الاربعاء 9 محرم 1424 هـ الموافق 12 مارس 2003 الأمومة كلمة ذات مدلولات متعددة، انها مرحلة من الحياة رائعة رغم ما بها من تحمل للمسئولية وتضحية كبرى، ومع رحلة الأمومة التي تبدأ بوضع المولود ننتقل الى مرحلة الارضاع، فمما لا شك فيه ان الرضاعة مهمة جداً في حياة الأم والرضيع، انها لحظات من الالتصاق الجسدي والتلاقي العاطفي والروحي بينهما، نعم هي لحظات فحسب إلا ان تأثيرها ومفعولها الساحر يستمر لأعوام، هي فترة حياة الطفل المقبلة، والواقع اننا لسنا اليوم بصدد الكتابة عن الرضاعة وتأثيرها الصحي والبدني والعاطفي والنفسي، بل اننا نود الحديث عن عكس تلك الكلمة، فمن المعروف ان الارضاع عكسه الفطام، حيث ينتقل الرضيع من مرحلة الالتحام بصدر أمه الى الانفصال، ولكم ان تتخيلوا ما لهذه الخطوة من تأثير قوي على الطرفين، لذا فقد تحاورنا مع عدد من الأمهات حول هذا الموضوع، ثم توجهنا الى عدد من المختصين الذين أوضحوا لنا أهم الخطوات التي يجب ان تتبعها الأم لتهيئ صغيرها للفطام، فهذه التهيئة مهمة جداً كي لا يتعرض الطفل لصدمة الحرمان دون مقدمات، كما انهم اوضحوا لنا ان هناك عدداً من النقاط المهمة التي يجب ان تدركها الأم حتى بعد ان يتعود طفلها على الفطام، علماً بأنه مهما قصرت مدة الارضاع أو زادت فإن الفطام يظل أول حالة حرمان في حياة الطفل، لذا وجب ان تكون المسألة مدروسة وألا يستهان بها على الاطلاق.ومع عدد من الامهات كانت هذه اللقاءات حيث تقول أم سالم: ان فترة الرضاعة هي أجمل ما في الامومة من مشاعر وأحاسيس تقرب الأم من وليدها، لذا فإنني أحرص أشد الحرص على ان أتم الرضاعة عامين كاملين كما يحثنا ديننا الحنيف، ومع مرور الأيام والأشهر وقرب وقت الفطام ينتابني احساس عميق بالكآبة حيث اشعر ان هناك من ينتزعني من صغيري ومن يفرق بيننا، وكذلك بالنسبة للطفل حيث انني لاحظت انه يشعر بقرب ابتعاده عن صدر والدته ما يجعله خلال الاشهر القليلة المتبقية يزداد تمسكاً بها وبالرضاعة منها، لذا فإن الاحساس بالحرمان يشعر به الطرفان، فالطفل انسان صغير حساس لأبعد حد. وعن كيفية فطامها لطفلها تقول ام سالم: احمله كثيراً بين ذراعي، وأمنعه من الرضاعة خلال الليل أولاً، ثم بالتدريج اقلل من عدد الرضعات قدر المستطاع وأعوضه بتقديم الوجبات التي يحبها أو الخروج معه للتنزه فترة طويلة، كما ان والده يساعدني في هذه العملية الشاقة والمرهقة حيث اعطيهما الفرصة ليخرجا سوية من دوني، وهكذا يستمر الحال لمدة قد تزيد على الشهر تقريباً، كما انني وفي الفترة الاخيرة او الايام القليلة المتبقية للرضاعة استمع لنصيحة والدتي بأن أضع مادة معينة ذات طعم مر على صدري، ما ينفر الصغير ويجعله يبتعد تلقائياً ومن دون ضغط، ومع التوقف النهائي للرضاعة احاول جاهدة ان اشعر الصغير بحبي له وبقربه مني، ولكنه يظل ملازماً لي ولا ينام الا في حضني لمدة حوالي شهرين أو ثلاثة اشهر، وبذلك أكون قد «فطمت» طفلي بشكل اعتقد انه مثالي دون ان يعاني أي نوع من الحرمان. أنانية وكذلك تروي لنا أم عبدالله محمد إبراهيم ـ ربة منزل ـ قصتها مع الفطام المبكر لطفليها، حيث تقول: بالنسبة لطفلي الأول عبدالله كنت أمر بأول مرحلة من مراحل الأمومة، حيث