الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 طار قلبي فرحاً عندما قرأت قصيدة جديدة له، نشرها في الملحق الاسبوعي لجريدة (القلم الحر)، كلماته مميزة، روحه الحارة تفوح من هذه الكلمات. اعدت قراءة القصيدة مرات عديدة الى ان حفظتها، ثم قصصتها من الجريدة وألصقتها بالدفتر الخاص الذي اعددته وافردته لكل قصائده المنشورة الجديدة والتي لم يضمها بعد في ديوان. خرجت من غرفتي منتشية بالكلمات الشفافة، ولجت المطبخ عساي اتمكن من اعداد الطعام لأخواتي القادمات مع ازواجهن واطفالهن بعد قليل، انه يوم الجمعة او يوم العطلة واللبكة (والعجقة) الاسرية. انها عادة المرحومة والدتي والتي لم أشأ ان اغير منها شيئاً بعد وفاتها وهي لم شمل الاسرة كلها في يوم الجمعة، لكن هذه العادة غدت في السنوات الاخيرة عبئاً اضافياً على كاهلي خاصة بعد ان تدهورت حالة والدي الصحية وبدأ جسدي ينهكه السهر والتعب وبعد ان كثر اولاد اخواتي ولم يعدن قادرات على تقديم اي نوع من المساعدة لي، ولكن ورغم كل شيء تمكنت من المواظبة على هذه العادة وتحضير بعض الاطباق لذلك الحشد القادم. كان الجميع يرحل مساء، بعد ان يكون المنزل قد تحول الى (خرابة) وابي قد انهكه الضجيج والتعب فأدخله الى سريره وأساعده على الاستلقاء، اعطيه حبة الدواء، واخرج من الغرفة الى الصالة القذرة، أرمقها بمقت وقد تمددت الأوساخ على الأرائك والسجادات. أطفئ نور الصالة قائلة في سري: الصباح رباح. أدلف الى غرفتي وما أكاد ألقي نظري عليها حتى أشهق من منظرها المرعب بعد ان يكون اولاد اخواتي قد تسللوا إليها عاثوا فيها فوضى، واحمد الله في سري أنني قد اقفلت على اوراقي المهمة وخاصة دواوين شاعري المفضل. اتمدد في سريري وقد نبض الدم في عروق قدمي من التعب، انثر كلماتي على الورق الابيض واضحك في سري، وانا اعيد قراءة ما كتبت واتذكر تلك المحاولات البسيطة لنشر الخواطر في الجريدة المحلية وتلك الدناءة التي جوبهت بها من رئيس تحرير الجريدة ومحاولته المساومة على نشر كتاباتي، لقد كان يبتسم بأسنانه الصفراء وهو يعيد ما كتبت قائلاً بسخرية: ماذا تقصدين من هذه الجملة «كلما اشاهدك ارتدي ثوب الزفاف، كلما اقرأ كلماتك ارتقي سلم النشوة درجة درجة» وعندما ارد عليه بحزم، انها مجرد خاطرة لا تعني شيئاً محدداً، هو احساس لا يستطيع الكاتب ان يصف لماذا كتبه. فينهض من كرسيه ويقف قبالتي قائلاً: «هل تدرين حقاً كم انت جميلة، وفعلاً سيكون جسدك في غاية الروعة عندما سترتدين ثوب الزفاف». ويسيل لعابه وهو يرمق تقاطيع جسدي، فألملم نفسي وأخرج بسرعة من مكتبه. وكانت هي المرة الأخيرة التي وطأت بها قدمي حرم الجريدة التي اتخذها رئيس تحريرها وسيلة الى الأجساد الجميلة. أيقظني رنين الساعة على السادسة صباحاً موعد دواء والدي، نهضت على عجل لأعطيه الدواء، فأتعثر بالكم الهائل من الألعاب التي خلفها ضيوف الأمس، فيطير النوم من عيني بعد ان