الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 اختتمت الصين مؤخرا الاحتفالات بالعام الصيني الجديد، او احتفال الربيع بمهرجان الفانوس الذي انيرت فيه على انغام الموسيقى الآلاف من مدن وقرى هذا البلد الشاسع بملايين القناديل، التي اخذت شكل التنينات او الماعز او الفاكهة او كائنات اسطورية. احتفال الالوان هذا المترافق مع سهام نارية ووابل من المفرقعات اشعل افق بكين وعواصم كبيرة اخرى مثل شنغهاي وكانتون خلال جزء كبير من ليل السادس عشر من شهر فبراير الجاري وذلك كعرف غارق في القدم لفتح بوابات عام الماعز، الحيوان الذي يبشر بمرحلة سلام على الرغم من ان طبول الحرب تقرع في انحاء اخرى من العالم. ولقد احتفل ملايين الصينيين (عدد سكان الصين حاليا مليار و300 مليون نسمة) بهذه الليلة باقامة مسابقات الفوانيس الورقية، التي تمنح جائزة قيمة للحرفي الاكثر عبقرية والاحجيات والالعاب النارية ورقصات التنين والاسد والزيارات للمعابد والمزارات وظلت المحال الصغيرة في الاحياء واسواق الهواء الطلق والباعة الجوالين حتى ساعات الفجر الاولى تبيع كرات صغيرة من الارز يتذوقها الصينيون كتقليد يمارسونه بحضور جميع افراد العائلة. ذلك ان الكرة والدائرة في الثقافة الصينية ترمزان الى التمام والاتقان، وطابعهما مرتبط بشكل وثيق باجتماع العائلة بينما يمثل القوام المتماسك لهذه الحلوى الصلات الوثيقة التي يجب على جميع افراد العائلة المحافظة عليها. ولقد رافقالآباء والاجداد بكياسة رقيقة الاطفال او «الاباطرة الصغار» التعبير الذي يطلقونه على صغار السن من الذكور وانارت العائلات الفوانيس المصنوعة بأيدي افراد كل منها، والتي يعلق عليها عادة احجيات ذات صفات اربع. وكانت هذه الاحجيات تشير في الزمان القديم الى الكتب الكلاسيكية وكانت مفهومة فقط بالنسبة لاقلية محدودة جدا من المتعلمين والنبلاء على الرغم من انها تحولت في الوقت الراهن الى ألغاز بسيطة مكرسة للذين اصغر سنا. وترمز المصابيح الصينية لحيوانات دائرة البروج الشرقية وخصوصا المرتبطة منها بالعام الذي يحتفى بقدومه، الماعز في حالة هذا العام، كما نرمز الى الحشرات والازهار او انها تشير الى الاساطير والعادات المرتبطة بأكثر القيم تقديرا في هذا البلد، مثل بر الوالدين. ويقال في احدى الاساطير الكثيرة المنتشرة عبر البلاد انه في ليال مثل هذه تهبط الاشباح وكائنات اخرى من السماء وتعود في ظل ضوء القمر اذ يقول المؤرخون انه في تلك البيئة من الخيال الشعبي تسمح الفوانيس برؤية الارواح. الى ذلك ثمة تدوينات تاريخية لمهرجان الفوانيس في الصين منذ سلالة هان الملكية 221 ميلادية ـ 206 قبل الميلاد حيث يعطي غروب الشمس في متنزهات وحدائق المدن والقرى شرارة بدء رقصات التنينات، الحيوان الذي يقدره الصينيون والذي يرمز الى القوة والحظ السعيد والحكمة والعمر المديد. ولقد تصادفت هذه الاحتفالات مع عيد الحب (فالنتاين) الذي احتفى به الازواج الاكثر رومانسية والذي يلقى ترحيبا واسعا بين الشباب الصينيين. وعلى الرغم من ان الصينيين لا يأخذون سوى اسبوع واحد من العطل الا انه وفقا للتقليد فان حفلات احتفال الربيع تختتم يوم الرابع عشر من العام القمري الجديد، الذي يتصادف مع اكتمال القمر، مما يؤذن بالفصل الاخير من استراحة الفلاحين الذي كان يفسح الطريق في الزمان القديم الى موسم البذر. وعلاوة على كل ذلك فان هذا الخليط من الخرافات والعادات والطقوس الدينية والخمسة عشر يوما من الاحتفالات التي انتهت للتو في الصين لايزال يحتفظ في جعبته بدلالة اصيلة تتمثل بالترحيب بسنة مليئة بالفرص لكي يسعد الصينيون ويكسبون المال ويتركون خلفهم كل ما هو سييء. فالمفرقعات ابعدت الارواح الشريرة والعائلة اجتمعت ربما هي المرة الوحيدة طوال العام واللون الاحمر، الذي يرمز الى الفأل الحسن، غمر الشوارع والبيوت في كل البلاد. وعلى بوابات المنازل ستظل معلقة حتى العام المقبل ما يعرف بالـ «شون ليان» وهي قصاصات ورقية حمراء على شكل شرائط مكتوبة بالطلاء المذهب وتعلق على جانبي الباب وعند الاسكفة العليا منه وترحب بالدورة القمرية الجديدة بكلمات مفعمة بالتفاؤل والتوقعات الخيرة. باسل ابو حمدة