كنت أمني نفسي بأن أرضعه لسنتين، ولكن نظراً لإهمالي في تناول الاطعمة المفيدة والمدرة للحليب لم أتمكن من ارضاع طفلي لعدم تكون الحليب في صدري، حيث ان طفلي كان قد ترك الرضاعة وعمره لا يزيد عن ثلاثة اشهر، وقد حزنت كثيراً لذلك، وعندما جاء طفلي الثاني عيسى صممت على ارضاعه والاهتمام بتغذيتي قدر المستطاع ولكنني كنت اضطر لاعطائه رضعة صناعية واحدة في اليوم، ومع تلك الرضعات اكتشفت ان طفلي يعاني حساسية من حليب البقر المجفف وأن عليّ أن ارضعه بشكل طبيعي لمدة لا تقل عن ستة اشهر كاملة دون حتى اية اطعمة اضافية، ومع هذا الوضع اكتشفت ان الحليب الذي ارضعه لطفلي لا ينفعه مطلقاً، حيث تحول الى هيكل عظمي بعد اعتمادي الكلي على الرضاعة الطبيعية، وكان من يرى طفلي يرثى لحاله، فاضطررت الى الاستعانة بالاطعمة الخاصة بالاطفال بعد بلوغه اربعة اشهر وتأكدت اليوم انني من المستحيل ان ارضع ايا من ابنائي رضاعة طبيعية كاملة لسنتين، لذا فإنني أغبط الأمهات اللواتي حباهن المولى عز وجل بنعمة ادرار الحليب، فلا أقسى على الأم ووليدها من ترك الثدي لأنه عبارة عن التحام جسدي وعاطفي ونفسي، وفي الوقت ذاته استغرب وجود عدد من الأمهات ممن يبتعدن عن الرضاعة الطبيعية بحجة الحفاظ على شكل الصدر وعدم الاضرار به، واعتبر ان من تفعل ذلك انما هي انانية يفترض بها ان تهتم بصحة من نما في احشائها وخرج الى الدنيا صغيراً لا يطمح سوى الى الشعور بالراحة والأمان وهذا ما توفرهما له الرضاعة الطبيعية. إحساس رائع ومن جهتها تؤكد أم شيخة عارف ـ ربة منزل ـ انه رغم آلام ما بعد الوضع وبداية مرحلة الرضاعة الا انها تعتبر مرحلة رائعة مليئة بالأحاسيس العاطفية والمشاعر التي نادراً ما تشعر بها المرأة، فالأمومة بحد ذاتها اسم رائع وفعل أروع، لذا فمع اللحظات الأولى لولادة ابنتي قررت ان ارضعها طبيعياً لحولين كاملين تامين مع مساعدتها بالحليب الصناعي اذا لزم الأمر، والواقع ان لحظات الرضاعة تكاد الكلمات تعجز عن وصفها، لأنها فترة يلتصق فيها الطفل بأمه التصاقاً فطرياً لينعم بالراحة والسكينة ويأخذ احتياجه من المأكل والمشرب، حيث قرأت العديد من الأبحاث التي تؤكد ان حليب الأم يعطي الطفل كل ما يلزمه من الماء والطعام والحليب، علاوة على ان الرضيع يكتسب صفاته من والدته بسبب الرضاعة، وأعتقد ان هذا هو السبب الذي يدفع بالجيل القديم ان يحذرنا نحن امهات اليوم من ارضاع الطفل وقت الغضب كي لا يتصف بالعصبية، اما ما يتعلق بالفطام فإن هناك العديد من الأسباب التي قد تؤدي بالأم لأن «تفطم» رضيعها قبل اكتمال الحولين، والتي منها عمل المرأة لساعات طويلة خارج المنزل أو سوء التغذية.. وعن نفسي فإنني حزينة جداً لاضطراري الى «فطم» ابنتي الوحيدة وهي بالكاد تبلغ الآن تسعة اشهر، حيث نصحني الكثير بذلك بعد ان رأوني في حالة من الهزال الشديد حيث نقص وزني في فترة قصيرة بمعدل ستة كليوغرامات، واضطررت الى الاستماع لتلك النصائح، خاصة بعد حالات الدوار التي كانت تنتابني، ورغم ان صغيرتي اليوم معتمدة على الرضاعة الصناعية الا انها كثيراً ما تستيقظ ليلاً رغبة في النوم بين احضاني وهذا ما لم ولن أبخل به عليها مطلقاً. بين البنت والولد أما