اتذكر بأنه يلزمني عمل يوم كامل لاعادة كل شيء الى وضعه الطبيعي النظيف. ادير آلة التسجيل على الشريط الأخير لفيروز وابدأ العمل، وأعيد في ذهني كل ما جرى يوم الأمس، نقاشات أخواتي التي غدت تافهة ومريضة، كن دائمات الثرثرة عن أزواجهن، بينما يغرق الازواج في لعب الورق وطاولة النرد. واستعرض وجوه ازواجهن ويستوقفني زوج أختي «سهير» لا ادري لم احس ان نظراته فيها مجون خاص، انها نظرات غير طبيعية، تحرجني، تربكني، وخاصة عندما انحني لألاعب الصغار، انه يدقق في تفاصيل جسدي. وقد وجهت لي «سهير» في اكثر من مناسبة ملاحظات مثل: ـ صحيح ان ازواجنا مثل اخوة لك، لكن هذا لا يمنع من الحشمة أمامهم!! عن اي حشمة تتحدث؟ وهل الحضور امامهم بمنامة سميكة وفوقها (روب) ليس من الحشمة؟ ماذا علي ان افعل؟ ربما هي تقصد كلماتي، نبرة صوتي!! لا ادري، الا انني لم اكن اتكلم الا الكلمات الموزونة، ولكن اذكر في احدى المرات انها صاحت في وجهي عندما كنت اغني للأطفال في غرفتي أغنية لفيروز (يلا تنام ريما) وغضبت قائلة: ألا تعلمين ان صوت المرأة عورة وخاصة وهي تغني، فما بالك ان كان صوتها شجياً جميلاً مثل صوتك؟ كنت اعلم ان صوتي جميل وكانت صديقاتي في المدرسة يثنين على الحنان الذي يغلف طبقاته وكثيراً ما كنت اغني في الحفلات التي تقام في المدرسة، ولكن لم اعلم ان صوتي بمقدوره ان يكون مثيراً لعتب اختي خاصة وانني كنت اغني اغنية بريئة للأطفال، يا للعجب، لا ادري ماذا يدور في خلد اخواتي ومن يعاشرن ومن يوجه اليهن مثل هذه الافكار. وخاصة سهير، يا الهي كم غدت فظيعة ولكن لماذا؟ هل لنظرات زوجها الشيطانية علاقة بهذا التغيير؟ ولكن ما ذنبي انا؟ وهل يجب علي الاختباء داخل شرنقة، كلما وجه احدهم لي نظرة؟ وما كان ذنبي انا عندما ارسلتني امي الى دكان (ابو عصام) لاشتري لها اغراضاً وذلك عندما كنت في السادسة من عمري، قال لي ابو عصام: ـ تعالي يا ابنتي ادخلي. ـ فأجبته بسخط: لا ان امي طلبت مني ان انتظر في الخارج ريثما تحضر لي الاغراض. ـ قال بلهجة ود مفتعلة: ولكن سأمنحك الكثير من الشوكولا، والبسكويت تعالي وانظري، لقد احضرت اليوم كميات كثيرة منها، اصنافاً جديدة، ادخلي عاينيها بنفسك واختاري ما شئت منها. ترددت وقتها في الدخول، لكن كانت اوراق السلوفان الملونة التي لفت بها اصناف الشوكولا والحلويات مغرية الى درجة انني نسيت تعليمات والدتي ودخلت الى المحل وفي زاوية جلس ابو عصام ووضع في يديه اصنافاً متنوعة وحملني الى حضنه ومنحني كل ما معه، وعندما استغرقت في فتحها والتهامها كان يقوم بالمسح على ساقي لقد آلمتني يده فأسقطت كل ما معي من اصناف الحلويات، وهممت بالصراخ قائلة له: سأشكوك لأمي. فقال محاولاً التخفيف من حدة صراخي: كلا يا ابنتي، فأنا احبك مثلما احب بناتي، هيا خذي اغراضك وسلمي على اهلك. لم أجرؤ وقتها ان اخبر احدا غدوت بعدها أمقت كثيرا الشراء من عند (ابو عصام) واكتفى بالوقوف