الخميس 10 محرم 1424 هـ الموافق 13 مارس 2003 نقد النص المسرحي معزولاً عن منصة التمثيل مزلق خطير، لا يخلو من شطط. فهذا النص يصنع للمحاورة الحية، لا للقراءة الميتة، وتقسم فقراته بين المتحاورين لتشتعل افكاره وعواطفه فيما بينهم كما تنطلق شرارات الكهرباء من سلكين يحتك موجبهما بالسالب. وبهذا الاحتكاك المسرحي تتحول الكلمات الصوامت الى حركات نواطق بعد ان كانت حروفاً باردة مخنوقة بين دفتي كتاب. وكثيراً ما يستبق النقد التمثيل، فيسقط دون الغاية. قد يقرأ الناقد النص فيتوهم ان كاتبه جنح، فعنف حيث يجب ان يلين واطال حيث يحسن ان يوجز، ثم يرى النص حياً على الخشبة، فيعود عما توهم، ويعترف بأنه تعسف فيما تفلسف، وظلم فيما حكم، وبأن الكاتب ادرى منه بفنه. ومسرحية «الشبكة» التي تهدى الى فكرتها المحورية الاستاذ خالد البناي، وكساها حلتها المسرحية الفنية الاستاذ هيثم الخواجة قد تكون من هذا النمط الذي لا يعطيك كل ما فيه الا حينما يخرج من الكتاب ويرقى المنصة. وربما كان محك النقد الذي درس الجانب الفكري من هذه المسرحية في خاطرة سابقة قد غفل عن اشياء لا تتجلى الا بالتمثيل. وها هو ذا يعود في هذه الخاطرة ليدرس بعض جوانبها الفنية على حذر لئلا تأتي احكامه متسرعة، فربما كانت «الشبكة» من النمط الذي يمتلك كل عناصر الجودة، لكنها لما تزل سجينة الورق. وهذا السجن يعني ان الحكم لها او عليها كالحكم على الجواد الحبيس قبل ان يطلق في المضمار بين الجياد والمهار، فيعرف بعد الجري لا قبله أهو السابق المجلي ام المسبوق السّكّيت؟ ان القراءة السريعة للمسرحية تقف القاريء على انها لا تنتمي الى المدارس المسرحية المألوفة كالاتباعية او الابداعية. وإنما هي من المسرحيات التجريبية. واهم ما يتسم به المسرح التجريبي رفض الاصول التي تدين بها المذاهب الادبية لا الانضواء تحتها او تحت واحد منها. والخروج على القواعد التي قعّدها كل مذهب. المسرح التجريبي لا يلتزم الوحدات الثلاث: وحدة الزمان، ووحدة المكان، ووحدة العمل المسرحي، ولا يعبأ بتقسيم المسرحية الى فصول، ولا بعرض الحدث عرضاً منطقيا تاريخياً، يحاكي في عرضه الواقع. فربما بدأ من النهاية، ثم ارتد الى البداية. وربما بدأ من وسط الحادثة، وراح يتردد بين ما مضى منها وما بقي، مستعيناً على هذا التردد بالوسائل الفنية الحديثة، وبالموروث الشعبي، فما تأثير هذه الوسائل؟ وما الصدى الذي يتردد في جنبات المسرحية من ذلك الموروث؟ اولى هذه الوسائل شبكة الانترنت واجهزة الكمبيوتر. فهذه الآلات العصرية وضعت بين ايدي المؤلف والمخرج مفاتيح سحرية استطاعا ان يحركا بها الممثلين حركات مقسومة مرقومة كحركات الدمى التي ترسمها الخيوط الخفية الممتدة من اطرافها الى الاصابع التي تحركها من وراء ستر. واعانتهما على تقريب البعيد، ولمّ الشمل، وجمع الامكنة المتباعدة في مكان واحد. وبهذا الجمع تحققت للمسرحية وحدة المكان.. ووحدة المكان كانت ترغم المؤلفين القدماء على ان يسقطوا كثيراً من احداث المسرحيات، او ان يجروها اجراء مفترضاً في اماكن غير منظورة. وكل ما يصل الى المشاهد منها هو الاخبار التي ينطوي عليها الحوار. منذ اللحظة الاولى التي تتحرك فيها شخوص «الشبكة» على المنصة يحس المشاهدون ان خشبة المسرح امكنة متعددة لا مكان واحد، وان كل شخص متصل بصاحبه او منفصل عنه على نحو من الانحاء، وان الاذرع القليلة الفاصلة ممثلاً عن آخر هي مسافات شاسعة كالتي تفصل بلداً عن بلد، وقطراً عن قطر. لكن الممثلين مع ذلك متواصلون بآلات الاتصالات الحديثة التي تستطيع ان تنقل الاصوات والصور من قارة الى قارة. وللمضي بهذه الحيلة الى مداها تأتي الوسيلة الثانية، وهي توزيع الاضواء على نحو فني مدروس. فالمسرح كله يغشاه الليل الدامس والامكنة التي بعثرت فيها اجهزة الاتصالات، وربض وراءها الممثلون تضاء بأشعة تنهمر عليها من مصابيح قوية معلقة فوق المنصة، وهي تنير دوائر محددة من الظلام الشامل، لتكشف عما يراد كشفه، وتخفي ما عداه. فاذا تحدث «خميس» الى ««صالحة» اضيئت بقعتاهما، وبقي المسرح مظلماً. حينئذ يخيل اليك ان الظلام الممتد بينهما هو المسافة الواسعة الفاصلة بين بلديهما. وإذا ورد ذكر شهرزاد