفلة العرس فنجد من يحضر الذبايح ومنهم من يجلب الماء الحلو للطبخ والشرب ومنهم من يحضر العيش وكان الرجال هم الذين يطبخون وكان عبارة عن عيش وصالونة لحم تسمى «غموس» ويطبخون الخبيص والحريم كانوا يجهزون القهوة، وكان الرجال يتجمعون كذلك علشان يرزفون وما كانوا ياخذون مقابلاً لهذه التجهيزات لا فلوس ولا اي حاجة، كان هدفهم التعاون، ومنهم من يركض المدى وهو سباق كرامة لاهل العروس.. والعروس تلبس الكندورة المخورة والثوب المزين بالتالي والشيله والذهب كان بسيطاً يتكون من مريه وكواشي وخاتم أو خاتمين، ويلبسونها البرقع وما يشوفها الريال الا يوم الزفاف وما كانوا يعقدون القران «الملكة» الا يوم العرس وما يبطئون مثل هذه الايام يظلون مالكين اكثر من سنة او تمتد سنوات حتى يتم الزواج، فعاداتنا وتقاليدنا يجب انا نحافظ عليها ففيها حفظ لكرامة المرأة، والبنت كانت تتزوج صغيرة ولم نكن نشكو من العنوسة أو تأخر في سن الزواج ولا يوجد والحمد لله طلاق الا في ما ندر يكون الطلاق، اما اليوم والعياد بالله فالمطلقون والمطلقات اكثر من الذين لم يتزوجوا لاسباب كثيرة واغلبها، اسباب واهية وليست اسبابا مقنعة أو جذرية، فالزوجة كانت تصبر على زوجها وتتحمل معه مشاق الحياة وصعوباتها دون ملل وتحافظ على بيتها وزوجها وأبنائها وتربيهم تربية صالحة لا تتركهم مثل هذه الايام للخدم يقومون بتربيتهم وهي لا تعرف عن امورهم شيئاً وكانت الحرمة حريصة على تعليم عيالها القرآن والصلاة لان الصلاة عماد الدين والتمسك بالعادات الاصيلة والبعد عن مغريات الحياة والتمسك بالاخلاق الكريمة وتزرع في نفوسهم هي وابوهم حب العمل فالولد وهو صغير يعلمه ابوه الحرفه التي يعملها ويتعلمها عن والده بكل فخر وحب، والبنت كذلك تعلمها امها شئون البيت وتعلمها الحرف التي تقوم بها وتساعدها في كل امور البيت وشغله وتربي وتعلم اخوانها، وعندما تتزوج تكون مهيأة لكل اعمال بيتها وزوجها وعيالها.. فنحن ربينا عيالنا بأنفسنا ولم نعتمد على الخدم وعلمناهم الامور التي تنقصهم في حياتهم وتعود عليهم بالمنفعة عندما يكبرون ويصبحون رجالاً وكذلك البنات نفخر بهن وبتربيتهن وعندما يمرض احد الاشخاص في الماضي كان يتداوى بالاعشاب الطبيعية منها الحلول والزعتر: واليعدة والمر واللبان كانوا يشربونه، والحرمل يدق ثم يشرب ولاتوجد امراض مثل هذه الايام، فالامراض خفيفة وعلاجها بسيط ومتوفر من خيرات الطبيعة، واول ما كنا نعرف الاعاقة او المعوقين مثل هذه الايام، فالابناء كانوا اصحاء يولدون لا يشكون من اية اعاقة جسدية أو ذهنية والحمد لله.. فالحرمة اول تولدها «الداية» وتعتمد على الملح في تطبيبها، وتضع على بطنها «الحصى الحارة» ونعمل لها «الرشوفة» بالسمن الخاص والحبة الحمراء والفلفل الاسود تشربه وتصبح ثاني يوم في شغلها ما تشكو من وهن أو تعب أو أي ألم وكانت يوم تقوم تكسر الحصى من قوتها، وكانت ترضع عيالها الرضاعة الطبيعية لمدة سنتين كاملتين وهذا يفيد جسمها ويفيد ولدها وتحمي الرضاعة الطبيعية جسمه من الامراض وتعطيه المناعة والقوة. أيام المقيض وكانت الناس تقيض ايام الحر والصيف في اماكن كثيرة يكون فيها الماء الحلو، فكانوا يقيضون في مناطق مثل الذيد والفلي ودبا، وبعضهم يذهب الى عُمان، وتستمر فترة القيض ثلاثة اشهر تقريباً، ويصنعون لهم في المكان الذي يقيضون فيه بيوتاً من «المرخ» يصنعها الرجال من شجر خاص فيها، ويعملون مظلة امام كل عريش من المرخ يجلب الهواء البارد واهم شيء يكون بالقرب منهم طوي للماء الحلو ونحمل معنا