بعيدا بينما يناولني الاغراض. ولا ادري ما كان ذنبي في خطبتي لـ (طارق) والذي وافقت عليه اذعانا لرغبة والدي الذي احب الاطمئنان على مستقبلي قبل ان يباغته الموت، منحت طارقا يدي ليدخل في اصبعي الخاتم الذهبي، بينما تركت قلبي عند (هشام) الشاب الذي يدرس الهندسة ويعمل في آن معا كي يصرف على نفسه، وكنت اقدر في نفسي انه تلزمه سنوات كثيرة حتى يصبح بمقدوره الزواج، يكون عندها شبح العنوسة قد اطبق على روحي، خاصة وان هشاما كان يحبني بيأس، اجل لقد كان حبنا يائسا من اية كوة امل وتفاؤل بغد مشرق، انه حب فقير تلزمه اساسات مالية كثيرة حتى يتمكن من الصمود في وجه تيارات الحياة القاسية. تمتم هشام بكلمات قليلة عندما اعلمته هاتفيا انني سأوافق على الخطبة من شاب مهنته تصليح السيارات، ويملك محلا كبيرا لقطع الغيار اي انه مرتاح ماديا. قال: كنت اعلم ان هذه النهاية ستكون بانتظاري عاجلا ام آجلا... مبروك كان (طارق) شابا بهي الطلعة تحلم اية فتاة بالارتباط به خاصة وانه سيؤمن لها منزلا تتوفر فيه كل وسائل الرفاهية والحياة السعيدة، اضافة الى السيارة التي يمتلكها وحصة الاسد من رعاية واهتمام امه التي لم تستطع تقبل فكرة ان ابنها قد غدا شابا وهو الآن ملتزم بفتاة. كانت والدته بارعة في فنون الزهو والخيلاء والسطوة على شخصية ابنها، كانت تبرهن في كل المناسبات انها ذات شأن ونفوذ منقطعي النظير. ولكن هذا كله لم يزعجن بقدر ما كان يزعجني ذلك الخط الاسود النائم دائما تحت اظافر (طارق) اضافة الى نهمه الفظيع للطعام، فهو كثيرا ما كان يمر على منزلنا وقت الغداء ودون موعد مسبق محضرا معه بعض الخضروات والكثير من اللحم ويطلب مني اعداد بعض الاطباق بسرعة وكان كثيرا ما يحاصرني في المطبخ ملتهما نصف الاطعمة حتى قبل نضوجها ثم يقوم بحصري في احدى الزوايا ليقبلني ورائحة الطعام تفوح من فمه فأقوم بدفعه عني تاركة له المطبخ. وطلبت من والدي ان يصرفه ولا يسمح له بالحضور الا مرة في الاسبوع وبحضور والدته، الا ان والدي المشلول شل لي لساني عندما قال لي: ولكنه قد كتب كتابك في المحكمة ويحق له الحضور في الوقت الذي يشاء، انه زوجك شرعا. زوجي يا الهي... ماذا فعلت بنفسي؟ اني لا اطيق ان يقترب مني، ان اهتمامه كله قد صبه على التهام الطعام دفعة واحدة، والتهامي بعد الطعام، انه لم يفكر ولو لمرة واحدة في مناقشتي في اي موضوع له علاقة بالادب، بالفن او الشعر، او اي موضوع عادي، انه لم يجرب ولو لمرة واحدة ان يفتح اقفال روحي والدخول الى عوالم نفسي المترعة بالاحساس المرهف والخيال الجميل، انه لم يجرب مرة ان يسمع فيروز او عبدالحليم، ان مطربه المفضل كان شخصا يردد ابتهالات دينية ليس الا. رضخ والدي اخيرا لطلبي بعد بكاء طويل مشفقا على حالتي ووضعي الصحي السقيم الذي آل اليه عدم تناولي للطعام اسبوعا كاملا، فرضي بفسخ خطبتي عن (طارق) ووافق هو ووالدته على ذلك بعد ان اعدت لهم جميع الهدايا، وبعد ان تنازلت في المحكمة عن كل حقوقي. انصرف (طارق) قائلا بعد ان حمل كل هداياه: انك حقا عاهرة لقد تعلقت بك كثيرا وبعد ان لم يبق سوى اسبوع على عرسنا تطلبين الطلاق، من المؤكد انه شخص آخر، والا فما السبب؟ بعد ان وافقت على ان نأخذ والدك معنا فتقومين برعايته وانت في منزلي، انك حقا جاحدة سأحول بينك وبين اي عريس جديد، صدقيني سوف انتقم منك. بعد ان صفق الباب خلفه، رمقت والدي واذ به يبكي بحرارة وهو يتمتم: معك حق يا ابنتي، انه حقا وضيع ولا يستحقك. حاولت بعدها العمل، بعد أن نظمت لوالدي مواعيد دوائه بحيث يتمكن من الحصول عليه بنفسه وأخذت أطارد الإعلانات التي كتبت على واجهات المحلات: (مطلوب آنسة ذات خبرة للعمل)، حصلت على شرف العمل بعد جهد جهيد في محل للألبسة النسائية الجاهزة في شارع رئيسي من البلدة، وماذا تفعل شهادتي الثانوية في زمننا هذا وفوقها أعوامي الثلاثون؟ ولكن مظهري الجذاب وجسدي المتناسق الجميل جعل صاحب هذا المحل الفخم يتفحصني بنظراته من أعلى رأسي إلى أخمص قدمي ثم يتمتم مثنياً علي: حسناً ستستلمين العمل منذ الآن. كانت تدخل هذا المحل كل يوم شرائح عجيبة غربية من النساء فمنهن امرأة مغناج لعوب تتأبط ذراع أحدهم فيشتري لها بمبالغ باهظة هو يثني على جمالها، وهي تضحك راشقة إياه بنظرات مثيرة. وهناك نساء تخشين المرور من جانب المحل أو حتى الوقوف لمشاهدة ما يعرض في الواجهة. كان صاحب المحل راضيا عني ولكنه كان يردد دائماً: أنت جميلة وشابة ولكن تنقصك بعض كلمات الاطراء والمحاباة، ضعي الكرامة جانباً، وقومي بالتزلف والمداهنةوإدخال البضائع في أنف الزبونات، هل فهمت؟ حاولت تطبيق كلامه مرات عديدة لكن لم أتمكن من التمادي في ذلك كثيراً، فهن في نظري لسن سوى تافهات يرتقن خرائب أنفسهن بهذه الملابس الفاخرة التي تحمل مهر وتوقيع الماركات العالمية، ويغرقن أنفسهن بأصناف العطور لتغطية رائحة العفن المنبثقة من جثثهن المتحركة. إلا أنه في احدى المرات دخل المحل أحد الزبائن تتأبط ذراعه فتاة في العشرين من عمرها على ما يبدو ذات بشرة سمراء وشعر مصبوغ بالأشقر وعلى ما أظن قد أطلقت في بؤبؤي عينيها عدسات خضراء، زارت المحل مرات عديدة واختارت ملابس كثيرة وهي توزع ضحكات وقهقهات جنونية وتدخل غرفة القياس ويدخل معها ذلك الرجل ليساعدها، فتخرج من الغرفة الضيقة أصوات ضحكاتها وكلماتها التي تحمل الإثارة والدلع. ـ أوه.. أرجوك، كفى.. أوه يا إلهي.. أجل كل هذا إلى حين ذهابنا للمنزل.. أوه.. أخرج .. كفى. خرج من الغرفة الضيقة محمراً، مشعث الشعر، فأطرقت بصري في الأرض، رمقني بنظرات شذرة غير مبال بتصرفه، وأخذ يدقق بجسدي بشكل محرج. وبعد أن خرجت الفتاة من الغرفة لتأخذ رأيه بالفستان الذي قامت بارتدائه، قال لها: ـ إن هذا الفستان جميل ولكن يحتاج إلى قفا مكتنزة مثل هذا القفا.. ومد يده إلى قفاي، وأخذ يضحك بجنون، وهي تبادله تلك الضحكات السفيهة. ولم أشعر