وشهريار في اثناء الحوار استطاع المؤلف ان يبعثهما من كهف التاريخ في ثوان قليلة، تخمد فيها الاضواء، ثم تتقد، فإذا صالحة وخميس قد ارتديا ثياباً قديمة الازياء، توحي اليك بأنهما شهرزاد وشهريار. وبهذا الاسلوب حطمت الاجهزة وحدة الزمان، وخرق المؤلف اسوار التاريخ المغلقة ليبعث الماضي حياً في الحاضر. وانت مع ذلك كله تتقبل هذا التداخل في العصور بلا اعتراض ولا رفض، لان قنوات الفضاء قد راضتك على تقبل ذلك كله. انك تشهد كل يوم ثلاثة رجال او اكثر، وهم يتحاورون: احدهم في قطر، والثاني في مصر، والثالث في أميركا، وترى المتحاورين متجاورين، والمتباعدين متقاربين، كأنهم في حجرة واحدة، فلا تدهش، ولا تستغرب. وربما احتاج الحوار الى شهادة قائد، او خطاب زعيم قديم، فاذا «ادولف هتلر» ينتفض من قبره ويمثل امامك بزيه العسكري، وحركاته المتكسرة، ونبراته المتوترة، كأنه واحد من المتحاورين. ان نشرة اخبار واحدة مسرح تجريبي متكامل العناصر، وهي قادرة على ان تضع بين يدي المؤلف اسرار المسرح التجريبي، والوسائل الكثيرة التي يحتال بها على التاريخ والجغرافية، فيحول العالم كله حاضره وغابره الى منصة صغيرة، كما حولت العولمة الدنيا كلها الى قرية صغيرة. وللافادة من التراث استعانت المسرحية بعفريت وقمقم. دفعت عبد الحي الى الاستعانة بالعفريت للبحث عن ابنته الهاربة «عائشة» ودفعت زوجته «صديقة» الى الاستعانة بقمقم المجذوب. وشخصية المجذوب «الدرويش» من اشهر الشخصيات المسرحية في المسلسلات والمسرحيات المصرية، وقمقمه ليس اكثر من فانوس علاء الدين السحري المذكور في الف ليلة وليلة. لجأت صديقة الى المجذوب ليعينها على الانتقام من زوجها الظالم عبد الحي. وليحبسه في القمقم. صدع المجذوب بالامر وحبسه، وحبس كل الرجال الظلمة المستبدين بزوجاتهم ليريح صديقة مما تعاني. ومع ان المشاهد يعلم علم اليقين ان كل هذه الاباطيل والترهات عبث لا ينفع ولا يضر، فانه يتأثر بها تأثراً عاطفياً محضاً، اذ تنقله من عالم الواقع المادي الى عالم غريب، يجد في ارتياده نزهة نفسية تؤنسه، ومتنفساً خيالياً، يريحه من ضغط الحياة الآلية العصرية. اما الكاتب فانه بهذه الآلات والوسائل حديثها والقديم يستطيع ان يعبر عن كثير من الافكار والعواطف، وان يسبغ في الوقت نفسه جواً سحريا على النص، يشيع فيه عبق الماضي ونشوته، الى جانب آلية العصر وماديته، ليقيم التوازن بين النقيضين المتصارعين، وليحفظ لعمله المسرحي هويته الشرقية. ومحك النقد ـ على اعجابه بهذه الوسائل الفنية قديمها والحديث ـ يؤثر الاتكاء عليها بقدر، ويخشى من طغيانها على الجوهر. فالمسرح كلمة لا آلة، وفكرة لا صورة، وجوهره الحوار لا الشعوذة، وادواته العبارات المعقولة لا المفاجآت المدهشة. والهدف الاسمي الذي ندب نفسه لتحقيقه هو الغوص في نفس الانسان لسبر اغوارها وتحليل مشاعرها وافكارها، لا التمتع بالازياء والاضواء. واذا كانت السينما نزاعة الى الادهاش فالمسرح يزهد فيه، وينزع الى المحاكاة، محاكاة الواقع، ومحاكاة المألوف، والتزام الصدق، وانتباذ الغلو. انه يحرص اشد الحرص على رصد الدوافع والنوازع، وعلى تفجرها وتحولها الى سلوك واحداث في نطاق المنطق، وضمن ما تواضع عليه البشر امس واليوم. ولهذا اكتسبت المسرحيات الانسانية القديمة سمة الاستمرار، ولم يستطع تطور المسرح الذي تمخض عن مذاهب ينسخ بعضها بعضاً ان ينال من مكانتها او ان ينسخ شيئاً منها. ان اخشى ما يخشاه المحك النقدي هو ان تزاحم الانوار الحوار، وان تصرف الانغام الافهام عن تذوق الكلام، وان يصبح المخرج ومصمم الازياء، وموزع الاضواء، ومحرك الآلات سادة المسرح، فتطغى شخصياتهم الفنية على شخصية الكاتب الفكرية، وعندئذ يتحول المسرح الى شكل من اشكال السينما، فيفقد عمقه الفكري، ويصعب على المؤلفين ان يعودوا عما تعودوا، ويشق على المشاهدين ان يتجرعوا الفكر الجاد الذي يجدونه في المسرح الاتباعي القديم. ويبدو ان مسرحية الشبكة فطنت الى هذا المزلق فجانبته، ولم تسمح للتجريب ان يطغى على عناصرها الاخرى، ولم تبالغ في استخدام الوسائل الفنية مبالغة تفضي بالمسرحية الى الغموض المرفوض، على النحو الذي نجده في المسرحيات التجريبية الرمزية