ميثاء علي ـ موظفة ـ فتقول: ان الفطام هي مرحلة حساسة جداً يجب ان يعيها المجتمع بقدر تفهمه لأهمية الرضاعة والامور الاخرى في حياة الطفل، فمن خلال تجربتي الشخصية مع ثلاث بنات اكتشفت ان سرعة الفطام تختلف باختلاف جنس الطفل، فمع بناتي لم أجد أية صعوبة تذكر، حيث بدأت بالتدرج في عملية الفطام، وبمجرد ان وصلن إلى عامين كنت قد أبعدتهن تماماً عن الرضاعة الطبيعية، أما ابني الوحيد فقد ظل يرضع مني حتى بلغ ثلاثة اعوام، وتمكنت بصعوبة كبرى من اقناعه بأنه كبير ولا يفترض به ان يرضع ابداً، واتوقع ان هذا ما قد يفسر تعلق الولد بأمه كبيراً والبنت بأبيها، وهنا تكمن اهمية ادراك الدوافع النفسية التي تجعل من صدر الأم مكاناً لنيل العاطفة والدفء والحنان، حيث نصحتني احدى صديقاتي بضرورة ملاعبة ابني واشعاره بأنني احبه في كل وقت، حيث اوضحت لي ان ا بتعاده عن الرضاعة الطبيعية بما يعنيه من تلاحم جسدي وعاطفي قد يعني له انني سأتغير من ناحيته أو أن عاطفتي تجاهه قد تقل، وبالطبع طبقت نصائح صديقتي وكنت افرد له الكثير من الوقت في التحدث معه ومشاركته في اللعب حتى تمكنت في النهاية من ابعاده عن صدري تماماً، وحتى في الاوقات التي يصحو فيها من نومه ليلاً كنت أتوجه الى سريره وانام معه وامسح له رأسه كثيراً وأمسك بيديه حيث اكد لي احد الاطباء النفسيين ان المسح على الرأس والضغط على يد الطفل يشعره بمكانته عند امه وبقربه منها، وهذا هو ما يحتاج اليه الطفل بشدة قبيل الوصول الى مرحلة الفطام النهائي. فطام تدريجي وخلال جولتنا التقينا الدكتور أيمن عقاد ـ استشاري جراحة نسائية وعلاج عقم ـ والذي يوضح لنا ان الرضاعة الطبيعية لها العديد من المميزات في حياة الأم من خلال مساعدتها على الرجوع والعودة الى الوزن الطبيعي وانها تجعل مناعة جسم الام قوية ضد عدد من الامراض شريطة ان تعوض الام ما تعطيه للطفل، بمعنى ان تتناول حوالي من 2 الى 3 أكواب من السوائل الغنية بالاملاح، والحرص على تناول الاغذية التي تحوي كيمات كافية من الكالسيوم والفوسفات والحديد وغيرها من المعادن التي تحتاج اليها، لأن الاخلال بهذه الشروط وقت الرضاعة تتسبب في عدد من الامراض الجانبية التي نذكر منها فقد الاسنان اضافة لبعض المشكلات الهرمونية والتلون الجلدي وتساقط الشعر ولعلنا قبل الخوض في الفطام نذكر ان الرضاعة الطبيعية تعتبر مانعاً قوياً للحماية من سرطان الثدي. ويضيف الاستشاري: ان الفطام يجب ان يتم بشكل تدريجي كي لا تتأثر الام به، حيث تستغرق المدة في معظم الاحيان اربعة اسابيع تقوم الام خلالها بتقليل عدد الرضعات تدريجياً واللجوء للاطعمة المنزلية المختلفة حتى يتعود عليها الطفل مع عدم اغفال تناوله للفواكه المتعددة والخضار بين الوجبات الرئيسية، والحقيقة ان عملية التدرج لا تصب في مصلحة الطفل فحسب بل انها مفيدة للأم لأنه كلما قللت عدد الرضعات كلما قل الحليب في صدرها، ولكننا نلاحظ في احيان عديدة ان فترة الاسابيع الاربعة قد تكون غير كافية لتقليل نسبة الحليب، وهنا نذكر الأم بضرورة اللجوء الى الطبيب الذي بدوره يعطي انواعاً من الادوية تساعد الام في هذه المهمة، علماً بأن هذه النقطة تجرنا الى نقطة اخرى غاية في الاهمية وهي