بيدي إلا وهي تلطم وجهه بصفعة قوية، وطبعاً نهاية مثل هذه المواقف لا تخفى على أحد.. الطرد، فالحق مع الزبون مهما يفعل لأنه هو من يملك المال. خرجت من المحل وقد جن جنوني من الظلم ومن عنجهية أناس تافهين لا يملكون شيئا من مقومات الإنسانية، وجسدي يا جسدي لم أكرهك ويا لشعري الأشقر الأحمق لكم أمقتك، يا لدموعي الساخنة التي أذرفها على كل شيء.. أمي.. كم أحتاجك في هذه الدقيقة حتى زوج سهير يا أمي رشقني بنظرات شهوانية.. أمي ماذا أقول لك.. أيتها الملاك الذي رحل باكرا عن عالمي.. أمي يا من كنت دائما تلفين جسدك الجميل برداء التنسك الطويل وتعصبين شعرك بوشاح حتى لا يشاهده أحد من الغرباء، وهكذا بقيت في منأى عن الازعاجات طوال عمرك القصير، صحيح أنك كنت تبدين بتلك الملابس مثل امرأة مسكينة أو راهبة ولكن كان ذاك اللباس يحميك من كل ما أتعرض له الآن من مواقف بشعة. دخلت إلى إحدى المحلات واشتريت ملابس كتلك التي كانت ترتديها والدتها، وكان ذلك اللباس بعد ذلك هو الذي يلازمني حتى بحضور أخواتي وأزواجهن. كان سيأتي الى اللاذقية، سيقيم امسية شعرية في صالة المركز الثقافي يوم السبت، هكذا قرأت في الجريدة. قرأت الخبر عدة مرات غير مصدقة بأنني اخيراً سأراه عن قرب، لطالما شاهدته في التلفاز، لكن السبت سأراه شخصياً، يا إلهي.. سيكون هذا رائعاً سأصطحب معي ديوانه الاخير فأطلب منه التوقيع لي عليه بخط يده، يا لخط يده كم سيكون جميلاً. ادرت آلة التسجيل على اغنية فيروز في تلك الليلة المرتقبة واخذت استمع لشجواها الملائكي بانتظار ان ينبلج الصبح ويقترب موعد العيد القادم موعد اللقاء الربيعي بعد طول شتاء. وقبلت والدي وقلت له: سأعود باكراً، لا تقلق بشأن الدواء.. سأحضر معي في طريق العودة علبة جديدة واعطيه لك في الموعد المحدد.. انه يوم جميل يا أبي لا ترمقني بهذه النظرات الحائرة القلقة هكذا، عندما اعود سأخبرك بكل شيء.. بكل شيء.. الى اللقاء. كنت اول من حضر الى الصالة، جلست في مقعد يمكنني من رؤية شاعري بشكل واضح، مضى الوقت مسرعاً وشاعري يعتلي صهوة المنبر يشجو بقصائده التي تحمل عبق العطور وثمالة الخمور وخطايا العشاق وبراءة الملائكة وفرح العيد، يا الهي كم اثملتني كلماته، صفقت له بحرارة وهو يبرح الصالة والجمهور خلفه كل يحادثه قليلاً ويمتدحه كثيراً وذاك يطلب توقيعه، وآخر يطلب رأيه في أمور متعددة.. وهكذا انصرف الجميع وبقيت الى جواره فتاة.. غادة من غادات الحسن والجمال، بشعر مصبوغ وعطر فواح، كانت تحادثه بدلع وغنج وضحكات مثيرة، وهو على ما يبدو قد غرق في الجمال والاثارة، ولم لا؟ وهوشاعر الحب والجمال والفن؟ لم لا؟ وهو الفنان الحساس المرهف الذي يذوب في الكلمات الجميلة، هنيئاً له، سأطلب منه ان يوقع لي على الديوان قبل ان ينصرف. كنت اراقبه من زاوية بعيدة وقد تسمرت في مكاني، ولكن عندما لاحظت انه سيهم بالخروج مصطحباً معه الفتاة، ضغطت ديوانه بيدي اليسرى على قلبي ومددت له يدي اليمنى محاولة استيقافه والتسليم عليه متمتمة بكلماتي: استاذ .. ك.. مـ ..! استدار قليلاً ورمقني بنظرات شذرة ثم قال بسخرية: الله يعطيك يا أخت وتأبطت الفتاة ذراعه وانصرفا وهما يقهقهان بمجون. تسمرت في مكاني طويلاً، سقط الديوان على الارض وانا احاول ان اعطي الاوامر لقدمي بالمشي والانصراف من هذا المكان البغيض، بالكاد مشيت.. مجرجرة خلفي رداء التنسك ووشاح الراهبات. مشيت كثيراً، كثيراً، وصلت الى الكورنيش وقفت ارمق البحر الذي غاص في لجة الظلام فلم اسمع سوى صوت الموج وهو يلطم الصخور ويرشق وجهي ببعض الرذاذ على الرغم من انني كنت اقف على صخرة عالية، خلعت رداء التنسك ورميت به فطار سحابة سوداء غاصت في اتون البحر الهادر، حللت عقدة الوشاح الذي عصبت به شعري، ورميت به هو الآخر ليبتلعه البحر الجائع. جن شعري الاشقر وقد تخللت اصابع الريح في خصلاته واخذت تعزف فيه لحناً مجنوناً مخيفاً. تركت مكاني واخذت اسير واسير ورذاذ ناعم من مطر نيسان يرشقني حتى ابتلّت الكنزة الرقيقة التي كنت ارتديها فالتصقت بجسدي وشعرت بوخذات برد موجعة الا انني لم اكترث ولم اتمكن من اعطاء الاوامر لقدمي بأن تتوقف عن هذا المسير الجنوني. كانت الشوارع مقفرة تقريباً واضواء القناديل الخافتة تضفي ظلالاً وحشية على الدنيا حولي. حازتني سيارة مشت ببطء إلى جواري، مد السائق رأسه منها، وقال: ـ هيا اصعدي أيتها الجميلة إلى جواري، دعينا نتمتع سوياً، سأمنحك ما تشائين، ألفا، ألفين، إنك جميلة وتستحقين، هيا اصعدي.. ولا تدعي الشرف، فماذا تفعل فتاة في جمالك في مثل هذا الوقت وحدها. كانت كلماته مثل لطمة قوية على وجه شخص مغمى عليه، استيقظت من غيبوتي، تلفت حولي، أي وقت يعني، يا إلهي، كم من الساعات مضت وأنا امشي؟ أين أنا؟ أين المنزل؟ ماذا حدث؟ ثم تذكرت كل ما حدث، وكأن ما جرى خلال ما مضى من الساعات قد جرى لشخص آخر وليس لي، يا إلهي وهذا السافل الذي زادت كلماته قبحاً ماذا يريد مني؟ خفق قلبي بشدة وكدت أموت رعباً وخوفاً وهو يحاول الامساك بيدي وارغامي على الدخول إلى السيارة. هرولت باحثة عن مبنى ادخل فيه ملتجئة إلى سكانه، او موهمة إياه أنني وصلت إلى منزلي، فينصرف ها هو ذا مبنى قريب. ولجت المبنى وهرولت اصعده طابقا اثر الآخر، وقلبي يكاد يقفز بين قدمي، يا إلهي لو أن أحداً يفتح بابه ويخبئني في داخله.. ان الليل.. ان الظلام..، الابواب موصدة والناس نائمون والانسانية نائمة منذ امد طويل.. اصعد واصعد.. واخيراً اجد نفسي على سطح المبنى وقد رشقتني السماء بمطر كثيف والريح تعصف بجسدي، الريح تقهقه، تسخر من حماقتي، من تعلقي بشاعر لا يملك من الرهافة والاحساس سوى لعبة كلمات يرصفها على السطور ويوهم الناس بها، لن احب احداً بعد الآن، لن اعشق اي مبدأ، لن اقول عن شيء انه نقي وصادق، ليس لدي قدوة، اقتديت بملابس والدتي فلم تنفعني في اشد اللحظات حرجاً، ان شاعري لا