في المقيض الاطعمة للطبخ وكنا نأكل في موسم الصيف الرطب والهمبا واللومي والرمان الذي يتم زراعته في المزارع ويتم تبادل هذه الفواكه والخضروات من منطقة لمنطقة اخرى، اما اليوم نجد ان فواكه الصيف موجودة كذلك ايام الشتاء، نحن كنا ننتظر ايام الصيف لنأكل من هذه الخضرة والرطب فكان لكل موسم خضرة تميزه عن غيره وايام تميز بعضها، فالصيف له موسم والتنقل من مكان لآخر، وفي موسم الشتاء نرجع لمنطقتنا وبيوتنا ونقوم بترتيبها وتجديدها وتهيئتها لاستقبال موسم الشتاء وهكذا كانت حياتنا في حل وترحال فلم نشعر بالملل مثل هذه الايام، فالقلوب اصبحت متباعدة والصحة اصبحت واهنة رغم توفر العديد من اصناف الطعام بأشكالها المتنوعة لكن الصحة ليست مثل الاول ايام الحركة والعمل، ففي الماضي كنا نمشي ونقطع مسافات طويلة من منطقة لاخرى دون تعب، واليوم على رغم الراحة فالكل نجده يشكو من المرض وقلة الحركة تولد الشعور بالتعب من اقل مجهود، فحياتنا اول فيها بركة وفيها الناس تتزاور وتتراحم وتتعاون وتتساعد ويمدون يد العون لكل محتاج او مقصر أو ظروفه لا تساعده يقفون معه الا ان يستطيع الاعتماد على نفسه، واهم ما يميزنا القناعة في كل شيء والتعاون وحب العمل سواء الحرمة تحب ان تعمل داخل وخارج بيتها والرجال يحب عمله لكن عمله لا يأخذه عن عائلته، فالوقت مقسم منه وقت للعمل ووقت للاهتمام بزوجته وأبنائه واهله وجيرانه، واليوم نجد ان الكل يشكو من قلة الوقت وضيق الوقت لذلك نجدهم لا يخصصون اوقاتهم للحياة الاجتماعية والاهتمام ورعاية الاهل والابناء خاصة الذين هم بحاجة لوجود آبائهم الى جانبهم لتوجيهم التوجيه الصحيح ليكونوا عوناً لوطنهم ولانفسهم ولحمايتهم من الضياع والركض خلف مغريات الحياة... صلة الرحم صلة الرحم من الامور التي نفتقدها في هذا الوقت، في الاول كنا لا ننقطع عن زيارة ارحامنا سواء كانوا يسكنون بالقرب منا أو كانوا بعيدين عنا كنا نذهب اليهم ونأخذ معنا لهم الهدايا والتي تسمى الصوغات وهي اشياء بسيطة لكنها مهمة في ذلك الوقت فمثلاً كنا نأخذ معنا: التمر والملابس للصغار التي نخيطها بأيدينا وبعض المأكولات التي نصنعها في البيت وكانوا يفرحون بها كذلك عندما كانوا يزوروننا يحضرون معهم الشيء ذاته حسب مقدرتهم والمتوفر لديهم من الموسم اذا كان الموسم زراعيا وفيه خيرات الارض يحضرون الخضار سواء كانت طازجة او مجففة وغيرها من الاشياء والاغراض البسيطة وهذه الزيارات تنعش القلب وتدخل عليه السرور والسعادة ومن خلالها نتبادل الاحاديث ونناقش امور حياتنا والامور التي نريد ان نقوم بها، وتتم كذلك المشاورات في امور الخطبة والزواج لان الزواج غالباً ما يتم من داخل العائلة والقبيلة الواحدة من الأهل والاقارب فكل عائلة تخطب لابنها بنتاً من العائلة وهذه الزيارات والصلات تسهل هذه الامور وتجعل التعارف على اطباع الاهل بحيث تتم الموافقة بدون تردد لاننا نكون عارفين بعضنا البعض والولد ولدنا والبنت بنتنا وبذلك نتعاون في امور الزواج الكل يمد يد العون والمساعدة حسب مقدرته وطاقته، والحياة كانت حلوة وفيها بركة وفيها صدق وتقارب وتعاون، اما اليوم فالصلات تقريبا مقطوعة الا القلة القليلة نجدهم يحرصون على تبادل الزيارات مع اهلهم وأقاربهم والاكثرية لا يهتمون لهذا الموضوع الا في ايام المناسبات مثل الزواج والاعياد فقط، اما بقية ايام السنة نجدهم لا يعرفون عن بعضهم شيئاً ولا يلتقون الا بالصدفة سواء في السوق أو في الشارع وهذه امور محزنة بعيدة عن عاداتنا وتقاليدنا العربية الاصيلة