الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 «الرحالة الفرنسيون والاسبان الى الجزيرة العربية» عنوان المحاضرة التي استضافتها ندوة الثقافة والعلوم بدبي للدكتور محمد الحناش استاذ اللسانيات العامة والحاسوبية ، في جامعة الامارات وقدمها الدكتور محمد فارس الفارسي. بحضور عدد من اعضاء مجلس ادارة الندوة وجمع من المهتمين. استهل د. الحناش محاضرته بالاشارة الى قلة الاهتمام بالرحالة الفرنسيين والتركيز على الرحالة الانجليز لأسباب قد تكون مرتبطة باللغة رغم العدد الكبير من الرحالة الفرنسيين الذين وصلوا الجزيرة العربية، والادوار التي لعبوها في التعريف بهذه المنطقة والصراعات الاقليمية والدولية اليها كانت قائمة نظرا للأهمية التي تتمتع بها الجزيرة العربية فهي الارض المقدسة وارض الرسالات والانبياء ومهد اللغة العربية كما انها كانت عصية ومنغلقة على الغربيين الذين كانوا يجهلون ما كان يدور بداخلها ومصدر قوتها، كما ان شعبها استطاع الحفاظ على استقلاليته مقاوما كل المحاولات الاجنبية التي دأبت على دخول الدول الاخرى الى جانب ما تتمتع به المنطقة من أهمية تجارية كم انها كانت مهدا للدعوة السلفية التي ظهرت بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر وأربكت حسابات الدول الغربية في تطبيق سياساتها الاستعمارية والتبشيرية. في سنة 1235م اقتنع المبشر الاسباني رايمو ندوس لولوس بأن الاسلام هو العدو الاكبر للمسيحية، ومن ثم وجب محاربته عن طريق اتقان اللغة العربية، فأنشأ ديرا في ميرامار يلتحق به كل من يرغب في الانخراط في مشروعه التبشري، وفي سنة 1311م اقرت الكنيسة الكاثوليكية في فيينا انشاء مدارس للغة العربية بهدف تكوين مبشرين (رجالا ونساء) لينتشروا في دول المشرق الاسلامية والسيطرة على شعوبها، وكان القصد من تكوين الفتيات الاوروبيات هو اعدادهن للزواج من قياديين شرقيين حتى يتمكن من خدمة قضيتهم من داخل البيت المشرقي نفسه، هذا الامر نجده مذكورا كله في كتاب استرداد الارض المقدسة الذي نشر في سنة 1306م، كما نجد فيه البرنامج الاستعماري الذي يرسم الطريق لشعوب اوروبا المسيحية لاحتلال الشعوب المسلمة تحت امرة المملكة الفرنسية. واضاف المحاضر انه وبعد قيام الامبراطورية العثمانية على انقاض الامبراطورية البيزنطية في القرن الخامس عشر الميلادي، ارسلت فرنسا اول سفير لها الى السلطان سليمان القانوني عام 1535م، ثم تبعتها في ذلك بعض الدول الكبرى فعددت سفاراتها في دول المشرق. بعد هذا التبادل الدبلوماسي شرعت الصحف الفرنسية في نشر الاخبار المتعلقة بسفرائها لدى الباب العالي واسرار قصوره ومغامراته الخاصة، فأغرت القراء بالقيام برحلات الى بلدان المشرق، وكان الفرنسيون هم اول من بدأ ترجمة القرآن الى اللغة الفرنسية، حيث صدرت اول ترجمة له سنة 1647م. وبطلب من لويس الرابع عشر أرسل القنصل الفرنسي في صيدا سنة 1660م، مبعوثه الى الصحراء الى زعماء البدو يدعونهم الى الدخول في حوار مع الرهبان في الكنيسة المسيحية في جزيرة سيناء، وقد نشر مذكراته سنة 1717م التي يصف فيها حياة البدو وطريقة عيشهم ومدى تمسكهم بالاسلام، وغير ذلك مما يدل على مرحلة متقدمة كان قد وصل اليها الرحالة الفرنسيون في معرفة اسرار العرب وديانتهم. جاءت بعد ذلك حملة نابليون على مصر سنة 1798م، وكان لها اثرها البالغ في تعرف الغرب على العالم العربي، وكانت حملته تضم الكثير من العلماء اغلبهم من الآثاريين كما كان بينهم المهندسون والاطباء والمؤرخون ومنهم ايضا المستشرقون والمترجمون وغيرهم. وبعدما فشلت حملة نابليون على مصر بدأ التفكير في اللجوء الى اساليب اخرى غير مباشرة، فبدأ يرسل مبعوثين الى بلدان الشرق، بعد ان يزودهم بتعليماته التي تهدف كلها الى تحقيق مكاسب فرنسا في بلدان الشرق، في اطار الصراع الدولي على المنطقة، وخاصة ضد بريطانيا، وقد صادفت هذه المرحلة احتداد الصراع بين الحركة السلفية والعثمانيين (الاتراك). ثم استعرض الدكتور الحناش اسماء مجموعة من ابرز الرحالة الذين وصلوا المنطقة ومنهم: دومنغو باديا (علي باي العباسي) وهو اسباني المنشأ، فرنسي الهوى، قبل سفره الى المشرق اقام عند