يحب الا الفتيات الملونات، يا لحماقتي، انا حمقاء. انا احد حبال الشيطان، هكذا قالت لي «سهير» في احدى المرات. ـ النساء حبال الشيطان وأنت بالذات يا أختي تحركين اهواء شياطين الرجال. اردت طرد الشيطان بملابس التنسك فغدوت كمتسولة.. يا لحماقتي.. يا لسخفي.. اكنت قبيحة إلى تلك الدرجة فلم استحوذ على اعجاب شاعري. اقتربت من حافة السطح.. فنظرت إلى الاسفل.. كان الشارع بعيداً.. بعيداً.. يا إلهي اتراني صعدت كل تلك الطوابق.. دون ان اشعر.. الخوف يصنع المعجزات.. وممن اخاف من تحرش سافل مثل ذلك السائق الارعن.. انه هو قد قام باللحاق بي فسأرمي نفسي من هنا.. فالموت اهون الف مرة من ان يقوم بالتحرش بي.. اجل الانتحار اهون.. دغدغت مخيلتي فكرة الانتحار واستحليتها.. رمقت مرة اخرى الشارع وانواره الخافتة والسيارات القليلة التي كانت تمر خلاله بين الفينة والفينة.. لاحت لي صورة «سعاد حسني» وهي تقبل على الانتحار.. ماذا كانت تراها تفكر حينها؟ هل وصلت إلى درجة عالية من اليأس حتى أقدمت على تلك الخطوة فوضعت حداً لحياتها؟ هل الانتحار هو حل لمشكلات الانسان.. وهل انا فقط من يعاني؟ أم ان الكثير من ابناء وبنات جيلي كل يعاني على طريقته، بعد ان فقدنا الكثير من القيم والمباديء والقدوة؟ وضعت قدمي على حافة السطح وعندما هممت بوضع القدم الاخرى، نظرت إلى السماء طالبة من إله السماوات ان يسامحني ويغفر لي.. كان قمراً مريضاً متدثرا بغيوم سميكة سوداء قد اشاح بنوره عن السماء.. ولاح لي برق خجول بين طيات الغيوم الكثيفة، تمتمت قائلة: سامحني يارب، وتكفل بوالدي من بعدي يا إلهي.. والدي.. موعد الدواء.. لم اشتر الدواء.. والدي.. يا حبيبي.. يا إلهي.. انزلت قدمي بسرعة عن حافة السطح وهرولت بسرعة جنونية، نزلت من المبنى باقل من لمح البصر وركضت في الشوارع.. وانا ابكي وانادي: والدي. المطر والريح تآمرا معا وحبكا دسيسة ومؤامرة ففتكا بجلدي برداً وقسوة ودعكا خصلات شعري بشماتة وانا اهرول والطريق بعيد.. بعيد.. وصلت اخيراً.. صعدت السلالم وعندما اقتربت من باب المنزل سمعت صوت قرآن يصدر من آلة التسجيل.. الجيران كلهم عندنا.. الصالة مكتظة بالناس.. دهشتهم لرؤيتي من دون ملابس التنسك وعودتي في وقت متأخر من الليل والمطر قد غسلني كان اكبر من دهشتي بوجودهم جميعاً وهم يبكون. علمت ان المصاب قد حل بي وانني فقدت والدي، حاولوا منعي من الدخول، ولكن الجارة قالت لهم: دعوها تودعه الوداع الاخير. دخلت إلى غرفة والدي، كانوا قد غطوه بشرشف ابيض.. وكرسيه هناك إلى جوار السرير يجثو بحزن وقد كبرت عجلاته.. استطالت.. غامت عيني بالدموع فلم اعد ارى شيئاً بوضوح، اقتربت من سريره وقد فقدت صوتي.. كشفت الغطاء عن وجه والدي.. واخذت دموعي وقطرات المطر تنثال من شعري على وجهه الاصفر الذابل.. ولكن بين ذلك كله.. استطعت ان اميز دموعه وهو يذرفها من عينه وتمتزج مع دموعي وقطرات المطر. ـ قاصة من سوريا