خطورة بقاء الحليب في الصدر وتجمعه، فهذا الامر له اعراض جانبية خطيرة لذا وجب التنويه. ومما ذكره الاستشاري ان الفطام يعني من الناحية البدنية تقوية المبيضين وبالتالي اتمام عملية التلقيح، وفي هذا الصدد اوجه كلمة لعدد من الامهات ممن يعني الفطام عندهن اللجوء لحمل آخر، وكلمتي اقصد بها ضرورة ان تريح المرأة نفسها من الحمل والولادة بعد الفطام بحوالي سنة أو سنتين او حتى اكثر بقليل، لأن تنظيم الحمل مفيد في اعادة التوازن للجسم بعد متاعب الحمل والولادة والارضاع، فحتى لو وجدت المرأة نفسها بصحة جيدة او انها قد استعادت وزنها الطبيعي فإن الاعراض الجانبية للحمل المتكرر على فترات متقاربة تظهر في المستقبل لذا يجب على الام ان تعي جيداً تلك المخاطر والاعراض الجانبية لما فيه مصلحتها ومصلحة الطفل التالي، كما ان الفطام لا يعني الابتعاد عن الغذاء الصحي بل يجب ان تستمر الام في تناول الاغذية المفيدة وعدم اللجوء للحمية بشكل مباشر بعد الفطام لما في ذلك من آثار جانبية سلبية. مفهوم مختلف ومن جهتها توضح اخصائية التغذية وفاء عايش ان الفطام اليوم يختلف بمفهومه عن الفطام في الماضي حيث كان يعني الاستغناء الكلي عن الرضاعة الطبيعية، اما اليوم فهو يعني ادخال الاطعمة التقليدية دون ايقاف الرضاعة، وهذا يستدعي التدرج، ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية فإن ادخال الاطعمة الصلبة يبدأ من ستة اشهر مع مراعاة عدم التوقف عن الرضاعة الطبيعية، لذا فإننا ننصح عادة بعدم البدء في الفطام قبل هذه المرحلة من العمر نظراً لما قد يسببه للطفل من سوء هضم او مشاكل اخرى، كما ان التدرج يعني اعطاء الطفل لتلك الاطعمة بكميات قليلة جداً شريطة ان يعطى كل صنف على حدة حتى يتعود على ذلك الصنف وحتى تتأكد الام من ان طفلها لا يعاني من حساسية منه، ومن الامور التي يجب مراعاتها عدم اجبار الطفل على تناول اي صنف لاحظنا انه لا يستسيغه، بل على الام في هذه الحالة ايقاف اطعامه ذلك الصنف لفترة من الوقت تعاود بعدها اعطاءه اياه، وهكذا سنجد ان الطفل وبمجرد بلوغه العام الواحد قد تناول معظم الاطعمة، ولكن بعض الامهات قد يعانين من مشكلة الفطام الكامل اي ايقاف الرضاعة الطبيعية بعد بلوغ الطفل السنتين، وهنا ننوه الى ان الطفل بعد ان يتجاوز السنة يتناول طعامه مع افراد العائلة باستخادم الملعقة، ويحصل على حاجته الغذائية كاملة من فواكه وخضار وعصائر ولحوم وأطعمة متنوعة بالملعقة، كما ان مشروباته يأخذها عن طريق الكأس، وهنا ننصح الأم بضرورة الاقلال من الرضاعة الطبيعية قدر المستطاع، كأن يكون وقتها مساء وفي الصباح الباكر، ثم تتحول الى رضعة مسائية فقط مع عدم إغفال ان الناحية النفسية مهمة جداً في هذه المسألة حيث يتوجب على الأم اظهار حبها وتقديرها وحنانها للصغير المتعطش لدفء صدرها، ومع مرور الوقت ستجد الأم ان طفلها قد ترك الصدر تماماً، علماً أن الامتناع المفاجئ عن الرضاعة الطبيعية خطأ كبير له آثار سلبية على الأم والطفل، ولذا فإن الحديث عن اهمية الرضاعة الطبيعية والحفاظ عليها لا يقل اهمية عن التحدث عن الفطام في حياة الطفل وضرورة التدرج فيه لتفادي صدمة كبرى في حياته قد تترك آثاراً في المستقبل