سلطان المغرب في طنجة سنتين ابتداء من سنة 1803م، فزوجه من مسلمة، قابل محمد علي في مصر سنة 1806م، فحظي باحترامه وعنايته، وصل الجزيرة العربية سنة 1807م فنزل ببيت مجاور لبيت شريف مكة، كان يتقن اللة العربية والفقه الاسلامي، ويدعي انه مسلم من سلالة العباسيين، وانه جاء الى مكة لاداء فريضة الحج مما جعله فوق الشبهات امام كل من جالسه من المسلمين، ثم شارك في غسل الكعبة وحج رحل عنها في مارس 1807م، متجها من هناك الى رومانيا فإلى فرنسا، وصادف وصول باديا الى الحجاز دخول اصحاب الحركة السلفية الى مكة، وعايش الحدث، مما مكنه من ان يقدم عنه وصفا كاملا ودقيقا. عاد مرة اخرى الى دمشق سنة 1818م قاصداً مكة، الا انه اغتيل في الطريق فوجد متقلدا صليبا، ويقال بأنه قتل على ايدي المخابرات البريطانية، وكان يحمل معه آلات لقياس الرطوبة كما كانت معه آلات فلكية استخدمها في تحديد المواقع على البحر الاحمر بدقة متناهية. علي باي العباسي اكبر جاسوس وعميل زار المنطقة، اذ انه شارك في مؤامرة دولية كانت تحاك ضد المنطقة في الخفاء في ذلك الوقت. وقبل ان يعرض فكرته على نابليون كان قد ناقشها في لندن مع اعضاء الجمعية الافريقية حيث كان الجميع هناك يؤكدون على ضرورة اكتشاف الجزيرة العربية، ومنها الى فرنسا علما بأنه اسباني، وكلا الدولتين كانتا في حاجة الى معرفة المزيد من المعلومات عن هذه المنطقة. دي لاسكاريز: 1811م ارسله مستشارو نابليون للاستطلاع على الطرق البرية التي تؤدي الى الجزيرة العربية وكذلك بغرض التفاوض مع محمد بن سعود بن عبد العزيز في الدرعية في امور تتعلق بمساعدة نابليون في محاربة العثمانيين وتيسير وصول فرق الجيش الفرنسي الى سوريا، ومن هناك الى الهند، مقابل ان تطلق فرنسا يد حكومة الدرعية في اليمن. مات في القاهرة وبقيت اوراقه محفوظة في ارشيف وزارة الخارجية البريطانية. ليون روش: 1841 ـ 1842م وهو ضابط في الجيش الفرنسي ومترجم رسمي له الى اللغة العربية التي كان يتقنها تماما، خالط اهل الجزائر في جميع مرافق الحياة، واثناء الهدنة بين الامير عبدالقادر وفرنسا دخل روش في خدمة الامير عبد القادر ابتداء من سنة 1837م، ولازمه في حروبه الداخلية واجتماعاته واصبح احد كتابه الخاصين، ساعده الامير عبدالقادر في تعلم اصول الدين الاسلامي، فأعلن اسلامه وزوجه من مسلمة، وبعد ان توترت العلاقة بين فرنسا والامير سنة 1839م عاد روش الى قومه بعد ان عرف اسرار الامير، واعلن انه لم يكن مسلما يوما، وما هو الا جاسوس محترف. في سنة 1841م ارسله الجنرال بيجو في مهمة تضعف من قوة الامير عبد القادر، وتفت في عزيمة المجاهدين معه، وباتفاق مع بعض اتباع الطرق الصوفية، صيغت فتوى «شرعية» تبيح لمسلمي الجزائر العيش تحت الحكم الفرنسي المسيحي، وعدم ضرورة اللجوء الى الجهاد، مقابل ان تحترم هذه الاخيرة ممارسة الشعب لطقوسه الاسلامية.. شارل هيوبر: 1878 ـ 1884م، مكتشف نقش تيماء، او حجر تيماء التقى بالرحالة الهولندي هورخرونيه واختلف معه حول حجر تيماء، كما اختلف حول الحجر نفسه مع داوتي الرحالة الانجليزي واوتينغ الرحالة الالماني. الويس موزيل: قبل سنة 1910 ـ 1917م، مسيحي متزمت درس اللاهوت في لبنان، جاء الى الجزيرة العربية وتداخل مع شيوخ القبائل منهم شيوخ قبيلة الرولة وفي بعض مناطق الصحراء الشمالية حيث عاش معهم اكثر من سنة، وشارك مع الحكومة التركية في وضع تصور لسكة الحديد دمشق ـ الحجاز. عاد مرة اخرى الى حائل سنة 1917م. كان يركز على الدعاية ضد الانجليز وخططهم في المنطقة الا انه عمل اخيرا لصالح المانيا. نصر الدين دينيه: 1929م، مسلم، ورسام فرنسي عاش في الجزائر، الف (الحج الى بيت الله الحرام) وناقش فيه وصف المدينة المنورة ومكة وصفا جيدا، حج وقابل الملك عبدالعزيز واتخذ موقفا سلبيا من المحاجر الصحية وكانت مواقفه عدائية من اوروبا، ودافع عن اللغة العربية مبرهنا على انها لغة حية وليست لغة ميتة كما يزعم المستشرقون. بصورة عامة كانت محاضرة الدكتور مثيرة وشمولية تضمنت تقسيما لانواع الرحالة بحسب النوايا التي جاءوا بها الى المنطقة مستعرضاً بعض الصور والوثائق واللقى والمخطوطات. كتب حازم سليمان: